رجال ونساء خارج الزمن

يتمسكون بمرحلة عمرية ويعيشون تفاصيلها
12:52 مساء
قراءة 5 دقائق

التقدم في العمر حالة طبيعية تصيب الجميع، لكن البعض يقف أمامها قليلاً مع بداية ظهور التغيرات البسيطة في الشكل والتجاعيد، والبعض الآخر تصبح قضية محورية بالنسبة إليه، ويحاول أن يحاربها بأي شكل رافضاً الخضوع لسلطة الطبيعة التي تنبئ بسلبه الشباب، وحالة الرفض للمرحلة لا تصيب الكبار في السن فقط، فهناك من رفض الخروج من الطفولة أو المراهقة متمسكاً بشخصيته التي تنتمي إلى هذه الفترة بكل تفاصيلها .

لا ترى هدى مرعي 29 سنة أن هناك مشكلة في كونها تستمتع بطفولتها حتى هذا العمر، وتصر أن على الآخرين أن يتقبلوها كما هي، تقول: مازلت أشعر بأني طفلة في داخلي، وهذا ما أعيشه حقيقة في المنزل وأمام أصدقائي المقربين، فأنا أحب ارتداء البيجامات الملونة وأشتريها من محال الفتيات المراهقات، وتجذبني كل الأشياء الخاصة بهذا العمر كشخصية هالو كيتي مثلاً والوجوه الضاحكة، لكني خارح المنزل أتصرف بلباقة ورصانة غالباً .

رحاب سمير 40 سنة - ربة منزل تهتم كثيراً بأن تبدو أصغر سناً، وتقول: اعتدت الاعتناء بنفسي وأن أدلل نفسي كثيراً مذ كنت صغيرة، ودائماً أحب أن أبدو أصغر سناً حيث أفرح كثيراً عندما يعتقد من يراني أني أخت ابنتي، أو أني أصغر من شقيقاتي الأصغر مني بسنوات، وأتعامل مع أبنائي وكأنهم إخوتي . .

ويؤكد محمد عبدالحميد 55 سنة - تاجر سيارات أن شخصيته بدت أكثر ليونة بعد تغيير طريقته في الملابس، ويقول: اعتدت ارتداء الملابس الرسمية مذ كنت شاباً، وأنا معروف بأني شخص جاد في كل ما أفعل، وأعتقد أن الكثيرين كانوا يظنون أني صارم أيضاً، لكني تأثرت بكلام ابنتي التي أصبحت صديقتي المقربة بعد أن كبرت إذ ترى أنني أضع حاجزاً بيني وبين كل من حولي بشخصيتي الجادة وملابسي الأنيقة والرسمية التي أرتديها حتى في الزيارات العائلية . . لم تكن التجربة سهلة علي عندما ارتديت الجينز للمرة الأولى، فقد كنت أشعر بالحرج وعلى غير عادتي بدأت أبرر الأمر بأنه اقتراح ابنتي مع أني كنت أزور عائلة أختي حين لاحظت بعض التغيرات . لكن أبنائي شعروا بأني أصبحت ودوداً أكثر وشبابياً مثلهم، وبعدها بدأت أشعر بأني خرجت من قوقعتي وبأني أجرب شعوراً مختلفاً، وأنا أعيش هذه المرحلة التي لم أشعر بها لأني انغمست بالعمل وجديته في عمر مبكر، فبدأت أعيش مع أبنائي وكأني أخ لهم، وأتبادل الملابس مع ابني أحياناً .

حسام الشب 25 سنة - موظف في محطة تلفزيونية يحب ألعاب الأطفال كثيراً، ويقول: أحب الأطفال كثيراً وأشعر بأني طفل حقاً عندما ألعب معهم، ومازلت محتفظاً بالكثير من عاداتي الطفولية كأن آكل الكثير من قطع الجبن التي أحبها، ورقائق البطاطس وغيرها من الأشياء التي يحبها الأطفال، فأنا أستمتع كثيراً بمشاركة ابن صديقي واللعب وبالذهاب إلى المتجر وشراء حلوى الأطفال بكميات كبيرة كوني أعرف أني سوف أشاركه بها، ومازلت محتفظاً حتى الآن بألعابي وسياراتي عندما كنت طفلاً، وأفرح كثيراً عندما تهديني خطيبتي ألعاب الأطفال .

وتؤكد أشواق المعصم ممثلة أن العمر لا يحد الإنسان بقدر ما تحده أفكاره، فالمرح والنشاط لا يرتبطان بعمر معين بل يعودان إلى روح الشخص وطبيعته . وتقول: أنا الآن في الأربعين ولا أشعر بأن هذا العمر قيدني، فأنا أرتدي ما أريد ولكن تحت العباءة والمهم أن تكون الملابس محتشمة، وأتصرف بمرح كعادتي، لأني أرى أن على المرأة ألا تستسلم لفكرة العمر فتحبط نفسها وتؤثر في من حولها، وليس من المفروض إذا تقدمت المرأة في السن أن تحرم نفسها من أي شيء .

