"إسرائيل" وسياسة حافة الهاوية

04:44 صباحا
قراءة 4 دقائق

لاتزال إسرائيل تلح على تذكير العرب - والعالم الحرّ - أنها فوق القانون، وأنها ماضية في انتهاكاتها داخل فلسطين وخارجها، من دون أن يردعها رادع، لذا أقدمت يوم الأحد 5 مايو/ أيار 2013 على شن هجوم عسكري ثانٍ على أهداف عسكرية حول دمشق، مكررة بذلك الهجوم الذي حدث في 30 يناير/ كانون الثاني الماضي، وقيل إنه استهدف منشأة أبحاث عسكرية في منطقة جمرايا في ريف دمشق . حيث قامت القاذفات الإسرائيلية والصواريخ الموجهة بضرب أهداف عسكرية في مناطق جمرايا والهامة وقاسيون . وتسببت هذه الهجمات في مقتل وجرح عشرات المدنيين والعسكريين . وادعت إسرائيل أنها استهدفت شحنة أسلحة إيرانية متجهة من سوريا إلى حزب الله في لبنان . لكن هذه الدعوى سقطت بعد أن تبين أن الأماكن التي استهدفها الهجوم كلها قطع عسكرية سورية . التصرف الإسرائيلي يأتي في وقت تشهد فيه الساحة السورية حرباً بين القوات النظامية وقوات المعارضة .

الواقع أن إسرائيل بتدخلها هذا برهنت للعالم أنها جزء من هذه الحرب التي تستهدف سوريا وطناً ودولة، وأن لها مصلحة كبرى في تحطيم الدولة السورية . لكنها بهذا العمل جعلت المنطقة كلها على صفيح ساخن قابل للاشتعال . ومن المستبعد أن تكون قامت بتنفيذ هذه الهجمات من دون الحصول على الموافقة الأمريكية المسبقة، لأن هذا العدوان قد يتبعه رد عسكري من قبل الدولة السورية، ما يؤدي إلى انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية، وربما نحو حرب عالمية بعد أن تعقدت السياسة في العالم، وبرزت قوى كبرى مناهضة للهيمنة الغربية، وتسعى في الوقت نفسه لتغيير قواعد السياسة الدولية، وإعادة تشكيلها على أسس جديدة . فهل، يا ترى، تتجه الولايات المتحدة والغرب نحو المواجهة العالمية المفتوحة بحيث تكون الحرب بين إسرائيل وسوريا شرارتها الأولى، مثلما كان حادث اغتيال ولي عهد إمبراطورية النمسا في سراييفو عام ،1914 سبباً لاندلاع الحرب العالمية الأولى؟

الواقع يؤكد أن المعطيات العالمية الراهنة لا تشير إلى احتمال اشتباكٍ دولي واسع، ذلك أن تداخل العلاقات الاقتصادية بين الغرب وكل من روسيا والصين يجعل من الجانبين في حاجة لبعضهما بعضاً، فديون الصين لدى الولايات المتحدة في آخر إحصائية، بلغت عشرة تريليونات دولار، وتقدم روسيا الطاقة من نفط وغاز للعديد من دول أوروبا الغربية، كما قدمت، ولاتزال مساعدات اقتصادية للدول الأوروبية المتضررة من الأزمة المالية في الاتحاد الأوروبي . لكن رغم ذلك، وبعد استقراء التاريخ الحديث، فقد تتجه الأحداث نحو المواجهة الشاملة، كما حدث قبل الحرب العالمية الثانية . ففي عام 1938 اشتدت المطالبة الألمانية بضم إقليم السوديت الألماني الذي يقع تحت هيمنة جمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة . فتداعت الأقطاب الأوروبية إلى مؤتمر في ميونخ بألمانيا في 29 سبتمبر/ أيلول من العام نفسه من أجل إنقاذ السلام العالمي، وكان هذا المؤتمر برئاسة الزعيم الإيطالي موسوليني، وبحضور الزعيم الألماني هتلر، ورئيس وزراء بريطانيا تشمبرلين، ورئيس فرنسا دالادييه، وقد وافق المجتمعون في هذا المؤتمر على تفكيك تشيكوسلوفاكيا والسماح لألمانيا بضم السوديت إليها . وكانت كلمات الزعماء المجتمعون كلها تشير إلى الرغبة في تحقيق السلام في أوروبا والعالم . لكن هذا المؤتمر أسهم في تأجيل فتيل الحرب عاماً واحداً فقط، حيث اندلعت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/ أيلول عام 1939 .

واليوم، توحي الأجواء السائدة بين القوى الكبرى أن هناك تعاوناً واسعاً بينها ورغبة في تحقيق السلام والاستقرار في العالم، لكن في الخفاء، تضطرم نيران الحقد بين القوى الشرقية (روسيا والصين) الصاعدة، وبين القوى الغربية المهيمنة بسبب عدم وجود النوايا الحسنة بينها . ومن علامات ذلك، انفجار الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، واستمرار المعارك العسكرية في سوريا . لذلك أوعزت الدول الغربية لإسرائيل بالتدخل من خلال توجيه ضربات مدروسة لمجموعة من القطع العسكرية السورية، وبالتالي، أصبحت الحرب بين سوريا وإسرائيل أمراً واقعاً، وهي تنتظر الرد السوري، ما قد يؤدي إلى تفاقم الحرب وازدياد أوارها . وإذا تطور الموقف العسكري من خلال هجوم سوري مضاد، فإن الدول الغربية لن تقف على الحياد، بل ستسارع إلى نصرة إسرائيل، ما يجعلها في صدام مباشر مع روسيا التي اتخذت قراراً بالدفاع عن سوريا باعتبارها حليفاً استراتيجياً لها، وهكذا قد تنتقل الحرب من مكان إلى آخر، فتسارع كوريا الشمالية إلى الهجوم على اليابان، أو ضرب القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية، ما ينذر بحرب عالمية، لا تبقي ولا تذر .

إننا نضرع إلى الله أن يبعد عنا شبح هذه الحرب المدمرة، وأن ننعم في أوطاننا العربية عامة، والعالم أجمع، بنعمة الأمن والأمان . فلن يستشعر هذه النعمة إلا من حرمها، ومازلنا نرى شعوباً شقيقة تذوق شعوبها مرارة غياب الأمن والاستقرار كل يوم، فيعشون خائفين مذعورين من حريق هنا، وسطوٍ هناك، وقطع طرق في أماكن عدة . لك الحمد يا ربنا، على ما أنعمت به على شعب الإمارات من نعمة الأمن والأمان والاستقرار، فاللهم أدم علينا فضلك، وقنا السوء بما شئت، وكيف شئت، إنك على كل شيءٍ قدير .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"