عادي

فلسطين.. حوار فشل قبل أن يبدأ

23:05 مساء
قراءة 4 دقائق
1

حلمي موسى

انفض سامر «حوار القاهرة» الذي دعت إليه الرئاسة المصرية الفصائل الفلسطينية قبل أن يبدأ. ولم يكن الأمر مفاجئاً للكثيرين من الفلسطينيين الذين عركتهم تجارب الماضي وفهموا أن ما لم يتحقق عبر حوارات الماضي ليس سهلاً تحقيقه في حوارات الحاضر. والمؤلم أن هذه الخلاصة تتكرر حتى بعد الحرب الأخيرة على غزة وبعد كل هذا القدر الهائل من التعاطف الشعبي العربي والدولي مع القضية الفلسطينية. وواضح أن الخلافات التي كانت قائمة في الساحة الفلسطينية طوال عقد ونصف العقد تقريباً تلقي بظلالها القاتمة على كل حوار حتى لو كانت أول أهدافه: إعادة إعمار قطاع غزة.

لم يقنع أحداً الإعلان المصري بأن تأجيل حوار القاهرة نبع من انشغالات مصرية. فلدى مصر القدرة على تشغيل عشرات طواقم إدارة الحوارات لو أن الأمر يعود إلى هذا السبب. ولذلك لا بد من محاولة فهم الثابت والمتغير في الحوارات الفلسطينية ومقدار ما يطرأ من تعديل على مواقف الأطراف ذات الشأن. ومن المهم هنا الإشارة أولاً إلى ما اعتبر جدول أعمال محتمل لأي حوارات فلسطينية تجري بعد حرب وفي ظل انقسام.

 وقبل كل شيء، ثمة خلاف أساسي قائم في الساحة الفلسطينية بين نهجين يرى أحدهما أن لا سبيل سوى المقاومة الشعبية والشرعية الدولية، ويرى الآخر عكسه بالمقاومة المسلحة وتغيير موازين القوى. وواضح أن نتائج النهج الأول قادت إلى ما هو قائم من غطرسة معادية وزيادة تطرف واستيطان. وترافق ذلك مع تعاظم المد اليميني في إسرائيل والذي استفاد جداً من استمرار الانقسام الفلسطيني، خصوصاً في ظل تعاطف الإدارة الأمريكية السابقة معه. ومعنوياً يرى أنصار خط المقاومة المسلحة أنهم حققوا بعض الإنجازات في مواجهة العدو وأنهم البديل الفعال لخط التسوية.

 وكان معروفاً أن ملف إعادة الإعمار مرتبط بالتهدئة مع إسرائيل كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار. وأن الوضع الفلسطيني سياسياً وإعمارياً لم يعد يتحمل استمرار الانقسام وهو ما يستدعي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني كمنظمة تحرير وكسلطة وطنية. وبديهي أن ترتبط بهذه الملفات مواضيع متنوعة أبرزها في المرحلة الأولى مسألة تبادل الأسرى، خصوصا وأن مصر تلعب دور الوساطة الأساسي على هذا الصعيد.

 غياب النوايا الحسنة

 ومن المنطقي الافتراض أنه لو توفرت النوايا الحسنة، لجرى التوافق على آلية إدارة لنقاط الخلاف تقوم على عدة مبادئ أولها معالجة ما تقتضيه الضرورات ويتم التوافق عليه ومواصلة النقاش حول مواضع الخلاف. ورغم أن الحوارات ذاتها قائمة بين الفلسطينيين، وأغلبها برعاية مصرية منذ ما لا يقل عن عقد من الزمان، إلا أنها كثيراً ما اصطدمت بالخلاف حول الشرعية. وحتى عندما كان يتم التوافق على سبل حل هذا الخلاف، سواء بتوافق أو بانتخابات، سرعان ما كان يدب الخلاف من جديد.

