ذاكرة الزمن

01:29 صباحا
قراءة 7 دقائق

د . محمد فارس الفارس
منذ ظهور التصوير في منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت الصورة أهم وثيقة تسجل الأحداث . وعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن، التقطت الكاميرات ملايين الصور لحروب وكوارث ومناسبات سعيدة وحزينة لأفراد وجماعات ودول . ولاشك أن الصورة تعني كثيراً في توضيح أي حدث، وتشد القارئ وتجذبه وتحفزه على القراءة باستمتاع .
في هذه الصفحة، لدينا صور كل منها يتحدث عن مناسبة أو حدث معين نعود من خلالها لقراءة التاريخ برؤية معاصرة .

محمد دياب الموسى

إذا كان المدرس الفلسطيني مصطفى يوسف طه الذي ترأس أول بعثة تعليمية قادمة من الكويت عام ،1953 هو أول من وضع اللبنة الأولى للتعليم النظامي في الإمارات، منطلقاً من افتتاح أول مدرسة نظامية في الشارقة، فإن زميله المربي القدير محمد دياب الموسى يعتبر المؤسس الحقيقي لمنظومة التعليم النظامي في أول مدرسة تؤسس بالإمارات، وهي المدرسة القاسمية . التقيت بالمرحوم مصطفى طه في مارس/آذار 1993 وبمحمد دياب الموسى في مايو/أيار من العام نفسه، وحدثني كلاهما عن تجربته الغنية في مراحل التأسيس الأول للتعليم في بداية الخمسينات من القرن العشرين . قدم الموسى إلى الشارقة بعد عام واحد من تأسيس المدرسة في سبتمبر/أيلول 1954 وعمل مدرساً ثم ناظراً للمدرسة القاسمية، وخلال السنوات الثلاث التي قضاها الموسى بالشارقة، استطاع أن يؤسس تعليماً نظامياً شبيهاً بما هو موجود بالكويت مستمداً ذلك من خبرته السابقة، وتحولت "القاسمية" من مجرد مدرسة لتلقي التعليم في سنتها الأولى، إلى رائدة للمدارس النظامية التي بدأت تؤسس تباعاً في دبي وبقية الإمارات . وأدخل الموسى الأنشطة الرياضية والكشفية إلى المدرسة، واستطاع وبكل مهارة أن يجعل منها مكاناً أشبه ما يكون بالنادي الاجتماعي من خلال ربط الطلاب وأولياء أمورهم بعلاقات ودية وتفاعل اجتماعي لا يقتصر على أوقات الدوام المدرسي، وإنما يستمر طوال الفترة المسائية باللقاء بأولياء الأمور، وتشكيل فريق لكرة القدم ومن خلال رحلات مدرسية إلى الإمارات الأخرى، وإلى المناطق السياحية . وليس هذا فقط، بل إن الموسى نجح في إقامة مهرجان سنوي في نهاية العام الدراسي ليصبح مهرجاناً سنوياً يحضره حكام الإمارات، وحذت المدارس النظامية الأخرى حذو "القاسمية" في جميع خطواتها، وعندما التقيت بالموسى عام 1993 ذكرت له ما كتبته الوثائق البريطانية عن نشاطه في المدرسة واحتكاكه بالإنجليز، ففي إحدى الوثائق، كتب المعتمد البريطاني في دبي مستر تريب عام 1958 أنه كتب للحكومة الكويتية يقول إن اثنين من المدرسين أحدهما ناظر مدرسة أصبحا غير مرغوب فيهما وتم استبعادهما بالفعل وهما محمد دياب الموسى وفايز أبو النعاج بسبب تحريض الطلاب ضد الإنجليز . وتعبر الصور الكثيرة التي تحكي قصة بدايات التعليم في الإمارات عن مدى الجهد الذي قام به الموسى ورفاقه وإخلاصه في العمل وحرصه على نشر التعليم بين كل فئات المجتمع، ونشاطه في الرحلات الجميلة التي سجلتها عدسات الكاميرا للطلاب ومدرسيهم للذيد ورأس الخيمة والعين وغيرها، إضافة إلى صور متعددة لاحتفالات آخر العام والمعسكرات الكشفية ومهرجان الألعاب الرياضية واخترنا من بين الصور الكثيرة، هذه الصورة لرواد التعليم الأوائل يتوسطهم محمد دياب الموسى (الثالث من اليسار) وإلى يساره المدرس الذي ابعد معه عام 1957 فايز أبو النعاج .

