شجاعة بلا خوف ورجولة بلا جفاء

هكذا علمنا النبي
03:41 صباحا
قراءة 6 دقائق

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نحترم ضيوفنا ونتفانى في أداء واجب الضيافة لهم وأن نكرمهم بكل صنوف الكرم، كما ربانا صلى الله عليه وسلم على الجرأة والشجاعة والتمسك بحقوقنا.

كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أشياخ العرب، وكان يجلس على يمينه غلام حديث السن، فقدم لبنا إلى الضيوف، فاستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم الغلام قائلا: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام والله يا رسول الله، لا أؤثر بنصيبي منك أحدا. قال الراوي وهو الصحابي سهل بن سعد رضي الله عنه: فتله رسول الله في يده (يعني دفعه إلى يديه دفعا كأنه يعاقبه على صنيعه).

هذا الموقف النبوي الشريف مع هذا الغلام قد يمر عليه كثير من المسلمين مرورا سريعا لا يقفون عنده، فما لهم ولشربة لبن قدمت إلى بعض ضيوف النبي عليه الصلاة والسلام؟

لكن المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا يرى في هذا الموقف أمورا بالغة الأهمية في تربية الرجال وتربية الأمم.

أول ما نراه في هذا الموقف الذي جسده لنا الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ للغلام الجالس على يمينه حقه في الشرب أولا، لم يمنعه من ذلك صغر سنه، ولا مكانة الآخرين الذين جلسوا حوله، إذ الحق أولى أن يعطى لصحابه دون نظر إلى مكانة صاحب الحق، أو مكانة من يتأذى بإعطاء كل ذي حق حقه.

الأمر الثاني أن في هذا التصرف تربية للغلام أن يعرف ما له من حق، وألا يقبل غمط حقه مهما ترتب على ذلك من إكرام من هم أسن منه، وفيه تربية لهؤلاء الكبار ألا يظنوا أن أعمارهم تفيدهم حقا ليس لهم.

جرأة وشجاعة

الأمر الثالث الذي يلفت الدكتور العوا انتباهنا إليه من خلال هذا الموقف النبوي مع الغلام أن شباب هذه الأمة كانوا ينشأون على خلق الجرأة والشجاعة منذ نعومة أظفارهم، فها هو الغلام يأبى أن يأذن في حق له، رغبة منه أن يكون تاليا لرسول الله في الشرب من إناء اللبن، لا يخيفه من ذلك ولا يرهبه أن الذين أريد تقديمهم عليه هم من كبار العرب وشيوخهم، وهم ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتكلم في المجلس غير هياب ولا مرتبك، والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينهاه ولا يزجره، بل يعطيه الإناء ليشرب قبل من كان يريد أن يقدمه إليهم.

فأين ذلك من تربيتنا أولادنا على الرهبة والرجفة من كل كبير؟ وأين ذلك من معاملتنا لهم كما لو كانوا لا يفقهون ولا يعقلون؟ فإذا قال الكبار شيئا مهما كان وجب على الصغار الطاعة والتنفيذ بلا مناقشة ولا مراجعة وأحيانا كثيرة بلا فهم لحكمة ما يعملون ونتيجته؟

يقول الدكتور العوا: إن هؤلاء الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجرأة والشجاعة والرجولة في مجالسه وحروبه وأسفاره، هم الذين بلغوا الإسلام إلى الدنيا وقادوها به، وهم الذين كان عمر بن الخطاب وهو من هو إذا حز به أمر يفزع إليهم إلى الفتيان يبتغي حدة عقولهم.

رجال أشداء غير مرفهين

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية التعامل الواعي مع نعم الله عز وجل، وأوضح لنا أن من سنن الله في كونه أن النعم لا تدوم، هي لا تدوم للأفراد كما لا تدوم للأمم، وأن كثرة النعم تلد الرفاهية، وأن الأمم المرفهة والمنعمة لا تعرف الجد إلا قليلا، ولا تصمد لصروف الدهر وتغير الأيام إلا نادرا.

يقول الدكتور العوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الرجولة والخشونة واحتمال الشدائد وينهى عن الإغراق في الرفاهية والترف، والركون إلى الراحة والدعة، إدراكا لآثارها الضارة بالأفراد وبالجماعة على السواء.

