التهديدات الإسرائيلية شبه اليومية، لكل من لبنان وسوريا وإيران، والتي تتردد على ألسنة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، بدءاً بنتنياهو مروراً بالفاشي ليبرمان وصولاً الى وزير الحرب باراك، ليست عبثية ولم تأت من فراغ، فالرؤوس الحامية في تل أبيب والمصابة بهوس العظمة وجنون القوة، ليست بعيدة عن اقتراف الحماقات المتتالية، فهي لا تمتلك غير لغة العدوان التي اعتادت على اقترافه بين الفينة والأخرى، منذ الإنشاء القسري لدولتها حتى هذه اللحظة، لكن إسرائيل لا تدرك طبيعة المتغيرات في المنطقة، تماماً مثلما لم تتعلم من دروس عدوانها على لبنان في عام ،2006 والتي اعترفت بهزيمتها أوساط إسرائيلية مختلفة . رغم كل ذلك من الواضح أن عدوانها القادم لن يمر مروراً سهلاً، هذا ما تشي به عوامل كثيرة مختلفة، لعل من أبرزها، ما جاء على لسان الرئيس الإيراني في دمشق والمتمثل في أن رد إيران سيكون موجعاً ل إسرائيل، وذلك في المؤتمر الصحافي الذي عقد إثر الاجتماع الذي تم بينه وبين الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصرالله . كذلك مثلما جاء على لسان الأخير، فقد كان جلياً وبأسلوب رادع لا تفهم إسرائيل المتغطرسة غيره، وعلى قاعدة: العين بالعين والسن بالسن، في خطابه الأخير (الثلاثاء 16 فبراير/شباط) بمناسبة الذكرى السنوية لاغتيال ثلاثة من قادة الحزب: عباس الموسوي وراغب حرب وعماد مغنية .
تمادى وزير خارجية العدو ليبرمان، وكذلك وزير الحرب باراك، وقادة إسرائيليون آخرون في تهديداتهم للبنان ولسوريا ولقطاع غزة، تهديدات بتغيير نظام الحكم في سوريا، في لغة وقحة وبزعرنة قطّاع الطرق واللصوص وعصابات المافيا، وبتدمير البنى التحتية في لبنان .
لقد اعتادت إسرائيل في كل الحروب السابقة التي خاضتها مع العرب على نقل كل المعارك إلى خارج حدود كيانها، إلى ما تسميه بـ(أرض العدو)، ولم تنجح في ذلك في عام ،2006 لأن جزءاً من المعركة (بالصواريخ التي أطلقها حزب الله) تم خوضه في داخل إسرائيل، أما الآن فإن كافة الأهداف الإسرائيلية بما فيها المواقع النووية الإسرائيلية في النقب (في الجنوب)، تقع في مرمى صواريخ المقاومة اللبنانية .
من ناحية ثانية، تأتي هذه المواقف في الوقت الذي تتزايد فيه التهديدات الإسرائيلية-الأمريكية وعودة الحديث عن الحسم العسكري مرّة أخرى للجم الطموح النووي الإيراني، هذا الخيار الذي كان مستبعداً في مرحلة قريبة، الآن تتزايد إمكانية تنفيذه والقيام به، رغم تداعياته الكثيرة التي قد تحرق المنطقة برمتها، جنون العظمة الأمريكي في مرحلتي رئاسة بوش الابن يلقي بظلاله على الإدارة الحالية التي تخلت عن معظم وعودها وتماهت مع جنون العظمة الإسرائيلية، وبخاصة في ظل وجود حكومة الائتلاف اليميني الفاشي في إسرائيل .
تشير كافة التقديرات لدى غالبية المعاهد المعنية البحثية العسكرية إلى تحسن كبير في امتلاك المقاومة اللبنانية لأسلحة قادرة ومؤثرة في الطرف الآخر .
إن ما قيل في دمشق وبيروت لا يندرج في باب التهديدات غير القابلة للتنفيذ، ولا يندرج في باب الحرب النفسية أيضاً . بل يعكس قدرات جرى اختبارها في عدوان ،2006 والتي خرجت منها إسرائيل وباعتراف معظم الاستراتيجيين العسكريين الدوليين وباعتراف مصادر إسرائيلية كثيرة بفشل ذريع في تحقيق كافة الأهداف التي أرادتها من العدوان، أي بمعنى آخر، هزيمة حقيقية لهذه الأهداف، وبدلاً من القضاء على المقاومة اللبنانية ازدادت الأخيرة إمكانيات وقدرة على المزيد من إيذاء إسرائيل في ما لو بدأت عدواناً جديداً .