رحل الفقيد الكبير في التاسع عشر من شهر رمضان - الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام ،2004 وبرحيله فقدنا رجلاً صنع تاريخاً معاصراً حافلاً بالإنجازات الكبيرة، لا على مستوى وطنه وأمته فحسب؛ بل على مستوى العالم أجمع، وعظمة تلك الإنجازات مردها أنها نُسبت إلى رجل عظيم القامة والقيمة، فهناك وطن تصنعه عبقرية رجل ووطن يُنجب الرجال . والراحل العظيم - طيب الله ثراه - من الطراز الأول الفريد الذي استطاع أن يبني وطناً قوياً في ظروف عربية ودولية صعبة . ولكن التاريخ الكبير لا يصنعه إلا الكبار أصحاب الهمم الكبيرة . لقد كان الشيخ زايد - رحمه الله - بحق رجل المرحلة عندما انطلق إلى بناء الدولة الحديثة التي ترتكز على قواعد متينة راسخة، تقوم على بناء الإنسان الصالح المتسلح بالعلم والإيمان، وتعتمد كذلك على تنمية الموارد البشرية والاقتصادية . كان رحمه الله قائداً ذا بصيرة، سمته الرحمة والوفاء ليس لشعبه فحسب وإنما تعدت تلك السجايا النبيلة حدود الوطن، وألقت بظلالها في بلدان كثيرة من شرق العالم لغربه، ومن شماله لجنوبه، متخطية حواجز العصبية الدينية والعرقية، لأنها نبعت من قلب إنسان يسع الجميع .
لذا لا غرو أن تزخر المكتبات بمئات الكتب عن الراحل العظيم - زايد الخير رحمه الله - باعتباره شخصية غيرت مسار التاريخ، ومن هذه الكتب كتاب صقر الصحراء للباحث والإعلامي كلود موريس، صاحب صحيفة الصوت المعنية بالشؤون العربية، الذي جاء في مقدمته أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أحد أعظم الشخصيات على الساحة العالمية، فقد تأثر كثيراً بطبيعته البسيطة وتميزه بالنظرة الثاقبة والشجاعة والكاريزما، وكان حاكماً دبلوماسياً بارعاً . كذلك يذكر الرحالة الإنجليزي ويلفرد ثيسجر في كتابه بعنوان الرمال العربية أن الشيخ زايد شخصية رصينة، ينم وجهه عن ذكاء شديد، وهو رجل محافظ على احترام مقتضيات الكرامة من خلال اتباعه سياسة وطنية مخلصة . وجاء في كتاب ريح الصباح للعقيد هيو بوستيد، الممثل السياسي البريطاني، أنه كان دائماً معجباً بكرم الشيخ زايد، وطريقته في التغلب على المصاعب، فقد كان رجلاً مرموقاً، لطيف الكلام دائماً مع الجميع، وسخياً جداً بماله . وكذلك عالم الآثار جيفري بيبي في كتابه بحثاً عن دلمون، حينما جاء لأول مرة إلى العين، وواحة البريمي في عام ،1959 فقد وصف الشيخ زايد - رحمه الله - بأنه قناص صحراوي قوي، يمارس العدل .
ومن كوامن عظمته - رحمه الله - أنه كان متطلعاً في جولاته الخارجية إلى كل ما يفيد وطنه، فمنذ عام 1953 سافر الشيخ زايد إلى بريطانيا في رحلته الأولى إلى الخارج . وبعدها زار عدة بلدان متضمنة الولايات المتحدة الأمريكية ولبنان والعراق ومصر وسوريا وإيران والهند . وفي رحلته إلى باريس لم تفارقه الدهشة فقد صعد إلى قمة برج إيفل، ونزل بخطى فارس إلى ساحة الإليزيه، وزار أكبر المتاحف، وتخيل في ذهنه أن بلاده قد تشهد يوماً مثل هذه المتاحف على أرضها، ثم رأى الصحف، واستشرف أن بلاده سوف تكون لها صحفها يوماً ما أيضاً، وزار المستشفيات الفرنسية الكبيرة، وأصرّ أن تكون ببلاده مشافٍ تضاهيها، من أجل معالجة المشاكل الصحية التي كانت تواجه شعبه بكل قوة . وكان مثالياً عملياً، ففي أعماقه قبس من الفلسفة العالمية الإنسانية، وكان يشعر بأن وظيفة الدبلوماسية هي في بساطة تحقيق التفاهم والإحسان، وأن اقتسام المنافع هو في ذاته قوة موحدة، ويرى أنه في تطور الإنسان على مختلف الأصعدة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية عملية مستمرة بما يحقق لأمته ووطنه مكانة راسخة بين الأمم، وصمم - رغم الصعاب - أن يمضي في عمليات التنمية وخدماتها التي تقدم للمواطن والمقيم عيشاً كريماً في وطن آمن .
لقد رسّخ الراحل الشيخ زايد - رحمه الله - قيم العدل والسلام والحرية، متكئاً على إرث تاريخ أجداده المشرف في ترسيخ هذه القيم النبيلة، هذا الإرث يمتد لخمسة قرون عرف الناس خلالها أن هذه الأسرة الكريمة آل نهيان - التي ينتمي إليها هذا القائد - هي الرمز الذي يجمعهم، وهي الملاذ لهم . لقد حرص - رحمه الله - على توفير متطلبات التنمية الواعية عندما عمل على امتزاج الجميع في نسيج وطن واحد، بلحمة وطنية ذات هدف واحد تستوعب المتغيرات السياسية والأمنية والثقافية والاجتماعية كافة، وعمل على تطوير مستوى التعليم لأبناء الوطن والمقيمين على أرضه، بالمزيد من حسن التخطيط، واستيعاب جميع الأنظمة والمتغيرات السائدة في هذا العالم .
هكذا مارس الفقيد - رحمه الله - كتابة التاريخ عبر المواقف الإنسانية الثابتة، والسياسة الحكيمة بعيدة النظر، والمنطوية على مبادئ وقيم ومثل لا تتوافر إلا للكبار حقاً، ومثابرة لتغيير الواقع ليوازي طموح الحالم الجاد . فقد كان عظيماً في مماته كما كان عظيماً في حياته . . وهذه هي العظمة الحقيقية؛ فالتاريخ الذي يمثل مدونة الفعل البشري المتعدد، والحامل الأبرز لكل العطاءات السياسية والإنسانية يحتفي دوما بكل شيء . والكتابة عن الشيخ زايد - طيب الله ثراه - لا تنتهي، ولن تنتهي لأن شخصيته مليئة بالأسرار، وإنجازاته مازالت ماثلة أمام العيان، تؤتي كل حين أكلها، والرجال العظام قد تفتقدهم الأحداث، ولكن التاريخ لن يفتقدهم، وشعوبهم الوفية تتذكرهم جيلاً بعد جيل . فالمسيرة بإذن الله يحالفها التوفيق والنجاح على يد أبناء زايد الأبرار، وها نحن نشهد هذه القفزة الحضارية في عهد القائد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان - حفظه الله وأيده بنصره وتوفيقه - وهي مثار الإعجاب والغبطة والرقي الإنساني . قوامها المواطن في بناء دولة حديثة ناهضة في ظل الأمن والاستقرار . والحمد لله رب العالمين . رحم الله الشيخ زايد، وطيب ثراه، اللهم أجزه بأحسن ما كان يعمل ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .