الوالد راشد بن سرداح نموذج للرجل العصامي والمكافح الذي شق طريقه في الحياة بما يمتلكه من عزيمة وفهم للحياة، بدأ حياته العملية ولما يبلغ الثالثة عشرة من عمره، وتنقل بين عدة أعمال بحثا عن الأفضل والأنسب، حتى ساقه القدر إلى المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم الذي لازمه كأخ وصديق قرابة أربعين عاماً .
يقول في بداية حديثه معنا: أنا راشد بن محمد بن عبيد الكتبي، ولقبنا هو ابن سرداح، ولا أعرف ما معنى سرداح، وكانت الألقاب تلتصق بالبعض لأي سبب من الأسباب، وكانوا به يعرفون هم وأبناؤهم من بعدهم، ويقولون إن سرداح تعني الرجل الضخم والقوي، وقد يكون هذا صحيحا، فنحن جدنا عبيد كان قويا وشجاعا، ويقال لو أنه اجتمع عليه خمسة رجال أشداء لعجزوا عن السيطرة عليه، ونحن من المشافعة من بني كتب، ومن بني عمنا مطر بن دلموك الكتبي، الله يحفظه، وهذا أكبر من والدي بسنين، وهو رجل يعرف القبائل والفخايذ، ويعرف مسكن كل قبيلة وفخيذة، والطوايا والموارد التي يردون عليها، وكان الناس قديما يتنقلون من مكان إلى آخر طلباً للمعيشة وأسبابها .
نحن من جدنا وجد جدنا نسكن الذيد، وكان أجدادنا يسكنون منطقة الفلج، على الطوى التي تغذي وتسقي الفلج، وكان جدنا عبيد بن خليفة بن سالم بن سرداح الكتبي وجه ومعروف، وإذا حصل خلاف بين شخصين، فإن المخطئ يسبق إلى الاعتذار، وكان صاحب الحق إذا حضر عنده وطلب الحق، قام جدي وأعطاه حقه وأرضاه من عنده، ويذكر أن ولدي عم تضاربا بالخناجر، وطعن أحدهما الآخر بخنجر فأصابه، فهرب وجاء إلى جدي فأمّنه، وطلب المعتدى عليه إلى مجلسه، وما أن وصل وإخوته حتى كان جدي قد أركب المعتدي على ناقته الخاصة وأوصله إلى أهله، وقام وأصلح الأمر وأرضى المعتدى عليه وإخوته وأعطاهم ما يرضيهم، وكان والد جدي خليفة بن سالم قبله يقوم بهذا الفعل، وكان القوم إذا اختلفوا على بوش أو هوش، قالوا من يسدكم قالوا يسدنا خليفة بن سالم، ويأتون عنده فيقضي بينهم ويقبل الجميع بقضائه، وكان يفصل بينهم بالهدوء والتفاهم لا بالإجبار، لم يكن شيخ كي يجبر، وإذا كان المطلوب فقيراً كان يسد عنه، وكان الجميع يخرجون من عنده راضين، ولم يكن بين الناس قصور .
نخل وغافات
كان جدي عبيد رجلاً ميسوراً والله منعم عليه وكان عنده الخير الكثير، وكانت عنده البيشان وبيوت الشعر والعبيد، وكانت عنده النخيل والحلال من إبل وماشية وأبقار، وكان عنده عياله، وهؤلاء كلهم يكدون، وعياله هم والدي محمد وأعمامي خليفة وراشد وأختهم شماء، وهذه تزوجها رجل حضري وأنجبت ولد وماتوا جميعا، وأنا لي أخت واحدة، وعمي خليفة تزوج وأنجب بنتاً وولداً وتوفوا جميعاً، وعمي راشد توفي وهو غير متزوج، وكان جدي عبيد عنده مال وخير، وكانت العرب تقصده حيثما يسكن، وكان الناس يريدون المعيشة ويقصدون من لديه الاستطاعة والخير والمال، ولذلك كانوا دوما عند جدي، على الغداء والعشاء والريوق الفطور، وكان لجدي مساكن كثيرة يعرفها العرب هنا في المنطقة، وكان عنده بيت ومسكن في بقعة تسمى الوُدَيْمِهْ، التي هي نخيل ومنزل بقرب فلج الذيد، وكان عندها غافات كبار تسمى غافات ابن سرداح، ويوجد في محلها الآن مستشفى وعمارات، وقد سكن جدنا عبيد في هذا الموضع لأكثر من عشر سنين .
