البلدية أهم مرفق في أية مدينة، فوجود البلدية يعني وجود تخطيط للمناطق السكنية والتجارية وإدارة للأراضي يتم فيها البيع والشراء، وإدارات للمياه والكهرباء والصرف الصحي ونظافة المدينة وغيره كثير . كانت الحكومة البريطانية تحاول تأسيس مرافق في الإمارات من دون أن تتكفل بدفع أية نفقات، وذلك لمواجهة الانتقادات التي بدأت تظهر في العالم العربي بعد استقلال كثير من الدول العربية عن دور بريطانيا، في فقر وانغلاق إمارات الخليج . وكجزء من برنامج التطوير، أحضرت السلطة البريطانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 1956 أحد الخبراء العراقيين في مجال خدمات البلدية هو عبدالسلام رؤوف لدراسة إمكانية إنشاء بلدية في دبي، وبعد اجتماعات مطولة مع الشيخ راشد بن سعيد ولي عهد دبي، وقتها، وكبار التجار الذين اتفقت مصالحهم مع هذه الفكرة، وجد المشروع قبولاً وحماساً كبيراً . وفي ظرف ثلاثة أشهر، قدم رؤوف مقترحاته لإنشاء بلدية في دبي وفق الإمكانات المتاحة، وتشير الوثائق البريطانية إلى أنه كان هناك مجموعة من التجار الذين تتعارض مصالحهم مع إنشاء البلدية، وأن هولاء يقومون بمحاولات لإعاقة تأسيسها، والمحافظة على الوضع على ما هو عليه لاستمرار مصالحهم (1) . نتوقف هنا قليلاً لنناقش مسألة تعارض مصالح بعض التجار مع إنشاء مؤسسة أو مرفق حيوي يخدم المدينة، فهذا الأمر يتكرر في كثير من المناطق في عالمنا العربي عندما تصبح مصالح فئة من التجار أهم من مصلحة البلد، وللأسف، فإنه حتى وقتنا الحاضر، ما زلنا نرى نماذج من تأخر التنمية في كثير من الدول العربية، وقولبة الاقتصاد ليصبح محصوراً في تقديم خدمات لفئة معينة من التجار، وهناك نماذج كثيرة لهذا السلوك مثل نشوء الاحتكار من خلال نظام الوكالات التجارية المحصورة في فئات معينة، أو غيرها من الأمور . وكان المضي في تأسيس بلدية دبي من أهم أسباب تطور البنية التحتية للمدينة، في بدايات عام 1957 كانت البلدية قطعت شوطاً كبيراً من مرحلة التأسيس وواصل عبدالسلام رؤوف اجتماعاته مع تجار دبي، وقام بعملية مسح للمدينة، وكنتيجة مهمة من نتائج تأسيس البلدية، وجه الشيخ راشد ببناء مسلخ وعدد من المحال للجزارين، كما أصدر أمراً يقضي بعدم بناء منازل أو محال تجارية إلا بعد الرجوع للخبير العراقي . وقامت البلدية خلال يناير/كانون الثاني 1957 بإجراء بعض الاصلاحات في الطرق الداخلية بدبي (2) . توسعت البلدية في عملها، وفي 5 مارس/آذار 1957 تم تأسيس المجلس البلدي وأصبح الشيخ راشد رئيساً للمجلس، وعلي البستاني مديراً للبلدية، وكان المجلس يتكون من 22 عضواً اختيروا بالتعيين، وعقد الاجتماع الأول، وتم الاتفاق بين الأعضاء على فرض رسوم مختلفة، منها رسوم على المباني والمتاجر، وتبرع الشيخ راشد بمبلغ 10 آلاف روبية للمجلس . واستمر العمل في تطوير المدينة، وتم تعيين 80 عامل نظافة لتنظيف الشوارع، وبعض أجزاء السوق، وهدم جزء من السوق لتوسيع الشوارع تفادياً للحوادث المرورية، وتم إسكان موظفي البلدية في مباني الجمارك بصفة مؤقتة، وبدأ المجلس يخطط لبناء حمامات عامة للنساء والرجال، وبناء سوق للسمك واللحوم (3) .
