خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين، كانت سوق دبي، السوق الرئيسة لكل مدن الإمارات، فاستقرار التجار الإيرانيين والهنود منذ فترة ازدهار اللؤلؤ في بدايات القرن العشرين، وانتقال معظم تجار لنجة إلى دبي في تلك الفترة، أديا إلى تأسيس سوق بدأت تنمو لتصبح سوقاً مهمة للاستيراد والتصدير وإعادة التصدير . وهذا النمو كان عاملاً رئيساً في تأسيس البنية التحتية في دبي خلال فترة الخمسينات قبل الإمارات الأخرى، وشعر كثير من التجار بالنمو الكبير الذي تسير فيه الإمارة من خلال ما يرونه من تزايد النشاط التجاري وافتتاح خطوط ملاحية جديدة، فاتجه كثير من التجار إلى أخذ وكالات تجارية للسيارات والمعدات الزراعية وغيرها في محاولة لتأسيس قاعدة تجارية لهم ولأبنائهم من بعدهم . وقبل أن نطلع على رحلات بعض التجار وتعاقداتهم للحصول على الوكالات التجارية وإعلاناتهم في دليل هاتف دبي عام 1961 سنلقي نظرة على حركة سوق الإمارة من خلال ما سجله رونالد كودري الموظف البريطاني في شركة نفط الساحل المتصالح الذي قدم إلى دبي عام ،1948 وأقام فيها، وسجل ملاحظاته طوال فترة الست سنوات التي قضاها هناك .
التقط رونالد كودري أجمل الصور وأقدمها تقريباً عن دبي وبقية الإمارات خلال إقامته في دبي منذ 1948 وحتى ،1954 ونشرت تلك الصور في ألبومات مصورة باللغتين العربية والإنجليزية، ويقول رونالد كودري عن تلك الفترة التي قضاها في دبي في منزلي الذي نزلت فيه بدبي كنت أشاهد المراكب الشراعية وهي تبتعد عن الخور، وقبلتها موانئ مختلفة قد تصل حتى زنجبار البعيدة، وأسفل شرفتي، كانت تستلقي إبل تركها أصحابها في عقالها وذهبوا إلى البازار المزدحم، وفي مطلع الصيف، كنت أنصت إلى أهازيج البحارة وهم يهمون بالخروج لصيد اللؤلؤ، ومع كل خريف، كانت تحل أسراب الحبارى الضخمة بالصحراء لينطلق وراءها الصقارون من جديد، وهم يجوبون البلدة مزهوّين بصقورهم الجاثمة على قفازات ثقيلة مصنوعة من القماش، لقد كان عالماً غريباً، لكني سرعان ما وجدتني متعلقاً بهذا الجزء الكامل من بلاد العرب، وبسكانه، أكثر من أي بلد زرته، أو شعب عرفته . (1) ويكمل كودري حديثه، واصفاً دبي وسوقها المزدهر فيقول تشكل دبي بسكانها ال 15 ألفاً، الميناء التجاري الرئيس على الساحل المتصالح، ويجذب بازارها المزدحم والزاخر بالألوان، والأكبر بين المشيخات السبع، كل من يملك جملاً يوصله إلى هناك، ولطالما استمتعت بالتجوال بين أزقة هذا البازار برفقة البعض خلال زياراتهم المتعددة للبلدة، وكان من بينهم شخص يدعى مبارك، قطع 320 كيلومتراً على ظهر جمله قادماً من أرض عشيرته الرملية الجرداء، وبعد أن ربط ناقته بعمامته - وكثيراً ما يستعمل غطاء الرأس لهذا الغرض - جالسني لنحتسي القهوة معاً، غير أنه كان على عجل، فالدكاكين تغلق بعد صلاة العشاء، وليس لديه وقت ليضيعه، وقد ترك مبارك وراءه بندقيته، آخذاً معه فقط حزام الخراطيش، وخنجره المعقوف الذي يعد السلاح التقليدي في الساحل المتصالح، ثم راح يمشي بجانبي تحت سعف النخيل الذي يلقي بظلاله الوارفة على أزقة البازار الضيقة، وعلى امتداد قرون من الزمان، لم تتغير سوق دبي المكتظة إلا قليلاً، حيث يجلس التجار عند مداخل دكاكينهم ذات الأبواب الصغيرة أمام رزم من الأقمشة تساوي آلاف الروبيات، في حين يجلس تجار آخرون القرفصاء في العراء وهم يعرضون حزماً من البضائع المتنوعة والرخيصة المفروشة على الأرض . كان مبارك يتوقف بين الفينة والأخرى ليسلم على بعض الذين يعرفهم، فيتلامسون بالأنوف، وابتعد مبارك مع أحدهم، ليعود وهو يحمل حفنة من دولارات ماريا تريزا، وهي العملة التي سميت باسم ملكة النمسا وكانت تستخدم في التجارة في إفريقيا والجزيرة العربية والهند، وعندما توقفنا عند دكان بقالة تفوح منه روائح ذكيّة، مرّر مبارك أنامله على الحبوب والتوابل، ثم أخذ يسأل عن أسعارها وهو يشم حبات القهوة ويتذوق الأرز، وقد افتتن مبارك بالملابس والسكاكر الحلوة والأواني اللامعة، إلى درجة أنني اضطررت إلى إسراع الخطى خشية أن ينفق كل ما يحمله من مال (2) .
