سليم بطي العامري إنسان من زمن آخر

حياته حافلة بالقصص والوقائع التاريخية
13:31 مساء
قراءة 8 دقائق

الوالد سليم بن بطي بن سهيل العامري رجل من زمن آخر زرته في بيته في منطقة زعبيل في دبي، وعبر هذه السطور يأخذنا في رحلة تاريخية تعود بنا إلى أكثر من ألفي عام مضت، ويحكي لنا عن قبيلته العوامر التي يفتخر بانتمائه إليها، وكثيراً ما يحدث مريديه في مجلسه بحكاياته عن جده الأكبر عامر بن صعصعة وزوجة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ميمونة بنت الحارث العامرية، ويروي لك الكثير من قصص الأصحاب رضي الله عنهم من العوامر .

معظم هذه القصص سمعها أصلاً من مشايخ الدين القدماء وآبائه وأجداده وكبار السن من قبيلته وقبائل أخرى تنتمي إلى هذا الجد وهم المناصير وبني ياس والعوامر، وما سمعه لاحقا من خطباء المساجد ومن شاشات التلفزة والإذاعة ومن أولاده وأحفاده وبعض أقاربه الذين أكدوا له جميعا صحة ما تناقله عن أجداده من أخبار وقصص وخاصة القول أجدادهم بأن قبائل المنطقة كلها من عظم وظهر وأصل واحد هو عامر بن صعصعة والد منصور جد المناصير ووالد هلال جد آل بوفلاح وأكثر بني ياس والكثير من قبائل المنطقة، وأن من عادة العرب منذ القدم أن يخرجوا من القبائل الأم ويشكلوا قبائل أخرى تخرج منها قبائل وعشائر وهكذا إلى عصرنا القريب .

ويفتخر كل عامري في أية بقعة من بقاع الأرض بأنه ينتمي إلى هذه القبيلة العريقة في النسب والمنتشرة في كافة بقاع الأرض من بلاد العرب وغيرها، وأنا لم أقرأ التاريخ ولكنني سمعت من أجدادي وكبار السن في قبيلتي ومن شيوخ القبائل الأخرى، وأسمع حاليا من أولادي وأحفادي وغيرهم من أهل وأصحاب أن قبيلة العوامر منذ القدم وحتى الآن تعتبر من أكبر قبائل العرب وأكثرها انتشاراً، وانهم موجودون في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا يستوطنون هذه البقاع ويعيشون فيها منذ سنين طويلة وخاصة في قلب آسيا والجزيرة العربية وكل شمال إفريقيا وشرقها في السودان والصومال وأرتيريا والسنغال وغيرها من بلاد إفريقيا، وقبل رسم الحدود الحالية كانت القبائل تتنقل في أرجاء الجزيرة، حيث الماء والعشب تسكن وللعوامر الكثير من الموارد والمواطن المنتشرة من جنوب الجزيرة إلى شمالها والعوامر يتعارفون ويتكتلون أينما كانوا ونخوتهم عيال عامر وهي التي تجمعهم عند صيحة الحرب أو النجدة لأي أمر طارئ .

زايد وحدنا

التاريخ مملوء بالقصص والوقائع التاريخية التي تثبت عكس هذا القول الذي نرى بعض كبار السن يحدثون به صغارهم ويلتقطه عنهم قريبو العهد بنا أيضاً من أقوام سكنت واستوطنت البلد قريبا وينقلونه من دون وعي أو تمييز، ولكننا لا نثير تلك الأخبار والقصص ولا نسترجع التاريخ الذي مضي بأسبابه وظروفه ونحن الآن بفضل الله ومن ثم بفضل الشيخ زايد وإخوانه الحكام أصبحنا شعباً واحداً ودولة واحدة وتحت علم ودستور وولاء واحد هو الولاء للدولة والقائد والعلم ولا داعي لإثارة تلك الحساسيات والخصومات القديمة وتثبيتها في صدور أجيالنا الناشئة وتعيير بعضنا للبعض الآخر في المدارس والأحياء السكنية وللأسف حتى على بعض القنوات الفضائية العربية وبواسطة رسائل الهاتف النقال القصيرة وغيرها من أساليب صبيانية يجب أن نترفع عنها لمصلحة أبنائنا وبلدنا ومستقبلنا .

وينقسم العوامر إلى عشائر وأفخاذ وبيوت، ورئيس العوامر منذ القدم بيت بن ركاض، وحاليا بيت بن حم وهم بني عم بن ركاض وكانوا يتقاسمون معهم رئاسة القبيلة منذ القدم، وهم ممثلو شيوخ ووجوه العوامر عند شيوخ وحكام أبوظبي من آل بوفلاح وآل نهيان، وكان أجدادنا يقولون إن بني ياس من ياس بن عامر وأن حم أخو ياس وهو جدنا الأكبر نحن عوامر هذه الدار والمنطقة .

ونحن من آل خميس من آل حيثول من العوامر المنتشرين والمعروفين أكثر في دبي وأبوظبي والعين، وبيتنا يعرف باسم بيت بالغالية وذلك نسبة إلى جدنا سهيل بن حمد بن سالمين بن نهيان الذي عرف باسم سهيل بالغالية نسبة إلى أمه غالية التي كانت من كبار نساء عصرها ومن بيت رفيع الشأن في عصرها فلهذا أشتهر أبناؤها بها كعادة الكثير من الأسر العربية منذ قديم الزمان، حيث ينسبون إلى أمهاتهم بعد شهرة أحد جدودهم بأمه مثل قبيلة عبيدة وجنب وغيرها من قبائل العرب وكذلك بعض الأسر تعرف نسبة إلى أمهاتها الفاضلات الشهيرات بالبيوت الرفيعة والكرم والجود وغيره من مكارم الأخلاق .

الأسرة والأهل

تزوج جدنا سهيل بالغالية امرأتين، الأولى أنجبت له عمي الشرقي وعماتي مطيرة ويمنة وموزة وبخيته، والثانية أنجبت والدي بطي وأعمامي علي وحمد وعيضه وعمتي فاطمة .

بطي والدي وأخي محمد الصامولي، وعمي علي هو والد محمد بن علي رحمه الله وهو من ربع سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وأخته نصرة، وعمي حمد هو والد سلطان الشاعر وسهيل وغريبة، وعمي عيضه هو والد مبارك، وعمتي فاطمة تزوجت ابن عمنا وهي أم سعيد العامري، وعمتي مطيرة تزوجها محمد بالهبيب العامري وهي أم ناصر وأحمد وبخيته، وعمتي يمنه تزوجها راشد بن ماجد بن سلطان بن لوتاه وأنجبت له أولاده خليفة وماجد وناصر ومحمد وفضة وعوشة وآمنة، وعمتي موزة تزوجت ولم تبذر، وعمتي بخيته ماتت في سن الشباب ولم تتزوج رحمها الله .

ومن أقرب الأقرباء إلينا من العوامر بيت أحمد بن شفية وعوض وسعيد وأحمد بالكيله وهم من ربع الشيخ زايد، وبيت حميد وسالم بن سويلم، وبيت خويتيم بن خادم في العين، وأخي عوض بن بطي كان معروفاً عند المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومشهور بالعلم والدين والورع وقد وضعه الشيخ زايد كأحد المرافقين لنجله الشيخ محمد بارك الله فيه ومن المقربين إليه وقد أصابه مرض عضال ولم يقصر الشيخ زايد ونجله الشيخ محمد في رعايته وإرساله للعلاج والإشراف على كافة شؤونه وشؤون أسرته جزاهم الله كل خير .

ولجدي سهيل نخل في جميرا الأولى ورثها عن جدوده، وتعرف هذه النخل باسم نخل سهيل بالغالية أو نخل بالغاليه وهي من النخيل القديمة .

