قال الله عزّ وجل: إِنمَا الصدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيم (سورة التوبة براءة) الآية 60 .
إن مصارف الزكاة الثمانية هذه وردت نصاً في القرآن الكريم، وانحصرت الزكاة بهذه المصارف فلا يجوز التجاوز إلى غيرها، وعليه فلا مجال للاجتهاد في زيادة عدد هذه المصارف، وإنما يمكن أن يقع الاجتهاد البياني في توضيح المراد من هذه المصارف، ومعرفة دلالاتها وشرحها من قبل الفقهاء وعلماء اللغة .
ويحسن في هذا المجال أن أتناول صنفاً واحداً من هذه الأصناف الثمانية ألا وهو السهم في سبيل الله وذلك لكثرة الاستفسارات حوله، وأجيب بأن هناك رأيين اثنين في بيان المراد من لفظ في سبيل الله:
الرأي الأول: يحصره في إعداد المقاتلين للجهاد وتجهيز الجيوش وتسليحها وتقويتها وتموينها .
الرأي الآخر: يتوسع في مدلول هذا اللفظ فيرى أن الجهاد كما يكون عسكرياً فإنه يكون فكرياً وثقافياً وتعليمياً ويكون بمقارعة الملحدين والمشككين وذلك عن طريق الحجج والبراهين لقوله سبحانه وتعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِن رَبكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَل عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة النحل آية .125 فإن إنشاء جمعيات تحتضن الشباب المسلم وتحميه من الإلحاد والانحلال والانحراف هو جهاد في سبيل الله، وإن إقامة دور للأيتام وللفقراء والمساكين والمحتاجين لرعايتهم وحمايتهم من التيارات الغربية والغريبة ومن التبشير هو جهاد في سبيل الله، وإن نشر كتب دينية تحسن عرض الأفكار الإسلامية وتوضح المعالجات السليمة لواقعنا وتكشف زيف الأفكار الدخيلة هو جهاد في سبيل الله . وفي هذا الصدد يقول الزمخشري في تفسيره الكشاف مانصه والتفقه في الدين هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة أعظم أثراً من الجلاد بالسيف، وذلك في سياق تفسيره لآية التفقه في الدين والتي نصها: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقهُوا فِي الدينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلهُمْ يَحْذَرُونَ (سورة التوبة براءة) (الآية 122) .
ومن العلماء والفقهاء من توسّع أكثر وأكثر في مدلول لفظ في سبيل الله فيقولون: إن هذا اللفظ أشمل من لفظ الجهاد فإن له دلالة عامة يقصد بها كل أمر يعود على المسلمين عامة بالمصلحة والخير، وذلك لعدم وجود دليل شرعي يخصص المعنى العام . والمعلوم بداهة لدى علماء أصول الفقه بأن النص الشرعي يبقى على عمومه ما لم يرد دليل (أي نص شرعي) آخر يفيد التخصيص أو التقييد، بل هناك نصوص شرعية أخرى تؤكد أن لفظ (في سبيل الله) يفيد العموم وليس منحصراً في الجهاد، فالله سبحانه وتعالى يقول مَثَلُ الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُل سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (سورة البقرة آية 261) فإن لفظ (في سبيل الله) في هذه الآية الكريمة يفيد مرضاة الله وطاعته وثوابه . ويقول عزّ وجل في آية كريمة أخرى وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذهَبَ وَالْفِضةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (سورة التوبة (براءة) الآية 34) فإن لفظ (في سبيل الله) في هذه الآية الكريمة يفيد (الزكاة) لدى جمهور الفقهاء، وورد في الحديث النبوي الشريف أن رجلاً قال: يا رسول الله، أريد أن أضع هذا الجمل في سبيل الله . فقال صلى الله عليه وسلم: احمل عليه حاجاً (رواه أبو داود عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما)، ولفظ في سبيل الله في هذا الحديث النبوي الشريف يفيد مساعدة الحجاج المنقطعين الذين لا يملكون الركوب، وذلك للدلالة على أن لفظ في سبيل الله ليس منحصراً في الجهاد فحسب . وهناك عدة روايات لهذا الحديث النبوي الشريف يقوي بعضها بعضاً .
ويفهم من هذه الأدلة الشرعية أن لفظ في سبيل الله يفيد المصلحة العامة والخير، وأن السياق لكل نصّ يؤدي إلى المعنى المطلوب .
* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس