كثير من الأمهات يجدن صعوبة في إقناع أطفالهن بتناول الطعام رغم لجوئهن إلى تلوين الأطباق وملء المائدة بالألعاب، وتشغيل أفلام الكرتون، لأن الأطفال يصرون دائماً على تناول الوجبات الجاهزة والسريعة من خارج البيت، ما يؤدي إلى إصابتهم بأمراض كثيرة منها السمنة والسكري .
وأصبح الحديث عن التغذية السليمة للطفل أمراً ملحاً بعد أن سادت الصورة العصرية للطفل الآمر الناهي في عائلات كثيرة، فهو يأكل ما يشتهيه بصرف النظر عن قيمته الصحية، والأهل في الغالب إما غافلون عن مراقبة سلوكياته الغذائية الخاطئة وإما مشاركون فيها، وهناك أمهات كل هدفهن ملء بطن الطفل بأنواع الطعام المختلفة، غير مدركات أنها تقوده إلى مشكلة السمنة التي تنعكس سلباً على صحته وتجعله محل سخرية بين أقرانه، مما يؤثر في نفسيته . ولخطورة هذه القضية، لابد من البحث عن سبل الغذاء الصحي المتوازن الذي يضمن نمو الطفل .
تتساءل اعتدال عطية، أم لأربعة أطفال، عن كيفية السيطرة على أبنائها لمنعهم من تناول الأطعمة من خارج البيت، رغم أنها في متناول أيديهم في أي وقت من محال الوجبات السريعة التي أصبحت منتشرة في كل مكان ويمكن وصولها إليهم بسرعة فائقة عن طريق الهاتف، إضافة إلى المنتجات المغلفة مثل رقائق البطاطس والمقرمشات والمعجنات التي برع الذين ينتجونها في جعلها ذات مذاق جذاب يتعلق به الأطفال ويفضلونه على طعام البيت .
وتؤكد حيرتها في إرضاء أولادها، والمحافظة على صحتهم في الوقت نفسه من خلال أسلوب التغذية السليم، خصوصاً أن عادات هذا الجيل تشكلت بشكل مختلف بعد أن تأثرت بالإعلان عن الأطعمة المختلفة المعدة في المطاعم، أو المغلفة .
وأضافت: الغريب أن أولادي يميلون دائماً إلى تلك الأطعمة وباتوا يفضلونها على ما أعده من أطعمة في البيت، رغم أن ما يشترونه بلا فائدة صحية . وتشير إلى أن ابنها الصغير وعمره لا يزيد على ثلاث سنوات يتناول رقائق البطاطس والمشروبات الغازية، ويبكي إن منعته منها ويرفض تناول الوجبات الأخرى التي تعدها له، وتقول إنني فشلت في السيطرة على إخوته لأنهم يتناولون ما يحلو لهم أثناء وجودهم في المدرسة .
وتعارض د . يمنى لطفي، أم لطفلتين، هذا الكلام، مؤكدة أن الأم يمكن لها أن تجذب أولادها إلى طعام البيت من خلال وسائل عدة، منها معرفة نوعية الأطعمة التي يحبونها، وعمل مثلها في البيت، وأن تقدمها بالطريقة التي تقدم بها في المحال، حتى تضمن أنها أطعمة صحية . وتوضح أن أهم مرحلة في حياة الطفل هي السنوات الأولى التي يتعرف فيها إلى الطعام، ومن خلالها تستطيع الأم تأسيس عاداته الغذائية، لذلك فهي تمتلك القدرة على تشكيل تلك العادة على الطعام الصحي، مثل البروتين والفاكهة وشرب المياه بكثرة . وتقول: هناك بعض الأمهات والآباء يسهمون في إفساد العادات الغذائية لأولادهم عن طريق اللجوء إلى الوجبات الجاهزة استجابة لرغباتهم في شراء الأطعمة المغلفة، ثم تكون الشكوى من تعود أولادهم على تلك الأطعمة الجاهزة ورفض طعام الأم في البيت، ما يعرضهم للبدانة والأمراض جراء تناول هذه الأطعمة .
وتشير علياء الشامسي، أم لأربعة أطفال، إلى أن إصابة أي طفل بالبدانة أو سوء تغذية يرجع إلى أم تفتقد الثقافة الغذائية، منوهة بأنها تعرف الكثير من الأمهات معظمهن صديقات لها يتصورن أن دورهن هو جعل أولادهن في حالة من الأكل المستمر، وأن ما يقمن به نجاح هائل، خاصة أنهن يرين أوزانهم في زيادة مستمرة، ولا يتوقفن عن هذا الاعتقاد الخاطئ إلا بعد اكتشاف أنهن يدفعن أولادهن إلى الهلاك من خلال البدانة التي تظهر عليهم يوماً بعد آخر، لكنهن غير مدركات أن صحتهم ليست في الكم، وإنما في النوعية التي يتناولونها . وأوضحت أن الثقافة الغذائية مهمة جداً للأم حتى ينشأ الطفل سليماً ويكتسب عادات غذائية سليمة.
