التلمود دستور الأصولية الإسرائيلية، هذا ما قاله الحاخام ناتاتسون العام 1953 عندما نصح النساء اليهوديات بارتداء ملابس دينية مثل الحريديم، وألا يتوجهن إلى الأماكن المختلطة بين الجنسين من الرجال والنساء إلا بوجود محرم . وقد نشرت صحيفة الخليج يوم 21 من فبراير/شباط الحالي خبراً أشارت فيه إلى أن مستوطنين يهود دنسوا كنيسة في القدس وهددوا المسيحيين بالصلب، وكُتبت إهانات على جدران الكنيسة المعمدانية في القدس المحتلة باللغة العبرية . وقالت الشرطة الإسرائيلية إن من سمتهم مخربين كتبوا عبارة الموت للمسيحية، وكذلك استهدفوا أيضاً مساجد ومنازل فلسطينية في الضفة الغربية .
وكانت صحيفة معاريف قد نشرت الشهر الماضي تقريراً أشار إلى أن نائب رئيس بلدية أوريهودا عوزي أهارون، قام بجمع نسخ الإنجيل من السكان، وحرقها وسط المدينة مع مئات من الطلاب الحريديم المتدينين الذين احتفلوا حول النار المشتعلة . واستند أهارون إلى الشريعة اليهودية التي تأمر بتدمير الكنائس، والأغراض المقدسة للكنيسة المسيحية .
والواقع أن العالم الغربي الذي أعلن الحرب المفتوحة ضد الإسلام والمسلمين- بدعوى أن الديانة الإسلامية تولد العنف- أغمض عينيه عن أفعال إسرائيل بحق المسيحيين الفلسطينيين، وبحق الآثار والمقدسات المسيحية والإسلامية في فلسطين المحتلة، وحتى بحق كتاب الإنجيل الذي لم يسلم هو الآخر من تدنيس اليهود له . فهو يُحرق علناً، وعلى رؤوس الأشهاد ومن قِبل مسؤول في دولة إسرائيل، وكأن شيئاً لم يحدث . ولو أن عربياً أو مسلماً قام بحرق الإنجيل علناً، لقام الغرب -بإعلامه المتصيّد ومؤسساته المتحفزة- بتسليط الضوء على الحدث، والتنديد به، وإلقاء التهم جزافاً على من قام بذلك، وممارسة سياسة الغمز واللمز في جنسه، ودينه؛ بينما إسرائيل (دولة وأفراداً) لها مكانة خاصة في قلوب الدول الغربية -إعلامها ومؤسساتها وساستها- التي لا تتأخر عن تقديم الغالي والنفيس في سبيل بقاء هذه الدولة واستمرارها . وهذا الحب المجبول بالتصورات الذهنية الخاطئة، والأفكار الموهومة عن أرض الميعاد والشعب المختار؛ هو الذي يجعل مسيحيي الغرب يغضون الطرف، ويصمون الآذان عن أفعال اليهود ضد المقدسات المسيحية . وكأن الزمن البشري توقّف عند بني إسرائيل وعند حروب المكابيين، حتى أصبح الغرب ينظر فلا يرى إلاّ تلك الصورة البعيدة التي تتراءى له حلماً جميلاً يسعى للوصول إليه . ولا شك أن هذا الولع الغربي بالتراث اليهودي يعود لكون المسيحية ولدت من رحم اليهودية . وهذا ما يؤكده قول المسيح: لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة . وهو أيضاً كان يعشق أورشليم وفي نفس الوقت كان ينذرها بالعذاب والخراب؛ لأنها خالفت تعاليم الرب، حيث يقول: يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء، وقاتلة المرسلين، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها .
وقد انبنت الديانة المسيحية على أساس أنها امتداد لديانة اليهود، فالتوراة هو الكتاب المفتوح الذي يقرأ المسيحيون فيه صدق الوعد الإلهي بظهور المسيح كما جاء في سفر إشعيا: هي ذي العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل . وكما جاء في نفس السفر أيضاً: من مصرَ دعوتُ ابني . وقد تعمّق الوعي الغربي بأساطير التوراة حتى أصبحت هذه الأساطير جزءاً أساسياً من موروثهم الثقافي .
وعندما حدث الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر على يد المصلح الألماني مارتن لوثر، انشقّت الكنيسة الكاثوليكية وظهرت فرقة مسيحية جديدة من بينها البروتستانتية . وهذه الفرقة ذهبت بعيداً في التماهي مع عقائد اليهود، حتى أنها اعتنقت فكرة المسيح المنتظر في اليهودية . هذا المسيح الذي سيأتي إلى الأرض؛ ليقضي على الأشرار ويحكم الشعب اليهودي من أورشليم . لكن البروتستانتية تعتقد أن عودة المسيح مشروطة بعودة اليهود كلهم إلى فلسطين، ومن ثم اعتناق هؤلاء للمسيحية البروتستانتية .
وبعد أن أقيمت دولة إسرائيل المشؤومة في فلسطين العام 1948 أصبح واجب دعاة البروتستانتية في الغرب هو تنصير اليهود في إسرائيل للتعجيل بظهور المسيح . ومن هنا تتكثّف دعوات التبشير بالمسيحية بين المستوطنين الصهاينة في إسرائيل . وفي نفس الوقت يتكثف الدعم الغربي لهذه الدولة حتى تصمد في وجه الأمة العربية والإسلامية، وتستطيع جذب كل اليهود إليها تمهيداً لظهور المسيح المنتظر، ولمجيء ما يسمى العصر الألفي السعيد .
قد لا يصدق الكثير من العرب والمسلمين أن الدعم الغربي لإسرائيل مبني على اعتقادات راسخة لدى الغربيين بأن فلسطين هي وطن اليهود التاريخي، ومكان ظهور ما يسمى المسيح المنتظر . لكن، وللأسف، فهذه هي الحقيقة، فحب الغربيين لإسرائيل لن يتوقف يوماً، بل إنهم سيدخلون، في المستقبل، في حرب هائلة مع العالم العربي والإسلامي من أجل عيون محبوبتهم إسرائيل .
* كاتب من الإمارات