دار للرعاية الاجتماعية بالكويت

سبقت الكويت دول الخليج الأخرى في تأسيس الكثير من المؤسسات الاجتماعية، وأهم مؤسسة رأت النور في الكويت هي "دار الرعاية" التي أسستها عام ،1955 دائرة الشؤون الاجتماعية وخصصت لها ميزانية سنوية واستأجرت لها مقراً لايواء كبار السن الذين لا يجدون رعاية من ذويهم، وزودت ذلك المقر بالمشرفين والاحتياجات اللازمة للقيام بالدور المطلوب تجاه هذه الفئة . وكانت هذه الدار التي عين لها مدير متفرغ هو المحامي الكويتي خالد خلف الذي تفرغ فيما بعد لمهنة المحاماة، تتكون من مبنى مستأجر في منطقة حولي، والمبنى مكون من 14 غرفة إلى جانب المخازن والمرافق الأخرى كالمطبخ والحمامات وغيرها . وقسمت دار الرعاية إلى قسمين، الأول للرجال ويضم 6 غرف تضم كل غرفة سريرين وخزانتين وقسماً للعائلات ويضم 4 غرف، وهناك قسم للخدمات ويتكون من العيادة الداخلية والنادي والإدارة وكانت الشروط المطلوبة للنزيل بالدار، عدم وجود معيل له ولا مال يعيش منه، وأن يكون عاجزاً عن العمل لمرض أو شيخوخة، وأن يكون خالياً من الأمراض المعدية . ووضعت الدار مواعيد أسبوعية لاستحمام النزلاء وتغيير ملابسهم والكشف الطبي عليهم إضافة إلى اصطحابهم في نزهات أسبوعية في البر وعلى الشواطئ للترفيه عنهم، كما كانت الدار تسمح بزيارة النزلاء من قبل ذويهم وأصدقائهم، وكانت توفر للنزلاء وجبات يومية وفق أحوالهم الصحية . وليس معلوماً عدد من آوى إلى هذه الدار خلال فترة الخمسينات أو ما بعدها، وعلى ما يبدو، لم تكن تضم اعداداً كبيرة من النزلاء الكويتيين لأن عادات وتقاليد المجتمع لم تكن تسمح بإيواء أشخاص لهم أقارب يستطيعون اعالتهم، ومع ذلك، فإن تأسيس دار كهذه في فترة الخمسينات تبين مدى التطور الذي بلغته الخدمات في الكويت . وفي الصورة التي التقطت عام ،1955 نشاهد مقر دار الرعاية في منطقة حولي، تقف أمامه سيارة نقل النزلاء وصورة لبعض العاملين بالدار بينهم امرأة على ما يبدو كانت تعمل ممرضة لرعاية كبيري السن .


بدايات السينما في البحرين

أبهرت السينما الناس في كل مكان عندما بدأ بث الأفلام السريعة الصامتة بالأبيض والأسود في بداية القرن العشرين، ومازال الكثيرون يشاهدون أفلام الممثل الكوميدي شارلي شابلن التي تعتمد على الحركة السريعة التي تفهم بلا نطق . ولم تشهد منطقة الخليج أي نوع من أنواع الترفيه طوال فترة ما قبل النفط، ولعل الاستثناء الوحيد هو المحاولات الفردية التي قام بها البعض ومنها محاولة بث الأفلام السينمائية، وتعتبر البحرين السباقة في هذا المجال، ففي منتصف عام 1921 قام التاجر البحريني محمود الساعاتي بمغامرة كبيرة عندما استطاع جلب آلة عرض سينمائية ومجموعة من الأفلام الأجنبية، واختار كوخاً صغيراً من سعف النخيل يقع على ساحل المنامة في منطقة تنتشر فيها المقاهي الشعبية ويتجمع فيها تجار اللؤلؤ والغواصون لبدء عرض أفلامه . وصفّ بالكوخ ثلاثون كرسياً ووضعت لوحة خشبية كبيرة عبارة عن شاشة، وحدد سعر التذكرة بآنتين (كانت الروبية الهندية تساوي 16 آنة)، ورغم بساطة التجربة، أصابت الجميع بالأعجاب والغضب معاً، إذ أعجب بها جيل الشباب الذي بدأ يرى للمرة الأولى الأفلام الأمريكية التي تصور الريف الأمريكي والكاوبوي، في حين عارض كثير من الناس وخاصة المتشددين دخول السينما للبحرين، وكتب رجال الدين والأعيان عريضة احتجاج لحاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي تطالب بإغلاق السينما، وأغلقت فعلياً .
وفي عام 1935 منحت حكومة البحرين شركة نفط البحرين ترخيصاً بافتتاح سينما على أن تقتصر على الأمريكيين والبريطانيين، وفي صيف عام 1937 بدأ البحرينيون مشاهدة السينما بلا خوف ولا معارضة، إذ افتتحت أول دار محلية في العاصمة المنامة (وهي التي نرى مبناها في الصورة المرفقة) وكان يمكلها مجموعة من تجار البحرين، وسميت (مرسح البحرين) وليس واضحاً معنى هذا الاسم الذي هو عكس كلمة مسرح، ثم عرض أول فيلم بالدار وكان الفيلم المصري "وداد" الذي قامت ببطولته أم كلثوم، وكانت السينما عبارة عن مبنيين أحدهما مكشوف للفترة الصيفية محاط بأربعة جدران استخدم أحدها كشاشة عرض، وكانت كراسي السينما تشبه الكراسي الخشبية للمقاهي وبها ثلاث درجات لكل واحدة سعر مختلف، فالدرجة الأولى بروبية، والثانية ب 12 آنة والثالثة ب 6 آنات، أما الأفلام التي عرضتها السينما في سنواتها الأولى فكانت أفلاماً مصرية وهندية وأمريكية ومجموعة من الأفلام الوثائقية عن الحرب العالمية الثانية بعد انتهائها عام 1945 . وفي يونيو/حزيران 1948 افتتحت سينما (اللؤلؤ) في البحرين، وكانت سينما حديثة يملكها تجار من عائلة القصيبي واحتوت على 700 مقعد ووحدة تكييف كانت لا تعمل بسبب نقص الكهرباء وبعد مرور أيام عدة على افتتاحها، كانت مقاعد السينما تمتلئ بالكامل بالجمهور وكانت هناك 3 عروض يومياً، ثم افتتح المزيد من دور السينما فيما بعد .