مما سبق ذكره، استطاع رونالد كودري أن يرسم صورة بوصفه شاهد عيان شاهد أسواق دبي في فترة الخمسينات، ويبدو من خلال الوصف أنها كانت شبيهة إلى حد ما بأسواق مدن الخليج الأخرى مثل الكويت والبحرين من حيث التنوع والزحام، في تلك الفترة لم يكن هناك داع لوجود وكلاء متخصصين لمختلف السلع نظراً لفقر المجتمع، واتجاه أغلبية السكان إلى شراء المواد الضرورية كالملابس والمواد الغذائية، وحتى تجارة إعادة التصدير كانت معظمها محصورة في هذه السلع، ولا شك أن إنشاء البنية التحتية في دبي خلال الخمسينات أسهم بشكل كبير في ازدياد نسبة الواردات وإعادة التصدير، ويشير أحد التقارير إلى أن قيمة الواردات زادت بين عامي 1958 و1959 بنسبة 5 .4%، ولكن تلك الزيادة شهدت نمواً كبيراً مع بداية الستينات، حيث بلغت الواردات من البضائع والسلع إلى دبي عام 1961 (855 .644 .6) جنيه إسترليني بنسبة زيادة قدرها 8% عن العام السابق 1960 . (3) ويسجل تقرير آخر نشاط سوق دبي خلال عام 1962 رغم الزيادة على التعرفة الجمركية التي طبقتها الحكومة الإيرانية على الواردات من البضائع لموانئها، وكما هو معروف، فإن السوق الإيرانية من أهم أسواق المنطقة التي تستقبل البضائع من دبي من خلال تجارة إعادة التصدير، وشمل نشاط سوق دبي المواد التموينية والبضائع التي تباع بالمفرد ومواد البناء، واتجه كثير من التجار في تلك الفترة إلى السوق الهندية في إعادة تصدير بضائعهم التي حاولت بدورها، الاستفادة من تشدد الإجراءات الإيرانية، بعد قيام الحكومة الهندية بإعطاء مزايا جمركية جيدة وتسهيلات للتجار المصدرين من دبي . هذه الحركة النشطة كانت عاملاً مشجعاً لكثير من تجار الجملة على الاتجاه نحو أخذ وكالات تجارية، ولا يمكننا أن نعرف بدقة متى بدأ التجار في الاتجاه نحو الوكالات، ولكن على ما يبدو أن هذا الأمر بدأ منذ الخمسينات بشكل بسيط ثم ازداد مع تطور النشاط التجاري في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات . وهناك بعض التقارير التي تمدنا بمعلومات عن سعي بعض التجار الإماراتيين للحصول على وكالات تجارية من بريطانيا . أحد هذه التقارير مؤرخ في 23-7-،1962 وكتبه جيمس غريغ المعتمد السياسي البريطاني في دبي، يقول فيه أبعث إليكم باثنين من الزوار من دبي، وهما شقيقان، وابنا أحد أهم التجار في دبي، وربما يكون الأهم على الإطلاق في مجال عمله، سوف يسافران في غضون يومين، لكنهما سيتوقفان في بيروت في طريقهما إلى لندن، وسيمكثان في إنجلترا لمدة شهر تقريباً، وهما وكيلان فرعيان (لوكيل رئيسي في البحرين) يعمل في مجال محركات غاردنر، ويبدو أنهما حريصان على الحصول على وكالة تلك المحركات، أو العمل على إجراء ترتيب منصف لاقتسام الأرباح، وسياستنا هي تشجيع