الأنماط الخاطئة هي المسؤولة
تحمّل د . سلمي محمد، اختصاصية التغذية، الأنماط الخاطئة للحياة مسؤولية كل ما يعانيه الأطفال من سوء التغذية والبدانة، والعديد من الأمراض، موضحة أن عملية التثقيف الصحي للأمهات تقوم بها الكثير من الجهات، إلا أن هناك عقبات تواجه الأم وتعرقل أي دور تقوم به، مثل عوامل الجذب الخارجية المتمثلة في المنتجات التي لا يمكن حصرها، ومعظمها يستهدف الطفل . وتقول: يبتدع المنتجون كل الوسائل التي تجذب الصغار بأي شكل من الأشكال، فمحال الوجبات الجاهزة لا تتوقف عن ابتكار التقاليع مثل تقديم لعبة للطفل مع الوجبة، أو تخصص ركناً للمرح للعب فيه مع أصدقائه، ما يحوّل الأمر إلى جانب نفسي، وبالتالي تتكاتف الأمور على الأم فارضة عليها أسلوب التغذية الذي أصبح سائداً .
لست وحدي
ترى منال محمود، أم لثلاثة أطفال، أن هذه مشكلة لا يمكن وجود حل لها، لأنها على المستوى الشخصي تواجه أطرافاً أقوى منها بكثير، منها الوسائل الإعلامية التي تروج ليلاً ونهاراً لتلك الأطعمة التي تشكل العادات الغذائية الخاطئة من مقليات ودهون وغيرها، إضافة إلى أن محال بيعها منتشرة داخل الأبراج السكنية ويراها الأطفال في خروجهم وإيابهم، وتتفنن هذه المحال في ابتكار وجبات جديدة صفة دائمة تجذب الأطفال إليها وحولتهم إلى آلة تتحرك في أي وقت . وتؤكد أنها تقلد تلك الأطعمة وتغلفها وتضعها لأولادها في حقيبة المدرسة لتناولها أثناء الفسحة المدرسية، ولكنها قليلا ما تكون وسيلة ناجعة .
وتنتقد شيماء شمس الدين، أم لطفلتين، هذا الأسلوب، مؤكدة أنه طريقة قديمة لم يعد لها وجود، بعد أن أصبح المصروف اليومي أهم من كل شيء في حياة الأولاد ليشتروا به ما يشاؤون من الأطعمة الجاهزة من دون رقابة أسرية تتدخل في اختيارات الطفل وتمنعه من الأطعمة التي يحبها، مثل رقائق البطاطس والمشروبات الغازية التي تخلو تماماً من الفوائد الصحية .
المقاصف المتهم الأول
لأن المدرسة طرف في المعادلة مع الأسرة فإن أغلب المدارس فيها مشرفو تغذية يقوم دورهم على توعية الطلاب بالأسلوب الأمثل والصحي السليم، من خلال متابعة توازن الوجبات الغذائية التي تقدم في المدرسة . وتشير منى سالم، مشرفة تغذية بإحدى المدارس، إلى أن المدرسة تسعى من خلال منهج يدرس للطلاب إلى توعيتهم بأهمية التغذية السليمة وكيفية انتقاء ما يتناولونه من أطعمة، بحيث يكون الطالب وهو في الصف الخامس تعلم كل شيء، لدرجة أنه يعرف الوزن المثالي له ويراقب أي زيادة تطرأ على جسمه ويحسب الكتلة الجسدية ويعلمها لمن في بيته .
وطالبت بأن تكون هناك ثقافة غذائية لدى الوالدين، لأن الأبناء يقلدونها في كل ما يتناولونه من أطعمة، لذلك فإن دور الوالدين مهم جداً في وضع نظام التغذية السليمة لأولادهما وتعويدهم عليه .
وفي ما يخص المقاصف الموجودة في المدارس التي تدخل فيها الأطعمة المرفوضة مثل رقائق البطاطس والمعجنات والشيكولاته، يقول يوسف الفرماوي المسؤول الإداري للمدرسة الإنجليزية بأم القيوين، إن وجود مثل هذه المقاصف يؤدي إلى خروج الأمور عن سيطرة الوالدين، لأن الطالب يقضي ساعات طويلة في المدرسة، وغالباً ما يكون معه مصروفه فيلجأ إلى هذه الأطعمة التي تجذبه وجيله إليها لما تتمتع به من نكهة ومذاق، الأمر الذي يتطلب زيادة جرعة التثقيف الغذائي للجميع لحماية أولادنا .