ولا شك أن المشروعات الجديدة مثلت طفرة في أسلوب الحياة الذي اعتاد فيما مضى على الرتابة وانعدام الخدمات، ولاقت مشروعات البلدية استحسان الناس سواء المواطنين أو المقيمين، وكانت عاملاً قوياً ومساعداً في النمو التجاري(4) . كانت السلطة البريطانية تراقب توسع مدينة دبي وإنشاء المزيد من المرافق والخدمات، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي، وكتب دونالد هاولي، المعتمد السياسي في دبي، تقريراً لحكومته عام 1959 يقول فيه من الواضح أن التنمية في دبي تتم بخطوات متسارعة، فقد تم بناء عدة منازل، وتزايدت المضاربة على الأراضي ما أدى إلى ارتفاع قيمتها بصورة تضخمية، فقطع الأراضي التي تقع في طرف المدينة في منطقة ديرة يتم تداولها بين عدة أشخاص 6 أو 7 مرات في السنة، وقبل عام واحد، ارتفعت أسعار القطع إلى 2000 روبية، وارتفع السعر هذا العام إلى 2 لاك (200،000 روبية)، وارتفع سعر قطعة أرض مساحتها 300*300 ياردة بمعدل 100،000 روبية في مدى سنتين . ويتابع هاولي قائلاً يجب وضع خطة مسح للمدينة بوضعها الحالي موضحاً عليها المباني والأشجار والميادين والطرق وغيرها، ووضع خطة تنمية للمناطق التي لم تقم فيها مبانٍ بعد، ويجب إنشاء مناطق سكنية من الدرجة الأولى والثانية والثالثة ومناطق للسكن الجماعي(5) .
بعدما أصبح الشيخ راشد بن سعيد حاكماً لدبي، قام بالمزيد من التطوير لمهمات المجلس البلدي، ففي 1961 أصدر تشريعاً لإعادة تكوينه وادخال بعض الإصلاحات في تشريعاته، فأصبح هناك انتخاب لرئيس المجلس ونائبه، كما أصبح في المجلس انتخابات للجان الدائمة، ولكن بعد وفاة أول رئيس للمجلس وهو رجل الأعمال علي العويس، تم تعيين الشيخ حمدان بن راشد ابن الحاكم رئيساً دائماً، وكان أعضاء المجلس من مختلف فئات المجتمع، وكانت فترة خدمته تمتد لسنتين، وكانت جميع قرارات المجلس تخضع لموافقة الحاكم . وحسب قانون المجلس البلدي، كان يعتبر هيئة متحدة لها صلاحيات التقاضي، وللمجلس السلطة لعمل العقود وتمليك الأراضي، كما منح سلطات بموافقة من الحاكم لإصدار الأوامر اللازمة لإدارة المدينة، وإدارة خطة التنمية التي اعتمدها الحاكم وأعدها جون هاريس عام ،1960 وكانت البلدية مسؤولة أيضاً عن مسح المدينة، وكان للمجلس البلدي موظفوه الخاصون به، وفي عام ،1960 تم انتداب مسؤول السجل البلدي، وعرف فيما بعد بالمدير وهو كمال حمزة الذي تم انتدابه من حكومة السودان، وفي عام 1961 تم تعيين بريطاني مهندساً للبلدية، وبدأت سياسة جديدة للرسوم على المحال والمنازل مبينة على قيمة الايجار السنوي، وكان يتم تحصيل أموال من الرخص وأذونات المباني . وفي 1964 انتقلت البلدية إلى مبنى جديد، وتم تأسيس دائرة للأراضي برئاسة الشيخ مكتوم بن راشد عام ،1960 وانتدب خبير سوداني لتسوية وتسجيل الأراضي وهو أحمد آدم، كما عين الحاكم لجنة أراضٍ من خمسة أعضاء قامت بفحص الوثائق القديمة، وزارت المواقع، واستمعت للمطالبات، وعندما اقتنعت بملكية القطع، أرسلت دراستها للحاكم الذي أصدر نظاماً جديداً هو شهادة بسند الملكية، وتم إنشاء سجل الأراضي وتم تسجيل القطع كملك حر، وكان يمكن أيضاً تسجيل الايجارات والرهونات . وطبقاً لذلك، ازداد الريع التجاري، ولما كان التجار والبنوك مترددين من قبل في القروض التجارية، أصبح متاحاً لهم التعامل بها بعدما أصبح هناك اصدار لشهادات الملكية (6) .