الوكلاء المحليين، كما أنهما تقدما للحصول على وكالة سيارات موريس، وسبق أن ناقشنا هذا الموضوع مع ممثل جمعية تجار وصناع السيارات البريطانية الذي حضر هنا، وعرض عليهما أن يقوما بزيارة معارض الشركة لتعريفهما بسيارات موريس، ويرغبان أيضاً في زيارة شركة جنرال إليكتريك، وهما يعتبران وكلاء لها، علماً أن الوكالة تحولت إلى شركة أخرى في دبي . (4) هناك تقرير آخر كتبه أيضاً جيمس غريغ المعتمد البريطاني في دبي بتاريخ 16-7-1962 عن اثنين من كبار التجار في دبي يسعيان للحصول على وكالات تجارية في بريطانيا، ويبدو من أسمائهما أنهما أب وابنه، يقول التقرير اثنان من كبار تجار دبي على وشك الوصول إلى لندن في الأسبوع الأول من شهر أغسطس/ آب، وهما من أبرز تجار دبي، ووكلاء لشركات متعددة، مثل سيارات فوكسهول وبدفورد، وإطارات غوديير ودنلوب، والأب مقاول مشهور، ويقوم الآن ببناء مدرسة تجارية، وعيادة طبية خارجية في مستشفى المكتوم، ويهتم كثيراً بالاستيراد العام، ويرغب الأب في مقابلة بعض الأفراد والشخصيات التي تهتم بالعمل في هذا المجال، وهو أيضاً وكيل لمحركات كلفين، ويرغب في الحصول على وكالة بطاريات كوبتوم، وأجرى اتصالات للحصول على وكالة أحذية بارت (5)
إعلانات الوكلاء
في يناير/ كانون الثاني ،1961 صدر أول دليل هاتف في دبي، بعدما بدأت خدمة الهواتف في الإمارة عام ،1960 والدليل ممملوء بالإعلانات التجارية، وربما يكون أول كتاب مطبوع تنشر فيه الإعلانات في الإمارات، وهي نقلة نوعية في طبيعة العمل التجاري من النظام التقليدي إلى الحديث من خلال نشر الإعلانات، وإتاحة الفرصة للناس لمعرفة الوكلاء المعتمدين للسلع القديمة والجديدة في السوق . وكانت تلك فرصة ثمينة للتجار للتعريف بأنفسهم وبضائعهم في مجتمع مغلق، لا توجد به جرائد ولا مجلات ولا أي وسائل إعلام أخرى، وهي أيضاً فرصة لنا للاطلاع على المؤسسات والشركات العاملة في دبي في تلك الفترة، والوكلاء المعتمدين في الإمارة . والدليل أيضاً يحتوي على إعلانات تجارية أخرى لا تختص بالسلع التجارية، منها مثلاً إعلانان عن مطبعتين عاملتين في دبي، هما مطبعة الرضوان، والمطبعة العمانية، يقول إعلان الأولى على استعداد تام لتقديم الخدمات الطباعية للجمهور الكريم بجميع الأنواع والألوان، والخدمات للدوائر الرسمية والمؤسسات الكبرى وهناك فرع خاص لعمل الأختام ومصنع الأكياس، ويبدو واضحاً من الإعلان أن المطابع في تلك الفترة لم تنشأ لطباعة الكتب والمجلات، وإنما لتلبية حاجيات التجار من دفاتر والفواتير والأختام وسجلات الدوائر الرسمية التي بدأت تظهر تباعاً، ومطبوعات البنوك التي فتحت أبوابها منذ الخمسينات . تعرّفنا تلك الإعلانات ببعض الماركات التي اختفت أو تراجع مركزها في السوق .