بدو من الأصل

كان والدي وكذلك جميع أهلي بدو من أصلهم وطبيعتهم، يقيضون الصيف في هذه النخيل وكنا نأكل من رطبها، وكان البعض من أهلي من الشباب طبعا يقصدون الغوص ويمدون مع أهل جميرا ومنهم والدي وأعمامي الذين كانوا يقصدون نخيل أبيهم ويودعون عنده ركابهم ويمدون الغوص مع النوخذه سعيد الدليل رحمه الله، وكان الشواب والنساء يبقون في أرض نخل جدي حتى ينتهي موسم الغوص وينتهي ثمر النخيل فعندها يكون دخل موسم الشتا وعندها نقصد مرابعنا ومشاتينا في بادية دبي وهي الهباب والخوانيج والعوير ومرغم ومشرف، وكانوا أهلنا، وكنا نكد على الركاب والبوش وكنا نحمل الحطب والثمام والصخام واليلب وبعض الهوش من التيوس والدبش ونوديها كلها البلاد ونهبط السوق ونبيع الهوش في العريصة وهي عرصة وسوق ديرة ونهبطها أيضاً في سوق بر دبي، وبعدما ما باعوا جمعوا المؤونة واْشتروا حاجياتهم من الكسوة والخلقان والعيش والقهوة والحب والطحين والشكر وكل شيء يحتاجونه، وبعدها رفعوا على ركابهم وبعد يومين وصلوا إلى مشاتيهم في الهباب والعوير والخوانيج وغيرها من بادية دبي ويبقون فيها إلى أن ينتهي الشتا (الشتاء) ويدخل القيض (الصيف) ويرجعون للسيف والنخل ويدشون البحر ويمدون الغوص مثل كل سنة .

محطة الشارقة

في بداية الخمسينيات تأسس جيش عمان (قوة ساحل عمان) والخاصة بالإمارات وكان مركزهم في الشارقة في المحطة التي كنا نسميها اللمبي أيضا، فضمينا (التحقنا) أنا وأخواي الصامولي وعوض وولد عمي محمد بن علي في هذه القوة في أول تأسيسها وأول ما تعينا أخذنا فترة بريت وهي فترة تدريب على السير في الميدان وكنا نسميها بريت يمين شمال، وبعد انتهاء الدورة خذونا للخدمة في طريف التي كانت مركز حراسة لشركات التنقيب عن البترول وكانت وحدات أخرى من القوة تشارك في أحداث البريمي وكان قائد جيش أبوظبي حينها هو سيف بن ميع العامري الذي كان في الشارقة ومن ثم انتقل إلى أبوظبي ومات بعدها بسكة قلبية رحمه الله، وممن كانوا في الشارقة ورحلوا إلى أبوظبي واحد من أهل رأس الخيمة يسمى ابن قحيطر وسالمين الذي ذهب إلى أبوظبي ومن ثم جاء إلى معسكر قوة دبي وكان أقدم ضابط وملتحق فيها، وسيف الشرجي وخليفة بن حاسوم وخلفان مطر الرميثي وهم من أهل العين ومن ثم رحلوا إلى أبوظبي وأصبحوا من كبار قواد الجيش وأصحاب الرتب العالية وجميعهم الآن متقاعدين من الخدمة .