والناظر في أساليب التربية النبوية يجد أدلة كثيرة على ذلك فحين ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب والحرير للرجال، وحين ينهى عن التشبه بالنساء في الرقة والتلطف والملبس وغير ذلك، وحين ينهى عن جر الإنسان ثوبه خيلاء ويحذر من يفعل ذلك تحذيرا شديدا لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء وحين يمدح من أمسى كالا من عمل يده، وينظر إلى رجل قد اخشوشنت يده من العمل فيقول: هذه يد يحبها الله ورسوله حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله ويفعله، فإنه في الواقع يربي الأمة على الأخلاق النافعة الصالحة، التي تستدام بها النعم، ويمكن لأصحابها عند فقدها أن يصبروا على الحرمان وأن يجاهدوا لاستعادة ما فقدوه وتعويضه.

موجهات لسلوك الأمة

وليست هذه التوجيهات النبوية الكريمة كما يوضح مفكرنا الكبير مجرد نصوص تدعو إلى التكلف البارد والورع المصطنع اللذين يقع فيهما بعض المنتسبين إلى الإسلام ودعوته عن جهل وعدم فهم أو عن بساطة وحسن نية، مما يجعل كثيرا من الناس ينفرون من دعاة لا يهتمون في دعوتهم إلا ببعض الأمور الشكلية مثل الملبس والمأكل والمظهر، بل إن هذه الأحاديث وأمثالها لو قدمت إلى الناس على وجهها الصحيح من حيث هي موجهات لسلوك الأمة إلى ما ينفعها، وموجهات للمربين والمربيات إلى المعاني التي يجب أن تنشأ الأجيال عليها، وموجهات إلى واضعي المناهج والبرامج والخطط الدراسية، بل والخطط الرياضية والتربوية والسياسية، إلى الصورة التي يجب أن يكون المسلم عليها من رجولة بلا جفاء، واحتمال للمكاره وصبر عليها، وأدب بلا ميوعة ولا استهتار، وقصد في استعمال ما أنعم الله به عليه من إعطاء كل ذي حق حقه.

لو قدمت توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم التربوية على هذا النحو لكان لها أبلغ الأثر في تنشئة الأجيال القادمة على نحو أصح وأسلم وأنفع مما نشأت عليه أجيال سابقة.

وليس معنى التربية على الرجولة والخشونة والجرأة والشجاعة أن يكون الإنسان جافيا لا يحب، وقاسيا لا يلين، بل الصحيح أن المسلم الذي تعلم من رسوله صلى الله عليه وسلم كيف تكون شخصية المسلم في اعتدالها وتوازنها هو شخص يحب الناس لقاءه، ويأنسون لحديثه، ويطمئنون إلى صدق نصحه وإخلاص وده، وهم لذلك يسمعون له إذا قال، ويستجيبون له إذا دعا، ويأتمنونه على أخص شؤونهم وأدقها، ويلتفون حوله إذا كان حاضرا، ويفتقدونه ويحفظون غيبته حين يغيب.

وهناك آخر يبغض الناس ذكره فضلا عن رؤيته ويرونه منفرا غليظا مستكبرا، فليس له من ود الناس نصيب، فهو مكروه إذا حضر، ومحمود غيابه إذا غاب، وما ذلك إلا لسوء سيرته فيمن يتصل به، وجفوته لمن هو أهل لصلته ووده وتكبره على أقرانه ونظرائه، وهذه أخلاق سوء جديرة بأن تنزل صاحبها منزلا مذموما عند الله وعند الناس.

الرسول قدوتنا

والقدوة المستفادة من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنقضي، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك وأمره من فوق سبع سماوات بما يزيد من حب أصحابه وأتباعه له، وأنسهم به فقال: واخفض جناحك للمؤمنين.

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المودة التي نلقى بها أخوة لنا فرع من المحبة في ذات الله تعالى، وهي الخصلة التي تجمع المؤمنين وتميزهم عمن سواهم ممن لا تجمعهم إلا المنافع الدنيوية أو الشهوات والنزوات الزائلة الفانية.

وقد كان رسول الله يوصي أصحابه بذلك فقال لأبي ذر رضي الله عنه: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق.

وأوصى أصحابه بالحرص على الكلام الطيب الذي جعله سبيلا للنجاة من النار حين قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة وجعل الكلمة الطيبة في أي مجال كانت مما يثاب المرء عليه ويؤجر به، فقال: الكلمة الطيبة صدقة.

علينا أن نفقه هذه المعاني، وأن نحرص على تنشئة أبنائنا وبناتنا على أخلاق الإسلام القويمة والتوجيهات النبوية الكريمة التي تبني الناس على الرجولة والشجاعة والجرأة في الحق، إلى جانب الحرص على المودة والمحبة والتعاون في الخير والسعي إليه بالعمل، كلما استطعنا، وبالكلمة الطيبة إن لم نستطع، وقديما قال العرب: المعروف شيء هين، وجه طلق، ولسان لين. وهما أمران لا يصعبان على أحد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"