وهناك إعلان لشركة نقليات دبي لصاحبها يوسف باقر، والإعلان موجه للتجار والمستوردين وأصحاب الأعمال عن استعداد الشركة للقيام بجميع أعمال النقل بالسيارات: الرمل، الطابوق، الكنكري، الأخشاب، يوجد في الدليل أيضاً إعلان لعيادة الدكتور محبوبي وهو طبيب أسنان، وعنوان العيادة كما هو مبين في الإعلان، شارع الخيل وشارع السينما، هناك أيضاً أكثر من إعلان للتاجر البحريني عبدالرحمن الزياني الذي كان موزعاً لبعض السيارات، يقول الإعلان عبدالرحمن الزياني موزعون لسيارات روفر ولاندروفر وإطارات ميشلان والأدوات الكهربائية بلاك آند ويكر وثلاجات ومكيفات كلفنيتر، ومراوح مريللي، وإعلان آخر لموزع سيارات نيسان طراز 1961 وهي محالّ محمد وجمعة الماجد، يقول الإعلان لدى قيادة سيارات نيسان طراز ،1961 تشعر بلذة السير المريح، وسهولة القيادة، نفس الوكيل له إعلانات عن بعض وكالاته مثل إطارات يوكوهاما والمذياع ماركة كورر، والآلة الكاتبة ماركة رمنكتن راند، يوجد أيضاً في الدليل إعلانات لتجار قطريين لهم وكالات في دبي، مثل قاسم وعبدالله أبناء درويش بن فخرو، ومحمد عبداللطيف المانع، ويشير إعلان شركة المانع إلى أنهم وكلاء منتجات فيليبس في قطر وسيارات فورد وإطارات نيسك الأمريكية، وكان هناك مجموعة من التجار الخليجيين وكلاء لكثير من الشركات التجارية، ويشير أحد الباحثين إلى أن كثيراً من التجار الخليجيين وغيرهم استفادوا من الإعلان الذي نشر بالنشرة الرسمية لحكومة دبي في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 وتم السماح في ذلك الإعلان لجميع التجار من كل الجنسيات بالعمل التجاري في دبي، فقدمت عائلة الرضوان من الكويت وافتتحت مطبعة الرضوان، إضافة إلى عبدالرحمن الزياني من البحرين ومرشد العصيمي الذي سمي سوق مرشد بدبي باسمه، وكان ممثلاً لحكومة الكويت في دبي، وواحداً من التجار الكبار، ومحمد عبدالرحمن البحر والغربللي من الكويت . (6) يوجد في دليل هاتف دبي لعام 1961 أيضاً إعلان لشركة أحمد ماجد الغرير يوضح أنهم موزعون لمضخات هارلند - بيتر وإطارات إنديا وزيوت موبيل ومكائن غاردنر البحرية وسيارات دودج وبلايموث وكرايسلر وإمبريال ومكيفات هواء كريسلر . ويوجد أيضاً إعلان لشركة كاسموس وكلاء ساعات فيلكا وتتوني . ويوجد أيضاً إعلانات باللغة الإنجليزية، منها إعلان لشركة جاشمنال وأولاده مبيناً أن له فروعاً في دبي والكويت والبحرين والبصرة وجزيرة داس، وتعرض الشركة منتجاتها في الإعلان وهي عطور وساعات وملابس، وهناك إعلان باللغتين العربية والإنجليزية لشركة رئيسي حسن سعدي للشحن والسفر البحري، وإعلانات أخرى للشركة الإفريقية الشرقية، وشركة خانصاحب للمقاولات، والمخزن الشرقي وكلاء ساعات نيفادا وفيورلوبا .
هذا التنوع في الإعلان يرسم صورة المجتمع التجاري الجديد الذي بدأت صورته تتضح منذ أواخر الخمسينات وبداية الستينات، وظهرت أنماط جديدة من التجارة، مثل الوكالات التجارية والمطابع وورش السيارات وشركات المقاولات المعمارية والكهربائية، وغيرها، وتلك كانت بداية التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الحديث .
تصليح سيارات يشرح الخاطر
من أطرف الإعلانات، إعلان عن إحدى ورش تصليح السيارات، يقول مستعدون لتصليح السيارات واللحام بالأكسجين بواسطة المخارط الحديثة التي تقوم بالعمل قبل أن يرتد الطرف . فهلم أيها المواطن لتقديم أعمالك لهذه الورشة التي آلت على نفسها خدمة المواطنين بدقة وأمانة وإخلاص، ونعاهد الله أن ننفذ كل نقطة قطعناها على أنفسنا . زوروا محلنا ولو بصورة خاطفة، ستجدون كل ما يشرح الخاطر . (7)
هوامش
(1) رونالد كودري، إمارات الساحل المتصالح، الإمارات في أرشيف ناشيونال جيوغرافيك، مجلة ناشيونال جيوغرافيك، ديسمبر ،2010 ص 32-53
(2) رونالد كودري، م .س
(3) Summary Records of the Emirates 1962 P . 368
(4) Graig Political Agency Dubai 23th July 1962 Records of the Emirates 1962 P . 223
(5) Graig 16th July 1962 Records of the Emirates 1962 P .222
(6) انظر مقال بلال البدور، جريدة البيان، العدد ،11032 بتاريخ 1 سبتمبر ،2010 ص 31
(7) انظر دليل هاتف دبي لعام 1961