ليس مقال هجوم ولكن

23:52 مساء
قراءة 5 دقائق
خرجت جمعية حقوق الإنسان في الإمارات إلى الوجود عن حاجة مجتمعية ووطنية حقيقية وأصيلة، وهي لذلك كان وراءها قائمة من المؤسسين المواطنين الذين ثابروا على متابعة أمر إشهارها والاعتراف بها وأمر التوعية والتعريف بها في المجتمع. ولأنها حاجة مجتمعية أصيلة اعترفت بها الدولة ممثلة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وإن بعد تردد وإطالة، وإن كذلك بعد غربلة للأسماء المقبولة وحذف وإضافة وفق معايير لم تفهم حتى الآن من قبل أولئك الذين استبعدوا (وكنت أحد أولئك).يوم أن بدا الجميع يسمع بالجمعية، كانت معنوياً وفي افتراض امكانية الواقع، في موقع متميز على الجمعيات الأهلية الأخرى، ولم تكن أي جمعية أخرى بمثلها في الصيت، حيث الدفاع عن الحقوق ومن لحق بهم الحيف بأي شكل كان، كما أنها افترضت سياسية، وهي كذلك، من الألف إلى الياء وفي أصغر التفاصيل التي تختص بها. امتازت الجمعية على غيرها كذلك بأنها لا تخص فئة مهنية بعينها وانها تمثل المجتمع بأكمله وبكليته وهي كذلك وبالمسمى والوظيفة أكبر من حدود الداخل وخارطة حدوده، ولقد استقطبت فعلاً في مراحل إنشائها اهتمام الإعلام خارج الدولة. وأخيراً، فإن الجمعية قامت في وقت تغيير سياسي إماراتي، وكانت منبئة بهذا التغيير، كما كان يتوقع منها أن تكون في عملها ونشاطها مادة لهذا التغيير.لذلك، والجمعية بامتلاكها ذلك وما تعد به كانت اضافة كبيرة للعمل الأهلي وللمجتمع المدني، وأخذاً له للعمل في مجال أوسع. كما أنها كان يمكن أن تشكل مخرجاً مهماً للعمل الأهلي الذي انعزل عن المجتمع.بعد وصول الجمعية إلى بر الإشهار استقطبت مجاميع جيدة من النخبة، كما سمعنا وهذا ما يؤكد الحاجة المجتمعية إليها، ويؤكد الافتراض العام بالجمعية أن تكون أرضاً أوسع مما هو موجود للعمل الاجتماعي والوطني لنخبة راكمت تجاربها من قبل في الجمعيات والمؤسسات المختلفة، وتأهلت ثقافياً وأكاديمياً وسياسياً كي تقود عملاً مؤسساتياً أفضل نوعياً، وكي تدير بطبيعة الحال حواراً عن المجتمع المدني مع حكومته وذلك في ما يختص بالهدف الذي قامت لأجله الجمعية.سؤال كان مطروحاً على هذه النخبة وهو سؤال أولي وضروري ويرتبط بالصورة السلبية بل والسمعة السيئة لجمعيات حقوق الإنسان في الوطن العربي والعالم الثالث. فهذه الجمعيات في معظمها، كانت مطية للمصالح الخارجية والتدخلات في شؤون المجتمعات وتركيبتها وقضاياها الداخلية. الغريب والمريب معاً أنه بينما شهد العقدان الأخيران أبشع الجرائم والاعتداءات على الإنسان وحقوقه في المنطقة العربية، فإن جمعيات حقوق الإنسان في أغلبها لم تكن بمستوى رد الفعل الأدنى على تلك الجرائم. والسبب بيّن وواضح وهو تبني هذه الجمعيات مفاهيم لحقوق الإنسان ليست هي التي يفرضها الواقع الناضح بالانتهاكات الجسيمة المسكوت عنها. تولد جمعيات حقوق الإنسان في عالمنا وهي مهيأة بنيوياً، وبحكم المجال والنشاط، لأن تكون عيناً وأذناً للخارج ومحلاً للأجندات السيئة النية. ومع ذلك فإن هذا المسار ليس قدراً مقدوراً، فدائماً يوجد النموذج الوطني والصيغة الثقافية المطورة والمعدلة من أطر مستوردة ومستعارة وذات إشكاليات موروثة مثل مؤسسات حقوق الإنسان. وليس صعباً على أي جمعية حقوق إنسان أن تخلق شروط وجودها المحترم اجتماعياً ووطنياً، وتؤسس لمواثيقها التي تحتاط بها من الاختراقات ومن الاستخدام المغرض الذي لا يصب في مصلحة المجتمع. وهذا ربما كان الجواب الذي كان يتوجب أن ترد به النخبة التي تدير الجمعية على السؤال الأول والتحدي الذي كان يطرحه عليها منذ البداية.