أنهت مجموعة بريكس أعمال قمتها التي استمرت يومين، بمدينة ديربان في جمهورية جنوب إفريقيا يوم الأربعاء الماضي، وقال زعماء الدول المشاركة في البيان الختامي للقمة: إننا نعرب عن قلقنا العميق من تدهور الوضع الأمني والإنساني في سوريا، وندين الانتهاكات المتكررة والمتزايدة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي نتيجة العنف المستمر . كما بحثت دول المجموعة خيار إقامة شبكة أمان مالي في صورة مبالغ احتياطية قيمتها 100 مليار دولار بهدف الحماية في حالة عجز السيولة ولضمان الاستقرار المالي، وإنشاء بنك للتنمية برأسمال قدره 50 مليار دولار .
وكلمة بريكسPRICS هي اختصار أسماء الدول المنضوية تحت هذا التجمع وهي كل من روسيا، والصين، والهند، والبرازيل وجنوب إفريقيا . وهذه الدول- باستثناء روسيا- دول نامية تنتمي إلى ما يسمى العالم الثالث، لكنها أصبحت بفعل قدرات شعوبها دولاً صناعية، وبدأت تتلمس موقعها في خريطة العالم الحالية التي تسيطر عليها دول الغرب واليابان والتي تضع يدها على ثمانين في المائة من ثروات العالم، وتضع خططاً استعمارية لإبقاء تفوقها في العالم إلى أمد بعيد .
ورغم أن دول بريكس لا تجمعها إيديولوجية واحدة ولا هوية واحدة ولا تاريخ مشترك واحد، حيث إن كل دولة مختلفة عن الدول الأخرى، لكن الذي يجمع بين هذه الدول هو إرادتها للوصول إلى مركزها الطبيعي في العالم، وإدراكها أن الدول المسيطرة حالياً لن تسمح لدولة جديدة أن تحل مكانها أو أن تأخذ مميزاتها، ولذلك وجدت هذه الدول مصلحتها في الالتقاء مع بعضها لصيانة حقوقها، ولإدراكها أن بقاءها منفردة ومن دون إطار كبير من الدول المتعددة يدافع عنها سوف يبقيها على ما هي عليه . وتضم مجموعة بريكس أكبر دول العالم في المساحة والسكان .
وتعمل دول البريكس حالياً على تنسيق مواقفها العالمية وخاصة إزاء الصراعات ومناطق النفوذ، وهي تقريباً تتكلم بلغة واحدة في المحافل الدولية . وتعمل الولايات المتحدة ودول التحالف الغربي على عرقلة جهود هذه الدول في التجمع والتحدث بلغة واحدة، فتستخدم لغة التهديد وتحريك الأخطار لهذه الدولة أو تلك؛ فمثلاً الهند محكومة بعامل الصراع مع باكستان، وتعمل الولايات المتحدة على الإبقاء على تحالفها الراسخ مع باكستان، لا حبا بالباكستانيين، بل من أجل التأثير في مواقف الحكومة الهندية، ودفعها بشكل مستمر إلى الخضوع للإرادة الأمريكية والقبول بالوسيط الأمريكي، الذي يعمل على منع الحرب النووية بين الهند وباكستان .
وبالنسبة إلى الصين، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز نفوذها في البحر الأصفر، وتشجع اليابان على لعب دور استراتيجي أكبر في الصراع في الشرق الأقصى، كما تعمل على تأزيم الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية بشكل مستمر، لكي تبقى الصين في حالة خوف من اندلاع حرب في تلك المنطقة، ويبقى تواصلها مستمراً مع الولايات المتحدة التي تفرض في مقابل ذلك شروطاً سياسية على الحكومة الصينية .
وفي البرازيل، لا تزال للولايات المتحدة أذرع طويلة تستطيع من خلالها التأثير في مجريات الأحداث في هذا البلد وفي أمريكا اللاتينية كلها . وعلى الرغم من وجود بعض الحكومات المعادية للولايات المتحدة في دول مثل فنزويلا، وكوبا، وبوليفيا، والإكوادور ونيكارغوا، فإن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة غير موجودة في تلك الأصقاع، بل إن وجود هذه الحكومات المعارضة هو الدليل الأكبر على التغلغل الأمريكي في تفاصيل أمريكا اللاتينية؛ وكم هو عدد الانقلابات التي حدثت في البرازيل- وفي غيرها- وكانت من تدبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية . ولذلك فإن البرازيل تبقى في حالة خوف، وهي دولة غير مستقرة بسبب ضخامة مساحتها، ولوقوع غابة الأمازون الكبرى في أراضيها، وهي الغابة التي تشغل مساحة خمسة ملايين كيلومتر مربع من مساحة البرازيل البالغة ثمانية ملايين كيلومتر مربع . لكن رغم هذه التحديات الموجودة أمام هذه الدولة أو تلك، فإن إرادة دول البريكس تتجه نحو اتباع سياسة واحدة، وقد تكون روسيا هي المحرك الأساسي لهذا التجمع، وهي التي تعطيه العزم والقوة . لكن مجرد وجود النية لإنشاء مثل هذا التجمع يعني أن هذه الدول ماضية في سبيل الحصول على حقوقها . فلا يعقل أن تبقى الصين خارج ما يسمى الدول الصناعية السبع الكبرى وهي التي يبلغ ناتجها القومي حالياً ستة آلاف مليار دولار أو يزيد على ذلك، وأيضاً بالنسبة للهند التي باتت موطن التكنولوجيا والنانو تكنولوجيا .
لا شك أن العقل الاستعلائي الغربي لا يمكنه أن يقبل بالهزيمة أمام شعوب كانت حتى الأمس القريب خاضعة للنفوذ الاستعماري الغربي . وفي هذا الصدد، توصل عالم في الطب اسمه مانويل باتارويو من كولومبيا إلى اكتشاف مصل مضاد لمرض الملاريا القاتل وذلك في الثمانينات من القرن الماضي، لكن الولايات المتحدة ودول الغرب رفضت الاعتراف بهذا الاكتشاف الطبي الخطير، لأنه جاء من مكان هو كولومبيا في أمريكا اللاتينية، ورفضت بالتالي منظمة الصحة العالمية اعتماد هذا المصل للقضاء على هذا المرض الطفيلي القاتل الذي يصيب مجرى الدم ويتسبب في موت عشرات الملايين كل عام، فقط لأن الذي اكتشفه هو طبيب من العالم الثالث .
إذا كانت دول الغرب غير قادرة على رؤية أي خير يأتي من دول العالم النامي، فكيف يمكن لهذه الدول أن تتعاطى بعقلية حضارية مع هذا العالم؟ الواقع أن تجمع بريكس ليس أمامه من خيار سوى تطوير آليات عمله، والالتزام بموقف ثابت ودائم، وملاقاة أساليب الهيمنة الغربية بأساليب أخرى أشد مرارة وأكثر إيلاماً للغرب، ومن عَزَمَ على شيء نالَهُ أو بعضه، ودول البريكس عازمة على إعادة صياغة العالم لصالح الدول والشعوب النامية، وهذا ليس مجرد حلم، بل هو حقيقة بات الوصول إليها قريباً للغاية .