عمر المختار

قبل سنوات عدة، شاهد الملايين الفيلم العالمي "عمر المختار" الذي أخرجه المخرج العربي مصطفى العقاد بنسختيه العربية والإنجليزية، ومثل شخصية عمر المختار في النسخة العربية الممثل المصري عبدالله غيث وفي الإنجليزية أنطوني كوين، وترك الفيلم ذكريات لا تنسى لكل من شاهده، وهو يحكي قصة البطل الليبي عمر المختار الذي قاوم الاحتلال الإيطالي لبلاده حتى إعدامه على أيديهم عام 1931 .
ولد عمر المختار في منطقة برقة الليبية عام 1862 وقرأ القرآن الكريم وحفظه واتقن الكتابة وألم بالعلوم الدينية، وعندما بدأت القوات الإيطالية انزال قواتها في بنغازي عام ،1911 بادر عمر المختار إلى الجهاد دفاعاً عن الوطن، وقاد مجموعات من المجاهدين، ولما استولى الحزب الفاشي على السلطة في إيطاليا بقيادة موسوليني عام ،1922 صمم الحكم الجديد على إلغاء الاتفاقيات التي عقدتها إيطاليا مع الليبيين، وشن حرباً لاخضاع البلاد خضوعاً تاماً، وبدأت حرب الإبادة بقيادة الجزار الايطالي "غراتسياني"، وقام المختار والمجاهدون الليبيون بشن حرب عصابات لمناوشة القوات الإيطالية، ولعجز الإيطاليين عن التصدي لحرب العصابات، لجأوا إلى قصف المنازل وتدمير المزارع وقتل الأبرياء واشتدت الحملات الإيطالية عامي 1924 و1925 واستطاعت احتلال عاصمة المقاومة الوطنية (واحة الجغبوب) عام ،1926 ولم تزد قوات المجاهدين التي يقودها عمر المختار عن 1500 مجاهد، ومع ذلك اأحق بالقوات الإيطالية هزائم عدة كان أهمها معركة الرحيبة عام 1927 والتي سقط فيها ستة ضباط و340 جندياً إيطالياً، وازاء تلك الهزائم، تقرر تعيين قائد إيطالي جديد هو الماريشال "بادوليو" حاكماً عاماً على ليبيا في بداية عام 1929 وعند وصوله إلى ليبيا أعلن أن على الليبيين أن يختاروا بين الاستسلام من دون قيد أو شرط وبين الإبادة الجماعية، وكانت برقة وحدها قد قدمت حتى عام 1929 نحو 4 آلاف شهيد، وطلب القائد الإيطالي الجديد التفاوض مع عمر المختار، إلا أن السلطات الإيطالية رفضت الشروط التي وضعها عمر المختار، وأصرت على استسلامه والمجاهدين الذين يقودهم من دون أية شروط، وفي عام 1930 وجه عمر المختار نداء إلى الليبيين والعرب والعالم بين فيه صلف سلطات الاحتلال وحملها مسؤولية استمرار القتال، وكانت القوات الإيطالية توغلت في منطقة فزان وتمكنت من احتلالها ثم توجهت إلى واحة الكفرة وقامت بعزل عمر المختار والمجاهدين في الجبل الأخضر، وبدأت ضربهم بالطائرات وملاحقتهم بالسيارات المصفحة، وهاجمت الكفرة براً وجواً عام 1931 وعاثت فيها تخريباً ونهباً . وبينما كان عمر المختار يقود سرية من المجاهدين، رصدته القوات الإيطالية في سبتمبر/أيلول 1931 والقت القبض عليه بعد إصابته بالمعركة، وفي صباح الاربعاء 16/9/1931 نفذ حكم الإعدام بعمر المختار في مدينة بنغازي، ويقول غراتسياني في مذكراته "عندما ترجم مضمون الحكم لعمر المختار ضحك وقال "الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف"، إنا لله وإنا اليه راجعون" .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"