دائرة الجمارك: الجمارك هي الجهة المسؤولة عن استلام وتسليم البضائع في أي ميناء، وطبقاً لقوانينها ومرونتها في العمل، يتقدم العمل في ذلك الميناء ويتطور، أو يشهد تراجعاً يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي في البلد، وسبق أن أشرنا في مقال سابق، كيف أدت مرونة حاكم دبي وقراراته الصائبة عام 1903 بإلغاء رسوم الجمارك إلى تشجيع تجار لنجة وبقية الموانئ الفارسية للقدوم إلى دبي، وتأسيس مجتمع تجاري جديد، واستمرت جمارك دبي بنظامها التقليدي حتى منتصف الخمسينات عندما قرر الشيخ راشد تحديثها لتواكب التطورات الجديدة التي تشهدها دبي، ولاستكمال بقية المرافق والمؤسسات الجاري إنشاؤها، ففي العام نفسه الذي أسست فيه البلدية وهو ،1956 طلب الشيخ راشد من حكومة البحرين انتداب أحد الأشخاص المؤهلين في مجال الجمارك لنقل جمارك دبي إلى النظم الحديثة مثلما هو معمول في ميناء البحرين في تلك الفترة . وفي يناير/كانون الثاني 1956 انتدبت الحكومة البحرينية أحد موظفيها الأكفاء في هذا المجال هو مهدي التاجر، الذي استقبله الشيخ راشد بحفاوة وترحيب، وشرع فور وصوله في إعادة تنظيم إجراءات الجمارك، واستطاع خلال فترة وجيزة أن يدخل بعض الاصلاحات، ما مكن تجار دبي من استلام بضائعهم بعد يومين فقط من تاريخ وصولها، وهو ما أدى إلى إشاعة أجواء من الارتياح وسط التجار الذين يرون للمرة الأولى إجراءات حديثة ومنظمة في تسليم واستلام البضائع (7) . ومنذ وصوله، استطاع مهدي التاجر إجراء المزيد من الاصلاحات على نظم الجمارك، وعقد اجتماعات مع التجار بحضور الشيخ راشد، وكانت تلك الاجتماعات تعقد أسبوعياً لمناقشة القضايا التجارية المشتركة والمشاكل والمنازعات، ونتيجة لهذه العلاقات، تطور عمل الجمارك ورجع مرة أخرى مجلس التجارة الذي تأسس أثناء الحرب العالمية الثانية للتحكم في توزيع الحصص الغذائية في سنوات الحرب، وأصبح له دور آخر في تطوير العمل التجاري بعد الحرب(8)، وكانت رسوم الجمارك التي اعتمدت في تلك الفترة 625 .4% على كل البضائع ما عدا الذهب، وكانت تلك الرسوم مصدر دخل مهماً للإمارة وقدر ب 2 .2 مليون جنيه من الواردات عام 1956 ليصل إلى 66 مليون جنيه من الواردات عام ،1968 وفي عام 1960 التحق الخبير المالي البريطاني ديف بالعمل لدى حكومة دبي، وأصبح مسؤولاً عن دائرة الجمارك(9) .
مشروع تعميق خور دبي من أهم المشاريع التي أنجزت في الإمارة في منتصف الخمسينات، وجاء هذا المشروع مكملاً لتأسيس البنية التحتية لدبي في تلك الفترة، وكانت سنوات الكساد الطويلة التي امتدت طوال فترة الثلاثينات والأربعينات أثرت بشكل كبير في خور دبي الذي يعتبر الرئة التي تتنفس بها المدينة الصغيرة، فمراكب اللؤلؤ توقفت عن العمل تدريجياً، والحرب العالمية الثانية أثرت في حركة التجارة والنقل، ولكن مع أوائل الخمسينات، أخذ الخور يستعيد نشاطه، وبدأت سفن التجارة تتحرك من جديد، وكانت إمكانات الخور متواضعة، فعدد الأرصفة محدود جداً، وكانت السفن الخشبية المحملة بالبضائع والقادمة من كل مكان تضطر إلى الرسو كل ثلاثاء جنباً إلى جنب . وساعد هذا الوضع على تهرب كثير من السفن من دفع رسوم الرسو، إضافة إلى ذلك، فإن شريط الماء البالغ طوله تسعة أميال أخذ يمتلئ بالطمي بدرجة كبيرة، إلى درجة أن أجزاء من الخور سُدّت فجأة، حتى أن بعض الصيادين الذين كانوا يستخدمون الخور يومياً، وجدوا أنفسهم محاصرين وقد غرزت سفنهم في الرمال . ويتذكر أحد الصيادين وهو راشد بن دعفوس كيف ظلّ طوال فترة ما بعد الظهر في أحد الأيام وهو يحاول أن يزيح مركبه وحصيلة صيده من جرف رملي فيقول عندما ينحشر المركب في الرمال لا بد من سحبه إلى الشاطئ، ولما كنت مع الطاقم نحاول إزاحة المركب رآنا الشيخ راشد، فقال لنا كل شيء سيكون على ما يرام، وبحلول عام ،1952 قلّصت مسارات الملاحة في الخور بسبب تزايد تراكم الطمي، حيث بلغ عمق المياه في بعض الأماكن نحو قدمين فقط(10) .
