هوس التصوير

05:32 صباحا
قراءة دقيقتين

راشد محمد النعيمي

من إفرازات الوضع الجديد في مجتمعنا، السعي المستميت للحصول على صورة ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، والفوز بلقطة مهما كلف الثمن حتى لو كانت الأرواح، في ظاهرة غريبة باتت تتكرر يومياً بأشكال متنوعة ومستفزة أحياناً عندما يقرر أحدهم بدون وعي أنه يستطيع لفت الأنظار إليه مهما كان الثمن، وكأننا في سباق لإثبات الوجود والتميز ليس بالشهادات العلمية أو الأعمال الجليلة أو خدمة المجتمع بل بالصور فقط لا غير.
قبل أيام قليلة لقيت فتاة آسيوية ( 16 عاماً ) مصرعها بعد أن سقطت من قمة أحد الأبراج في شارع الشيخ زايد من الطابق ال١٧ أثناء محاولة التقاط صورة لنفسها «سيلفي» وهي جالسة على حافة شرفة الشقة التي كانت تقطنها مع أسرتها عندما اختل توازنها بطريقة مفاجئة على حد وصف أختها التي شاهدت الحادث، ما أدى لانزلاقها من فوق الكرسي وسقوطها من الأعلى بينما سقط الهاتف في الشرفة، وآخرون دفعوا حياتهم أو صحتهم لهذا السبب وتورطوا في حوادث مرورية للسبب نفسه ووراء كل ذلك الهوس بالتصوير الذي لا يعرف الحدود ولا الظروف ولا حتى الآداب العامة واحترام خصوصيات الناس.
ترى ما الذي يدفع شرطة أبوظبي للتحذير من تصوير الأمطار بالهاتف أثناء القيادة والتذكير دوماً باعتباره مخالفة قانونية وفق المادة ( 32 ) من قواعد وإجراءات الضبط المروري التي تنص على أن الانشغال عن الطريق أثناء قيادة المركبة باستعمال الهاتف تطبق عليه الغرامة 800 درهم و 4 نقاط مرورية سوى استفحال تلك الظاهرة في طرقاتنا وما ينجم عنها من حوادث ؟ أصبحنا نرى شباباً يجازفون بعبور الأودية وبرك ومجاري المياه بسبب التصوير والفوز بلقطات غالباً ما تنتهي بضرر كبير يمسهم ويعرض حياتهم للخطر، بل ويعرض المنقذين الذين يهبون لنجدتهم للخطر نفسه.
المشكلة أن هوس التصوير لم يكتف بذلك، بل بات يتدخل في حياتنا اليومية وينقل خصوصياتنا للملأ، حتى بات هناك من يستغله في الابتزاز والإيذاء عندما تخرج الأمور من نصابها وتتعدى الخطوط الحمراء وتقدم معلومات شخصية جداً إلى العامة وصور كانت حتى وقت قريب تصنف من الأسرار والخصوصيات، لكن يبدو أن الهوس رفع كل ذلك عنها لتغدو متاحة للكل وينخرط الجميع في سباق للتقليد يظنونه منطقياً في ثورة التكنولوجيا التي نعيشها ومسايرة سلوكيات الآخرين وهو بالتأكيد أمر خاطئ يحتاج إلى تصحيح للمفاهيم قبل أن تختلط الأمور ونفاجأ بجيل جديد لا خصوصية تغلف حياته.
أمور أخرى يحاسب عليها القانون أقل ما توصف بأنها شاذة دخلت في هذا السباق أيضاً الذي لا قواعد له في ظل تهاون نسبة من أفراد المجتمع في التمسك بالثوابت والقيم ووضع حدود تعود بنا إلى الوضع المعقول على الأقل.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"