السؤال الثاني الذي كان بديهياً والذي طرحته وسائل الإعلام خارج الإمارات بكثرة لمغزاه المعروف، هو ما إذا كانت الجمعية ستقصر مجال عملها على المواطنين أم انها ستشمل به المقيمين والعمالة الأجنبية. وإن كانت الجمعية قد اتجهت نحو الخيار الثاني، فإن هناك القليل الموثق من المعلومات من مصادر الجمعية الذي نفهم منه كيفية الموازنة بين مصالح الوطن والمجتمع ومصالح العمالة، خاصة في ضوء أسئلة المستقبل الشديدة الإقلاق. معايير الجمعية في هذا المجال هي من الأهمية بمكان، وهي يجب أن تكون تحت الضوء العام الذي يكشف أي خلل في الرؤية حول مجتمع مهدد بشكل جدي في هويته بسبب الخلل الفادح في التركيبة السكانية.لقد قرأنا مرة على صفحات هذه الجريدة كلمات في هذا السياق للأستاذ عبد الغفار حسين رئيس جمعية حقوق الإنسان وفيها يقول: إنه على الذي يعمل من أجل حقوق الإنسان أن يتجرد من النظرة الشوفينية الوطنية التي تجعل من القريب خيراً من البعيد، وأن النظرة الانسانية هي فوق الشوفينية والانتمائية القبلية والعشائرية والقومية.. إن هذا الدرس الذي قدمه الكاتب على أنه إحدى خلاصات تجربته العملية في جمعية حقوق الإنسان يمكننا تفسيره الآن على أنه ذو علاقة بانقسام مجلس إدارة الجمعية على نفسه حول تعاطيه مع هذه القضية، فأي استراتيجية تم تبنيها في هذا الخصوص وفي ضوء هذا الدرس؟ للوطنية مدافعون عنها، وهم ليسوا على خطأ إن كانوا يقصدون حماية مصالح المجتمع ووجوده وهويته إزاء ما يحيق بها من أخطار لا تخطئها العين. والوطنية في ضوء هذه الحقيقة، يجب أن يكون لها المكان الأهم والأكبر في استراتيجية الجمعية ونشاطاتها.لقد بدأت الجمعية كبيرة ومحاطة بالآمال والتوقعات التي تليق بأهميتها، وهي انتهت بعد سنتين بانقسامات مريرة في مجلس إدارتها حول أمور تنظيمية وغير تنظيمية، وانتهت كذلك بإجراء وزاري يخضعها للتحقيق في تهمة فهم الجميع أنها تتعلق بتسريب ملفات إلى منظمة خارجية لها وجهة نظر معينة حول العمالة في الإمارات ولها ضغوط أيضاً في ما يتعلق بها، إنها سابقة فعلاً أن تشن صحافتنا هذا الهجوم على جمعية أهلية، وأن يكون هذا الهجوم موجهاً إلى وطنية الجمعية. لا يصب هذا المقال في سيل الهجوم ولا الاتهام، إنه يحمل خطوط أسئلة وتحديات واجهتها الجمعية، وهذه الاسئلة بقيت إلى الآن بلا أجوبة لأن الجمعية لم توفر المعلومة للإجابة عنها، وكان حرياً بها أن تفعل بحكم المهنية وبحكم حساسية الموقع. ومن هنا عدم وضوح الموقف لمن يريد الدفاع عن الجمعية، وهو موقف كان يمكن أن يكون مبدئياً في الأساس.وإلى أن تتضح المسائل حول الجمعية يبقى الواضح والبديهي والصح والذي يجب تسطيره في هذا الموقف الذي يحتاج إلى الشفافية والإعلان من الوزارة ومن الجمعية معاً، وهذا الصح هو ألا تنزلق جمعية أهلية مجالها الحقوق إلى ما يمكن أن يضيع حق الوطن والمجتمع ويسلم المصائر المستقبلية إلى من يترصد بها متدخلاً وراسماً لما يجب أن يكون.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"