وهنا كان لا بد من البدء فوراً في إزالة تراكم الطمي وتعميق الخور بمساعدة التجار الذين أبدوا تعاوناً كاملاً، يقول المعتمد البريطاني في تقرير له عام 1955 أصبحت دبي أهم مركز للتجارة والمواصلات البحرية لكل إمارات الساحل، وشهدت المدينة قيام عدد كبير من المباني، وازدهرت التجارة وتوسعت، وأصبحت الثقة بالمستقبل أكثر رسوخاً، وبعد عدة اجتماعات ودراسات، قدم تجار دبي قرضاً لحكومة دبي قدره 450 ألف روبية، تتم استعادته من عائدات الجمارك خلال عشر سنوات، وكانت الخطة أن يبدأ العمل في مطلع عام ،1956 على أن توفر المبالغ اللازمة لإقامة مرفأ حقيقي من مصادر أخرى في الخليج(11) .
كانت مبادرة التجار السريعة في توفير السيولة المالية دافعاً قوياً للبدء في إزالة الطمي الذي أعاق حركة سفنهم القادمة والمبحرة من وإلى الخور، ولم تكن هذه المساهمة كافية لمشروع كبير كهذا، وخاصة بعد تكليف الشيخ راشد لشركة هالكرو لتقديم دراسة حول المشروع . وقدمت هالكرو تقريراً عن طبيعة العمل وهو عبارة عن وضع آلات لرفع الطمي، وإنشاء حيطان واقية من الحديد لكي يتم حماية الخور من تراكم الطمي مرة أخرى(12) . كانت شركة هالكرو اتصلت بالمقاولين في بريطانيا وتقرر بدء العمل عام ،1958 ووضع الشيخ راشد مبلغ 5 .2 مليون روبية في حساب خاص بهذا المشروع في البنك البريطاني للشرق الأوسط، وتقدم بطلب للحكومة الكويتية للحصول على قرض قدره 150 ألف جنيه إسترليني، وكانت هناك مساهمة شهرية من حكومة دبي لهذا المشروع قدرها 40 ألف روبية(13) . وبدأ العمل، حيث اكتملت المرحلة الأولى من هذا المشروع عام ،1961 بنفس الوقت وضعت شركة هالكرو عام 1960 مخططاً لتطوير فوري على طول امتداد الخور . وأول مشروع بعد توسعة الخور، كان توسيع منطقة الجمارك ببر دبي، وفي نفس الوقت، بدأت مشاريع استصلاح في ديرة تمثلت في رصيف بحري، وطريق طويل على طول حافة الخور، هذه المشاريع كان لها فوائد كثيرة، حيث تم تحسين مستوى العمق في الخور بتضييق القناة، والمنطقة المستصلحة نفسها مكنت من القيام بتخطيط جديد من دون الإضرار بالممتلكات الموجودة، ونتج عن هذه الإصلاحات، توفر مساحات كبيرة من الأراضي الجديدة التي تم بيعها والاستفادة من عائدها في عمليات التمويل، وبحلول عام 1962 اكتمل العمل بالجسر الذي يربط بين بر ديرة وبر دبي عبر الخور، وسمّي جسر المكتوم . وكانت الحكومة القطرية ساهمت بمبلغ كبير لتمويل بناء الجسر، وبعد ذلك أجريت إضافات على منطقة الجمارك، وبنيت أرصفة وحوض لبناء السفن، ومزلق لها، وتركت مساحات واسعة على جانبي الخور لبناء المستودعات(14) . وأصبحت دبي مدينة تقدم خدمات متطورة للتجار والسفن القادمة من جميع الموانئ منذ بداية الستينات من القرن العشرين .
هوامش
1- Trucial states Annual Reports for 1956, The Persian Gulf Administration Reports, vol . x1, pp 556-557
2- Report Jan 25, 1957, Political Diaries of the Persian Gulf, vol . 20,p .284
3- Report April 18, 1957, Political Diaries of the persian Gulf vol . 20, p 325
4- Report for the year 1957, the Persian Gulf Administration Reports, vol . x1, PP . 647-649
5- Hawley, 23 sept 1959, Dubai Lands, records of the Emirates, vol .11, P .612
6- Donald Hawly, the Trucial states, PP .246-248
7- Burrows, Jan 19,1956, Political Diaries of the Persian Gulf, P 83
8- Burrows, 22 Oct, 1956 Political Diaries of the Persaian Gulf, P 177
9- Donald Hawley, the Trucial states, PP . 246,248
10- جريم ويلسون وراشد بن سعيد آل مكتوم، الوالد والباني، ص 83 85
11- Report for the year 1955, the Persian Gulf Administration Reports, vol . x1, p .468
12- Donlad Hawley, the Trucial States, PP . 243-245
13-Report for the year 1957, The Persian Gulf administration Reports, vol .x1, PP .647-649
14- Donald Hawley, I bid