وعملنا أيضاً في العديد من مراكز الجيش التي كانت تشرف على الأمن وحراسة شركات التنقيب عن البترول ومنع تهريب السلاح وحراسة الحدود، ومن هذه المراكز جبل الظنة وليوا والطريف والمجن والمقطرة والجاهلي، وكان الجاهلي عبارة عن حصن منحاز صوب السوق والمويجعي وما كانت تحيط به نخيل وكانت مزارع النخيل بعيدة عنه، وفي الجاهلي خدمنا مع ثلاثة ضباط إنجليز أحدهم برتبة ميجر واْثنان برتبة كابتن وهما تحت الميجر وهو قائد المركز وكان معنا من أهل البلاد سهيل بالقاز المهيري وكان حينها برتبة ملازم ثان والشيخ حميد القاسمي كان برتبة ملازم ثان أيضاً وكان في محطة الشارقة، وبعد ذلك جاءنا ضباط من الأردن منهم ضابط كبير يسمى داود صدقي، وكان الجيش متعبل (مهتم) بنا وكان يوفر لنا الزاد والميرة وكان عنده طبابيخ يطبخون الأكل وكنا نأخذ الحليب من الماركيت وهو مكان التسوق الخاص بالجيش ويوم ينقصنا أو يأتينا ضيوف كنا نأخذ حاجتنا من الأهالي والبدو ونكرم ضيوفنا ونقوم بواجب الضيافة معهم .

كرم آل مكتوم

كان والدي وأعمامي من المقربين من الشيخ سعيد بن مكتوم رحمه الله وكان من المقربين إليه أيضا والدائمين في مجلسه حميد بن عمهي المنصوري والخرابشة وغيرهم من رجال القبائل والعشائر، وكان معروفا عن الشيخ سعيد الإيمان والورع والزهد والكرم والجود، وكان رحمه الله لا يقول لا أبداً في كلامه ولا يرد أحداً قصده إلا وهو مجبور الخاطر، وكان رجال القبائل والبدو يقصدونه عند حلولهم في دبي ويقولون له بأن حالتهم صعبة وشديدة، فيكتب لهم بروة وخط ويقصدون به تجار السوق فيعطونهم بموجب ما كتب لهم الشيخ سعيد .

حدث في مرة من المرات أن قصده ابن حلوة الكتبي مجلس الشيخ سعيد بن مكتوم وقال له نحن يا طويل العمر مقصرون أي محتاجين فكتب له الشيخ سعيد بن مكتوم بروة وفيها أمر لراشد بن أحمد المهيري مدير الفرضة بأن يصرف لبن حلوة ست روبيات فجاءت نقطة بجنب رقم ستة فأصبح الرقم ستين ولما قدم بن حلوة إلى راشد بن أحمد رحمه الله ورأى الورقة تعجب لأن ستين روبية تساوي دخل يومين أو ثلاثة أيام من دخل الفرضة والجمارك وكان دخل الشيوخ من حاصلة الغوص والفرضة وهو قليل في تلك الأيام، فأخذ راشد بن احمد الورقة واصطحب بن حلوة معه إلى حيث الشيخ سعيد بن مكتوم في برزته في الشندقة فأراه الورقة وقال له هل أنت متأكد من أن المبلغ والرقم هو 60 فنظر الشيخ سعيد رحمة الله عليه للورقة وقال لراشد بن أحمد: القلم ما هو بأكرم مني عط بن حلوة ستين روبية وهو يستاهل .

بقيت في العمل في الجيش مدة من الزمن وبعدها عدت وأخوتي إلى دبي وعملنا عند المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، في زعبيل وكنت كثيرا ما أصحب أبناءه الشيوخ مكتوم وحمدان ومحمد في رحلات القنص إلى مناطق لهباب والعوير والخوانيج ويديه، وكان الشيوخ مكتوم وحمدان ومحمد لا يقل أحدهم عن الآخر في مهارات الصيد وتتبع الطرائد وإعداد الصقور وما يلزم رحلة الصيد والقنص لأنهم أبناء آل مكتوم الذين ورثوا هذه المهارات ومهارات الفروسية والحربية والشجاعة من أجدادهم وآبائهم وقد توفي جدهم الشيخ سعيد بن مكتوم وكان إلى آخر أيام عمره يذهب في رحلات الصيد والقنص وكذلك والدهم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، لم يترك حبه وشغفه في هذه الهواية العريقة المتأصلة في ذاته حتى وهو في أشد أوقات المرض في آخر سني حياته .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"