تبدل المشهد السياسي الهادئ في الشرق الأقصى بعد أن قفزت قضية الجزر المتنازع عليها بين الصين واليابان إلى الواجهة، فقد احتجت اليابان على اقتراب ثلاث سفن دورية صينية من تلك الجزر الموجودة في بحر الصين الشرقي، وهذه الجزر رغم أنها غير مأهولة، فإنها غنية بالثروات الباطنية والمعادن الثمينة، وتضع العائلة المالكة في اليابان يدها على هذه الجزر باعتبارها من ممتلكاتها، لكن الحكومة اليابانية تسعى إلى تأميمها، والعمل على تطويرها، وتسميها اليابان #187;سنكاكو#171;، أما الصين فتسميها #187;دياويو#171; . وتقول الصين إن الجزر جزء من أراضيها ومن سيادتها القومية، وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية الصيني يانغ جيشي خلال منتدى #187;آسيان#171; الذي انعقد في العاصمة الكمبودية فنوم بنه، حين التقى نظيره الياباني كويشيرو جيمبا، إذ أكد له أن الجزر صينية منذ الأزل، ولا نية لبلاده في التفريط فيها . وفي الوقت نفسه، حذّر وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا من أن النزاعات على الأراضي بين عدد من دول آسيا - بما فيها الصين - يمكن أن تؤدي إلى حرب إذا لم يتم التخفيف من حدتها، وعندما تدخل هذه الدول في استفزازات ضد بعضها بعضاً بشأن هذه الجزر المختلفة، فإن ذلك يزيد من احتمال اتخاذ قرار خاطئ من جانب أو آخر، ويمكن أن يقود إلى العنف وينتج عنه نزاع .
لا شك في أن الخلاف على هذه الجزر هو صدى لتلك التركة الثقيلة من الصراعات الخفية والمعلنة أحياناً بين اليابان والصين التي استمرت لأكثر من ستين عاماً، بدأت تلك الصراعات عندما انطلقت النهضة اليابانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدأت نهضتها الصناعية، لكنهم ووجهوا بفقر أرضهم بالمواد الأولية اللازمة لصناعة نهضة، ما اضطرهم إلى التفكير في التمدد خارج أرضهم، خاصة دول الجوار: كوريا والصين .
وكانت كوريا تحت سلطان إمبراطور الصين الذي عين فيها حاكماً صينياً . وقد أثار اليابانيون فتنة داخلية في كوريا، ما اضطر الإمبراطور الصيني إلى إرسال قوات عسكرية لحفظ الأمن في كوريا، كما أرسلت اليابان من طرفها قوات لحفظ الأمن . وبعد استتباب الأمن بالقضاء على الثورة، رفضت الصين سحب قواتها حتى يتم سحب القوات اليابانية، ولما فشلت المفاوضات بدأت اليابان الحرب في أغسطس/آب العام ،1894 وقد انهزمت الصين لضعف قواتها، وتراجعت أمام القوات اليابانية . وفي فبراير/شباط العام ،1895 هاجمت القوات اليابانية البرية والبحرية بلاد الصين، فاضطرت الصين إلى طلب الصلح، وعقدت معاهدة #187;شمونسكي#171; في إبريل/نيسان 1895 التي تنازلت بموجبها عن جزيرة #187;تايوان#171;، وجزيرة #187;بسكادور#171;، وشبه جزيرة #187;لياوتونغ#171;، وأن تدفع غرامة مالية كبيرة .
ولم تكتفِ اليابان بذلك، بل راحت تتحيّن الفرصة لاحتلال الصين، وإخضاعها بشكل مباشر، وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى العام 1914 امتدت إلى الصين، وكانت اليابان هي السبب الأول في زج الصين في هذه الحرب، لكن الحكومة الصينية سارعت إلى إعلان الحرب على ألمانيا، فكسبت ود الحلفاء المستعمرين لها (بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة)، واضطرت اليابان إلى تأجيل مخططها الاستعماري في الصين إلى وقت آخر . وفي العام ،1931 سنحت الفرصة لليابان، فقد كانت الدول الكبرى مشغولة بمشكلاتها الداخلية، وكانت اليابان تطمع في غزو منشوريا أقرب الولايات الصينية إليها، والغنية بالأخشاب والحديد والفحم الحجري، فحركت جيوشها نحوها وسيطرت عليها، مكونة بها حكومة موالية لها، واتخذتها قاعدة للتوغل نحو الجنوب، وضم كل ما تستطيع ضمه من الولايات التابعة للصين .
وفي العام ،1937 قامت الجيوش اليابانية باكتساح كل أراضي الصين، وبدأ الصينيون باستخدام حرب العصابات لتحرير بلادهم من الغزو الياباني، الذي انتهى بسقوط اليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945 . وبعد الحرب، وقعت اليابان تحت الاحتلال الأمريكي المباشر، وتم فرض الديمقراطية عليها بالقوة، فظهرت فيها أحزاب تعهدت بنبذ الحقبة الإمبراطورية، وبناء دولة حديثة مختلفة، وبدأت اليابان علاقات متميزة مع جيرانها، فنشأت بينهم علاقات يظللها حسن الجوار ولا سيما مع الصين . وكان الساسة اليابانيون يركزون دائماً على نبذ الماضي البغيض، وحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية .
واليوم مع احتدام الخلاف الدبلوماسي بين الصين واليابان على تلك الجزر، يبدو أن اليابان تحاول أن تتبع سياسة مختلفة عن سياستها السلمية تجاه الصين، لكنها هذه المرة تحت مظلة التحالف الأمريكي، وبدعم مباشر منها، ذلك أن ظهور الصين كقوة عظمى، وشعور الولايات المتحدة بظهور قطب عالمي جديد يهدد تفردها بالقرار الأممي، ما أفزع صنّاع السياسة الأمريكية، وأجبرهم على إفساح المجال أمام اليابان لاستعادة الثارات القديمة؛ لتمارس دور الكابح لهذه القوة الصاعدة . تستطيع اليابان عرقلة النمو الصيني، خاصة أنها من الدول السبع الكبرى، وثالث قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة .
ولا شك في أن حل مسألة هذه الجزر سيحدد مستقبل منطقة الشرق الأقصى . وعلى الرغم من كل العراقيل التي قد توضع أمام الصين؛ فإنها لا محالة جديرة بأن تبسط سيطرتها على أراضيها، فتستعيد تايوان وبقية الجزر إلى سيادتها، وسوف تكون - في المستقبل القريب - هي القوة الدولية المسيطرة في الشرق الأقصى كله .