تولي دولة الإمارات فئة الشباب من الجنسين اهتماماً بالغاً، وتعمل على تأهيلهم للقيادة المجتمعية لأسباب عدة، منها أنهم هم عماد المستقبل، وبالتالي فإن تأهيلهم للقيادة هو جزء أساسي من العملية التنموية . والسبب الثاني أن نسبة كبيرة من سكان الإمارات هم من فئة الشباب، فمجتمع الإمارات هو مجتمع شاب فتي حيث يمثل الشباب الفئة العمرية من 15- 35 سنة ما نسبته 30% من عدد السكان تقريباً . والسبب الثالث أن الشباب يمتلكون روح الابتكار والتجديد ومواكبة العصر وهي السمة الغالبة على دولة الإمارات ككل .
وفي سباقهم نحو التميز عمد صنّاع القرار في دولة الإمارات سواء مديري إدارات أو رؤساء تنفيذيين أو غيرهم إلى إيكال مسؤوليات كبيرة للشباب اعتقاداً منهم بأن الشباب يحمل معه الكثير من الصفات غير الموجودة في الجيل المخضرم كالإبداع والابتكار والتجديد ومواكبة العصر، وهي أشياء مطلوبة لمجتمعنا واقتصادنا المتجدد . وبالفعل أثبت بعض الشباب من الجنسين جدارتهم عند توليهم المناصب، خاصة القيادية المهمة منها، وكان البعض منهم يمتلك طموحات عالية وأحلاماً كبيرة حاول ترجمتها وتطبيقها على أرض الواقع . وتحولت بعض الأحلام الى حقائق جميلة نراها ماثلة أمامنا اليوم سواء في هيئة مشاريع اقتصادية أو عمرانية . فقد وفرت الطفرة الاقتصادية والاستثمارية التي شهدتها الدولة غطاء مهماً لكل المشاريع والطموحات العالية . فتوفر المادة أعطى إلى مشاريع هؤلاء القادة الشباب ليس القدرة على تحويل أحلامهم الى واقع فقط، بل الانطلاق الى عالم خيالي وترجمة الكثير من الأحلام الصعبة الى أرقام حقيقية . ولم يقف التمويل ولا الإيمان بأهمية تلك الأحلام والمشاريع أبداً عائقاً في طريق تحويل تلك الأفكار الى حقائق عملية، وسرعان ما تحولت الكثير من المشاريع الخيالية الى حقيقة يراها المرء بأم عينيه ويلمسها بيديه على أرض الإمارات، حتى حازت دولة الإمارات شهرة وأصبحت ذات سمعة عالمية ورصيد قوي من الإنجازات العملاقة التي اكتسبت سمعة إعلامية مدوية .
الطفرة الاقتصادية حققت أحلام الكثيرين، وحولت بعض الأحلام المستحيلة الى واقع جميل، وخلقت وضعاً اقتصادياً واجتماعياً فريداً من نوعه في العالم . ولكن جاءت المتغيرات الاقتصادية لتكشف لنا جانباً آخر لم نفكر به في سباقنا نحو التميز والابتكار . الشباب يمتلك روح الابتكار والطموح والخيال ولكنه أيضاً يمتلك روح المجازفة وسرعة اتخاذ القرار، ويفتقد الخبرة العملية التي هي خلاصة تجارب العمر الطويل، كما يفتقد الصبر والتمهل والرؤية المتدرجة وموازنة الأمور ودراستها بتمهل . إنها صفات لصيقة بالشباب في كل الأزمنة والأوقات ولم يكن شبابنا بمنأى عما يدور في فكر الشباب في العالم كافة . ولكن الفرق أن بعض الشباب أوكلت إليهم مهام كبيرة، وكان عليهم في ظل تلك المتغيرات المتسارعة أن يتخذوا القرار الصائب، وأن يتحملوا نتائج قرارات سابقة، وأن يخططوا للمستقبل في ظل ظروف جديدة ومستجدة لم يتعودوا عليها، بل لم يشهدوها على الإطلاق . فالجيل الذي تربي أو ولد في ظل الاتحاد لم يشهد إلا الطفرة، ولم يتعود ضنك العيش ولا يعرف مصطلحات مثل العوز والفقر والحاجة والادخار . فهو لم يشهد في حياته ضائقة مالية أو أزمة اقتصادية كما لم يذق مرارة الحاجة، هو الجيل المدلل المرفه الذي تعوّد أن تلبى حاجاته المادية حتى لو اضطر الى الاستدانة من المصرف كي يعيش بنمط ومستوى حياتي معين .
لقد أثبتت المتغيرات الأخيرة أن الاعتماد على العنصر الشاب وحده في بعض من هذه المواقع قد يكون مجازفة . فقد اندفع الشباب وقت الطفرة في تحقيق طموحاتهم العالية، ولكنهم وقت الأزمة وجدوا أنفسهم يتحملون مسؤولية عن واقع أكبر من عمرهم ومن مقدرتهم على إيجاد الحلول الملائمة، واقع قد يجعلهم يفقدون مستقبلاً الثقة بأنفسهم وفي قدراتهم العملية والإدارية، واقع قد يعرضنا جميعاً لأن نفقد الكثير .
إن الاعتماد على العنصر الشاب مطلوب في كل زمان ومكان، ولكن من خلال التدرج العملي والإداري، فهؤلاء الشباب يحتاجون الى خبرة الجيل المخضرم ووجوده معهم، يساندهم ويمدهم بالخبرة العملية، ويستخدم كالمكبح حين تزاد سرعة المحرك وتشتد منافسة السباق . ولكن يبدو أننا قد خذلنا الشباب عندما أهلناهم تأهيلاً اجتماعياً خاطئاً قائماً على النظر الى التدرج الوظيفي على أنه انتقاص من قدراتهم ومكانتهم ووضعهم الاجتماعي، أهلناهم لأن يعتقدوا بأن مكانهم المناسب ليس سوى المراكز الأولى، وبأن المركز الثاني والثالث هو انتقاص من قدراتهم العملية والمهنية .
إن تطعيم الإدارات بخبرات من الجيلين القديم والجديد هو لمصلحة الجميع، فيكتسب الجيل الجديد خبرة الجيل المخضرم، ويستفيد الجيل المخضرم من إبداع وابتكار الجيل الجديد . ومن الخطأ الاعتقاد بأن وجود الجيلين معاً هو تأخر أو إرباك للخطط التنموية، بل إن التأخر والإرباك قد يأتيان أحياناً من عزل الأجيال وعدم تواصلها . فيحس الجيل المخضرم بأنه معزول ولا حاجة إليه، ويحس الجيل الشاب بأنه يمتلك زمام المبادرة واتخاذ القرار من دون رقيب أو محاسبة .
لقد علمتنا المتغيرات الماضية دروساً حياتية عديدة يجب الاستفادة منها وعدم التهاون في الأخذ بعظاتها لأنها مفيدة للجميع . لقد كانت مفيدة للجيل الجديد للتعلم من التسرع في اتخاذ القرار، وهو قد لا يكون ضاراً له، بل قد يكون كارثياً لمجتمعه ككل . وتعلم الجيل القديم دروساً قد تكون نافعة له هو الآخر . فمجتمعنا آمن منذ القدم بحقيقة مهمة هي أن تواصل الأجيال مصلحة مجتمعية، ولا بد أن تبقى هذه القيمة الاجتماعية المهمة حية .