ويؤكد هيثم جاسم مهندس صوت في تلفزيون الشارقة، أن ظاهرة التصابي منتشرة جداً، يقول: أرى وأسمع الكثير من القصص عن كبار السن بهذا الخصوص، إلى أن أصبحت أنظر إلى الأمر على أنه طبيعي، فمنهم من يلاحق النساء في المراكز التجارية ويحاول التقرب منهن معتقداً أنه مازال شاباً .

وعن سبب انتشار ظاهرة التصابي، يضيف: تقدم الطب ساعد الكثيرين على الاحتفاظ بأشكالهم، فالسيليكون أداة فعالة في إخفاء العمر بالنسبة للنساء والرجال، والسبب الحقيقي طبعاً يعود إلى التغير الاجتماعي وتغير القيم، وبالتالي لم تعد الفواصل بين المراحل العمرية واضحة وملزمة كما في الماضي .

ويرى بشير محمد علي مهندس إضاءة في دائرة الثقافة والإعلام، أن الحرية الشخصية لها ضوابطها، ويقول: بعض الرجال تصيبهم حالات الطيش في أعمار متأخرة، وهذا يبدو في ملابسهم وتصرفاتهم كأن يرتدي أحدهم ملابس الشباب ويقلد تسريحاتهم، أو يجلس في المقهى لفترات طويلة يراقب الفتيات أو يتحدث في الهاتف كما يفعل المراهقون، وهذه التصرفات تكون محرجة بالنسبة إلى أبناء هذا الرجل ولمن حوله، ولا يمكن أن نعتبر الأمر حرية شخصية لأننا نعيش في مجتمع شرقي له ضوابطه التي تتعلق بالملابس والتصرفات المصاحبة لكل مرحلة، فالتقدم بالسن يجب أن يقترن بالهيبة والوقار .

حالة مرضية

يرى د . علي الدوري أستاذ التربية في أكاديمية الفرحة لعلوم الأسرة، أن تمتع الانسان بالروح الشبابية طبيعي، لكن تقمص سلوك الأطفال يدل على حالة مرضية . ويتابع: البعض يرى أن مرحلة الشباب مفتوحة ولا يمكن أن نحدها بسن وهذا ما تثبته أحدث الدراسات، أما البعض الآخر فيحدد عمر الشباب بسن وبالتالي يرى مشكلة بتصرف من جاوزها بالشكل المعتاد فيقول عنه متصابياً، ولكن المشكلة تكمن في نظرة الطرف الآخر وليست في الشخص نفسه .

وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يتمسكون بمرحلة الطفولة، يقول: أعتقد أن هذه الحالة نادرة في مجتمعاتنا العربية، وهي تأخذ منحيين، فإما أن يكون الشخص بالفعل مريضاً وقدراته العقلية محدودة، وإما أن يقلد الأطفال عمداً في تصرفاته وهذا يعود إلى تدليله في طفولته لدرجة مبالغ بها، ما جعله متمسكاً بهذه الحالة ومعتاداً على الاعتماد على الآخرين لتلبية طلباته إضافة إلى أن هذا النوع من الأشخاص يتصف عادة بالاستهتار واللامبالاة والاتكالية أيضاً .

ولأن الطفل الأخير في الأسرة يكون مدللاً من قبل الأب والأم أكثر من الآخرين، فإنه عرضة لأن يكون من هذا النموذج .

ويخالفه علي الحرجان طبيب نفسي، إذ يرى أن سلوك البشر على هذا النحو يمكن أن يقسم وفق ثلاثة أسس: عضوية ونفسية واجتماعية، ويقول: في الحالة العضوية يحدث خلل في الخلايا العصبية نتيجة اضطرابات كيميائية كما في حالات الهوس وما قبله التي تصاحبها اضطرابات في المخ تؤدي إلى سلوكيات وتصرفات تتسم بالحماسة والنشاط المبالغ به، وتنعكس على سلوكيات الفرد وملابسه وعلاقاته مع الآخرين . وبالنسبة إلى الجانب النفسي، يضيف: الكثير من الناس الذين تتغير سلوكياتهم في فترة معينة ويتصابون، يعود السبب في حالاتهم إلى ظروف الحرمان العاطفي أو المادي التي مروا بها في الطفولة أو المراهقة، وهناك حالات لشباب يتصرفون كالأطفال لعدم النضج الاجتماعي النفسي، نتيجة الدلال المبالغ به في الصغر، أو العيش في مجتمع مغلق فيلجأون إلى تقليد الأطفال ليكسبوا ود الآخرين .

وفيما يخص الجانب الاجتماعي، هناك قسم من الناس يتصرف بطريقة النكوص أو الرجوع إلى الماضي ليبين لمن حوله قوته وشبابه، فيبتاع حاجيات الشباب، ويهتم بإثبات شبابه .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"