 ولا ينكر أي مطلّ على واقع الحال الفلسطيني أن جانباً من أساس الخلاف يعود إلى الصراع على الهيمنة على القرار الفلسطيني، تارة باسم الشرعية الثورية وأخرى باسم صناديق الاقتراع. ومن المؤكد أنه لو كان واقع منظمة التحرير متحرراً من حالة الجمود وإرث الماضي لتغير الشيء الكثير على صعيد العلاقات حتى داخل السلطة الفلسطينية. ولكن لا حاجة لاستمرار العزف على وتر الأماني فالواقع أمامنا.

 الخلافات

والخلاف الجوهري الأول هو حول من يحضر الحوار وكأنه يجري لأول مرة ولم يسبق لكل الأطراف أن شاركت فيه. والخلاف الجوهري الثاني كان حول أن تمر كل عملية إعادة الإعمار عبر السلطة الفلسطينية في رام الله وليس عبر أي جهة أخرى سواء كانت «لجنة وطنية عليا» أم «إدارة مصرية». والخلاف الثالث المهم هو أن المطلوب التوافق على حكومة مقبولة دولياً تقوم بإعادة الإعمار وتسهل وصول المعونات من الدول المانحة وليس البحث في إعادة ترتيب منظمة التحرير.

 وتخفي كل واحدة من نقاط الخلاف ألغاماً شديدة الانفجار، ظن كثيرون أنها اختفت مع مرور الوقت. فإبعاد النقاش عن منظمة التحرير ومحاولة حصره في الحكومة الفلسطينية يحصر المسألة في مقتضيات الواقع الخاضع جداً لتأثيرات كل من إسرائيل والمنظومة الدولية. وحصر إعادة الإعمار في الحكومة الفلسطينية يعني أن على المقاومة أن تعلم أن كل ما تفعله فقط يعين الحكومة ولا ينبغي لها أن تستفيد منه لا مادياً ولا معنوياً.

 ولكن ما لا يدركه الطرفان الفلسطينيان المتعاركان أن المحيط والقوى الفاعلة لن تسمح باستمرار الجمود الراهن. فالتهدئة مطلوبة إقليمياً ودولياً وهي حاجة إسرائيلية أيضاً، ولذلك فإن المساعي لتثبيت وقف النار وإدامته ستتواصل خصوصاً مع الجهة التي بقدرتها تفجير الوضع. وهذا يعني أنه سواء استمر الحوار الفلسطيني أم لا؛  فإن الوسيط المصري سيسعى لمنع العودة إلى مربع الحرب.

فالمطلوب في نظر الكثير من القوى الدولية تجنب مشاهد الحرب التي تثقل على مجاري السياسة الإقليمية والدولية في المنطقة. ولهذا السبب فإن محاولة البعض استغلال الحرب ونتائجها لحسم صراعات داخلية فلسطينية سيكون مصيرها الفشل في الغالب. فالتوازنات القائمة خصوصاً في ظل تناقض المواقف الخارجية تجعل من أمر الحسم مستبعداً خصوصاً في ظل الوضع السياسي في الكيان.

 ملف الأسرى

 ففي إسرائيل، ما بعد نتنياهو، حكومة تتشكل لن تكون قادرة كثيراً عن الخروج على سياسة نتنياهو المتبعة منذ أكثر من عقد من الزمان. ولا تطمح الحكومة الجديدة لتسوية سياسية مع الفلسطينيين ولا حتى لتعديل النهج اليميني الاستيطاني. ولذلك فإن محاولة الإدارة الأمريكية استغلال الحرب الأخيرة لتحريك عملية التسوية سوف تصطدم برفض إسرائيلي شديد. وهذا يدفع للاعتقاد بأن الوسيط المصري سيبحث بالتعاون مع كل ذوي الشأن عن سبل للالتفاف عن العوائق الجوهرية.

 وليس مستبعداً والحال هذا إن يحدث اختراق في ملف تبادل الأسرى يتبعه توسع في عملية إعادة الإعمار. وبعدها ستظل الأمور مفتوحة لنقاشات داخلية فلسطينية بوساطة مصرية أو سواها من أجل تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه مرات عديدة في حوارات سابقة. فالوقائع عنيدة والوضع لن ينتظر طويلاً اتفاق الفلسطينيين في هذا الحوار أو ذاك، وهذا بالتأكيد يضعف من قدرتهم على تحقيق إنجاز ملموس.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"