هؤلاء هم المفلسون يوم القيامة

العبادة الكاملة لا بد من اقترانها بحسن الخلق
13:09 مساء
قراءة 4 دقائق

اتصل الرجل العجوز بعالم الدين في البرنامج الفضائي وسأله: ما حكم الإسلام في جاري الذي يصلي ويصوم ويتصدق أمامنا على الفقراء والمساكين ويتظاهر بالتقوى والصلاح، ولكنه زالف اللسان يسب ويرمي جيرانه بأبشع الأوصاف . . هل يتقبل الله صلاة وصيام وزكاة هذه النوعية من الناس الذين يؤذون خلق الله من الجيران وزملاء العمل بألسنتهم الفالتة وأخلاقهم السيئة؟

ما ردده الرجل العجوز على أسماع المشاهدين لا يمثل حالة فردية ولا أنموذجاً شاذاً من الناس، بل هو يجسد حالة موجودة في حياتنا اليومية تؤكد الانفصام التام بين ما يتظاهر به البعض من تقوى والتزام ديني وأخلاقي وبين ما يفعلونه في تعاملاتهم اليومية مع كل المحيطين بهم .بعيداً عن إجابة المفتي الفضائي ونصائحه وتوجيهاته لكل الذين يرتكبون هذا السلوك الغريب والذين يعانون هذا الانفصام، طرحنا القضية على اثنين من كبار علماء الإسلام، وجاءت إجاباتهما ونصائحهما في السطور التالية:

في البداية يقر الداعية والمفكر د .أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، بأن ما شكا منه الرجل العجوز يمثل ظاهرة غريبة في حياتنا، حيث توجد نماذج من الناس تصلي وتصوم وتزكي وتحج ربما كل عام وتتظاهر بالتقوى والصلاح ولكنها ترتكب سلوكيات شاذة وغريبة وتحرض على ارتكاب جرائم وتشجع على ممارسة فساد، ويقول: بالتأكيد هؤلاء لم يستفيدوا من الفرائض التي أدوها لأن هذه العبادات والطاعات والأعمال الخيرية لم تكن خالصة لوجه الله عز وجل، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذي تفعله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف فيقول لبعض صحابته الكرام: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم وله ولا متاع، فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار .

تزكية النفس

وهكذا يوضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام أن تزكي النفس الإنسانية وتصقلها وتوثق صلة الإنسان بخالقه وصلته بالناس على أساس من العقيدة الصحيحة والخلق الحسن، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة يتخلص المسلم من رذيلة البخل وتترعرع الألفة بين القلوب وينمو الحنان والإحسان بين الناس، وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر وسائر خصال البر والتقوى، وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم، وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها وتؤتي أكلها إذا صدقت بها نية صاحبها . أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها وأفعال جامدة لا روح فيها فلا وزن لها ولا ثمرة ترجى من ورائها . وما أكثر ما نرى من يحرصون على العبادات ويظهرون مداومين عليها ثم يفعلون ما يتنافى مع روح العبادة ويقترفون ما لا يرضاه الدين . وهؤلاء في حقيقة الأمر لا يستفيدون من عباداتهم حيث أدوها أشكالاً هشة، وكانوا كمن يحمل كثيراً من الدراهم وعليه أضعافها من الديون، فإذا حل وقت الأداء وجدها قليلة الجدوى .

إن العبادات والطاعات لا تمحو كل آثار الأخلاق السيئة والسلوكيات الشاذة لكثير من الناس، بل العكس هو الصحيح، فالعبادة الصحيحة الكاملة غير المبالغ فيها مع حسن الخلق تكفل لصاحبها النجاة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تكثر من الصلاة والصيام والصدقة ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: هي في النار فقيل له: فلانة امرأة أخرى لا تصلي ولا تصوم كثيراً وتتصدق بقطع الجبن ولكنها لا تؤذي جيرانها فقال عليه الصلاة والسلام: هي في الجنة . إذن حسن الخلق يغفر كثيراً من الذنوب، وهذه حقيقة غابت عن كثير من الناس .

الرحمة الغائبة

المفكر الإسلامي د .أحمد كمال أبوالمجد يؤكد أن القسوة أصبحت سمة عامة في تعاملات المسلمين اليومية وحتى بعض المتدينين أصبح سلوكهم اليومي مع المحيطين بهم يتسم بالعنف والقسوة، مع أن الدين الذي يعتنقونه ويتظاهرون بالتمسك بتعاليمه وآدابه كله رحمة ورأفة وعفو وموعظة حسنة ومعاملة لطيفة ورقيقة مع كل خلق الله .

ويضيف: من يطالع الصحف اليومية وتقع عيناه على نوعية الجرائم والحوادث التي تنشرها هذه الصحف والتي تمثل نسبة قليلة جداً مما يحدث على أرض الواقع ينزعج من سيطرة العنف والقسوة على حياتنا اليومية، فالقسوة قد حلت محل الرحمة في كثير من علاقات الناس اليومية وتعاملاتهم الحياتية، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهناك الأب الذي يقسو على أبنائه، والأولاد الذين يقسون على آبائهم ويتنكرون لكل ما قدموه لهم، والزوج الذي يقسو على زوجته، والزوجة التي تقسو على زوجها، والرئيس في العمل الذي يقسو على مرؤوسيه والموظف الذي يقسو على المواطنين، ناهيك عن الإقدام على ظلم الأبرياء واغتصاب حقوقهم وإراقة دمائهم بلا ذنب، أو الإقدام على إزهاق الأرواح لأتفه الأسباب .

هذا العنف الذي ساد حياتنا في معظم المجتمعات الإسلامية سببه الرئيس غياب قيم وأخلاقيات الإسلام، فلو عرف هؤلاء فضل الرحمة وقيمتها لانتزعت القسوة من قلوبهم، ولو تربى الصغار على خلق الرحمة والرأفة والإيثار والعفو داخل منازلهم وغرست هذه القيم والأخلاقيات الفاضلة في نفوسهم منذ الصغر من خلال التربية داخل البيوت ومن خلال مناهج الدراسة والدروس وخطب الجمعة في المساجد لما شاع العنف في حياتنا بهذا الشكل المزعج .

ومن هنا يطالب د .أبوالمجد بضرورة العودة إلى أخلاقيات الإسلام لكي نتخلص من كل أشكال الإسفاف في سلوكياتنا اليومية، ويقول: لابد أن تعود الرحمة لتشع درجات السمو الأخلاقي والإنساني على حياتنا كلها، ولابد أن يعود الحب والتسامح ليحكم علاقتنا بكل خلق الله، فكل من يتخلق بخلق الرحمة لا يمكن أن يكون ظالماً أو متعصباً أو حقوداً أو متطرفاً في فكره أو سلوكه .

لقد ركز الإسلام في منظومته الأخلاقية على قيمة الرحمة أكثر من تركيزه على أي قيمة أخرى، لأنها المفهوم الجامع لكل قيم الحق والخير في الوجود . ما أحوجنا نحن المسلمين الآن إلى تعاليم وأخلاقيات الإسلام لتختفي كل مظاهر العنف والظلم والقسوة التي أفسدت حياتنا .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"