الجذور التاريخية للهجة المصرية (2-2)

منمنمات لغوية
12:56 مساء
قراءة 4 دقائق
في الواقع أن الدراسة اللغوية التي أعدها العالم اللغوي الراحل الدكتور شوقي ضيف تحت عنوان: العامية.. فصحى محرفة ونشرتها مجلة وجهات نظر المصرية في عدد مايو 2001 والتي حاول في جزء منها تأريخ العامية المصرية، هذه الدراسة كانت تعني على نحو مفصل باستعراض مظاهر تحريف اللهجة المصرية، كسائر اللهجات العربية، للعربية الفصحى أكثر من عنايتها بتأصيل جذور تكوّن اللهجة المصرية المعاصرة على نحو جامع مانع، كما ذكرنا، وعلى نحو تاريخي دقيق محدد.

وهو يخلط، كما يبدو لي، بين تأصيل تعريب الشعب المصري الأصلي (القبط) وانصهاره في العربية وبين تكون اللهجة المصرية الخاصة به، فقوله: إن العامية المصرية - كما يؤرخها - ترجع إلى القرون الأولى من فتح العرب لمصر وعلى وجه التحديد خلال القرن السادس الهجري ابان العصر الفاطمي، هو قول يفتقر إلى الدقة فليس هناك ما يثبت أن المصريين سواء خلال هذا العصر أو خلال القرون الأولى للفتح العربي لمصر كانوا يتحدثون باللهجة المحكية الحالية. نعم لربما يمكن القول: ثمة بعض المعالم أو المظاهر أو قسمات من هذه اللهجة نجدها في تحريف العامة للفصحى وفي طريقة نطق عدد من المفردات العامية بالطريقة المصرية الحالية، إلا أنه من الصعوبة بمكان في تقديرنا الجزم بأن كل أو معظم قسمات هذه اللهجة بأشكالها الحالية وأساليبها د ظهر حينذاك في ذلك العصر المبكر من التاريخ الإسلامي، وثمة فرق بطبيعة الحال بين تأريخ حقبة التعريب وبين تأريخ حقبة التشكل اللهجوي، ونلاحظ في دراسة ضيف شيئاً من الخلط بين تأصيل جذور عروبة مصر وجذور تكوّن لهجتها الخاصة.

ومع أن شوقي ضيف يعلل ويؤصل تشكل هذه العامية المصرية بأنها حصيلة التقاء واحتكاك العربية الفصحى باللغة القبطية المصرية الأصلية وما حدث من امتزاج ومصاهرة بين العرب وسكان مصر الأصليين من الأقباط، وهذا إلى حد ما أو إلى حد كبير صحيح، إلا أنه ليس صحيحاً بالمطلق، إذ ثمة مؤثرات لغوية متنوعة مختلفة ساهمت في تشكيل هذا الانصهار اللغوي - اللهجوي للعامية المصرية الحالية إذا جاز القول، فبالإضافة إلى تأثير رواسب اللغة القبطية، وهو تأثير بلا شك محوري في طريقة نطق المصريين للمفردات العربية وفي دخول طائفة كبيرة من المفردات العامية ذات الأصل القبطي في العامية المصرية بما فيها تلك المشتركة مع العربية سواء المتمثلة في المفردات القبطية ذات الأصل العربي أم في المفردات العربية ذات الأصل القبطي، فثمة مؤثرات لغوية أخرى عديدة ساهمت في تشكيل العامية المصرية المعاصرة كما هو الحال في المؤثرات التي أسهمت في تكون كل اللهجات العربية، ومن هذه المؤثرات، بالإضافة إلى ميراث اللغة القبطية البائدة، لهجات القبائل العربية المتعاقبة الوافدة إلى مصر، وتأثير الاحتكاك باللغات الأوروبية الشرقية خلال الفترات التي احتلت فيها أو حكمت خلالها مصر من قبل بلدان أوروبية وشرقية كفرنسا وإنجلترا، وكتركيا العثمانية تحديدا، فضلاً عن هجرات وإقامة العديد من الجاليات الأوروبية المتوسطية الوافدة من بلدان شمال البحر المتوسط، كإيطاليا وفرنسا واليونان وغيرها، وهنالك أيضاً تأثير مفردات اللهجات الشامية، فكل هذا الميراث الطويل والكبير من التأثيرات اللغوية واللهجوية لكل منه نصيب في تأثر اللهجة المصرية به والإسهام في مكوناتها ورفدها بالعديد من المفردات وطريقة النطق.

لقد عني الباحث اللغوي ضيف أكثر ما عني باستعراض أبرز مظاهر تحريف العامية المصرية للفصحى في تأصيله لجذور تكوّن تلك العامية والذي أرجعه إلى القرن السادس الهجري، لكن تحريف العامة للفصحى وإن شاع وازداد بعد خروج العرب من شبه الجزيرة العربية واحتكاكهم بأمم الأمصار التي افتتحوها هو أسبق من هذا التاريخ بل يعود إلى ما قبل الإسلام.

ومع أن الباحث شوقي ضيف قد أرخ لبروز بعض التحريفات التي يتميز بها النطق المصري كإبدال العامة القاف في الفصحى إلى همزة وارجع بروز هذه الظاهرة إلى العصر المملوكي وغير ذلك من حروف الفصحى التي يلحق بها العامة إبدالاً كثيراً أو قليلاً في مراحل تاريخية مختلفة إلا أنه من الصعوبة بمكان تأصيل الجذور التاريخية لبروز كل ظاهرة صوتية أو نطقية من تحريفات العامة ومن الكلمات الدخيلة على حدة تبعاً لكل عصر أو تبعاً لكل مرحلة تاريخية، ولعل مما يزيد من صعوبة تأصيل بروز مكونات وأساليب النطق في كل لهجة سيادة اللغة المكتوبة المدونة بالفصحى في الغالب في الموروث اللغوي وغياب اللغة المحكية لغياب مدونات الكتابة بالعامية في تلك العصور، فضلاً عن غياب التراث الشفهي المتمثل في التسجيلات الصوتية التي لم تخترع إلا في تاريخنا المعاصر بفضل منجزات الثورة التكنولوجية.

ومن المؤكد أن الباحثين اللغويين في العصور والقرون اللاحقة ستتوافر لهم مادة غنية من المدونات الكتابية والتسجيلات الصوتية لرصد تطور اللهجات ومتغيرات خواصها وما اندثر منها من كلمات سابقة وما لحق بها من مفردات جديدة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"