كذلك كانت لجدي عبيد نخل في الذيد عرف باسم نخل ميدك، وهذه النخل تقع في طرف البلاد من الشمال، وهي نخل كبيرة فيها طول وعرض، ولهذا سموها: ميدك . وعندما تقيظ النخيل يأتي والدي ويشتري الرطب كله، وتسمى هذه العملية طناية، ويقولون: يطنيها، وفي الأول يأكل رطبها، وبعدها يضم تمرها، وكان عنده مكان واسع يقوم فيه عبيده بضم التمر في الأيرب أي الجراب وتسمى يواليق، وهي تسمية قطرية وسعودية، ونحن نسميها يراب، وكان يملأ البخّار المخزن بالتمر، ويظل يأكل منه إلى نهاية العام، وكان يقسّم منه ويعطي الفقراء والمحتاجين، وكانت عنده البوش للبن والهوش للأكل، وكانت الناس تجاوره، وتتقرب من صاحب المال وتعيش وتأكل معه، وفي آخر زمنه سكن منطقة الزبير .
5 مساكن
كان جدنا يتنقل من الذيد ويسكن تاهل حيث لنا هناك خمسة مساكن، وسكنا هناك عند قوم بن صرود والشاوي، وكذلك كان يسكن في الزبير والدبدبه والحليو، وكان له في كل منطقة مسكن ومسكنان وثلاثة، وهذه الأخبار والمعلومات سمعتها من والدتي التي كانت تعيش معهم منذ صغرها، كما سمعتها من أشخاص كثر، منهم معمرون عاصروا جدي عبيد ووالده خليفة بن سالم، منهم من مات ومنهم من هو على قيد الحياة، وهناك الكثير ممن سمع هذه المعلومات أيضا من آبائهم وأجدادهم، ومن المعمرين الذين عاصروا جدي عبيد الوالد مطر بن دلموك الكتبي، وهذا رجل تجاوز المئة من عمره الآن، الله يحفظه ويعطيه طول العمر، وكذلك عبيد بن مبارك بن شنّه الكتبي، وهذا يعرف المساكن كلها، وقد التقيته منذ أيام وقال لي عن مساكن جدي وقال لي إن لم تعرف أماكنها فتعال معي كيد آخذها اليها، وكذلك يعرفها سالم وعلي وسيف بن بخيّت الكتبي، وقوم ابن صرود، وقوم ابن غدير، وقوم بالضبعة، وعلي بن كليب، ومحمد معضد بن هويدن الكتبي، وقوم محمد بن علي بن عبدالله بن هويدن، وسعيد بن عبدالله بن هويدن، وقد توفي والدي وأنا طفل رضيع لم أكمل الأربعين يوما، فرحلنا إلى حيث يسكن جدي والد والدتي، التي أخذتني وأختي وسكنا دون الفاو التي يسكنها جدي آنذاك .
آثار باقية
بعد ذلك انتقلنا من الفاو وسكنا محدثه، وأخذنا نتقرب شيئا فشيئاً، وكنا ننتقل من طوي إلى طوي، ففي هذه السنة نسكن على هذا الطوي، وفي العام التالي على ذاك الطوي، وسكنا أيضا على المرة، وكانت الناس تحفر الطوي تريد الأجر، وكانت الناس تسكن الطوي ولا تمنع غيرها من السكن، وهكذا تنقلنا من طوي إلى طوي آخر حتى سكنا نزوى، حيث لنا فيها أكثر من عشرين مسكناً، وبسبب البعد عن مواطن أجدادنا راحت كل تلك المساكن، فقد جاء من سكنها من بعدنا، والبعض منهم تملكوها، ولن يقولوا الآن أنها ملك ابن سرداح، وبعض المساكن جاءت عليها المشاريع الحكومية المختلفة من شعبيات ومستشفيات وعمارات وغيره، والناس إلى الآن يعرفون مساكن جدنا عبيد بن سرداح كلها، وهناك الكثير من البدو إذا التقينا بهم الآن وعرفوا أنني ابن سرداح قالوا لنا: لكم في البقعة الفلانية مسكن وفي البقعة الفلانية مساكن، وقد أخبرني أهل الرفيعة من قوم بن بخيّت وعبيد بن مبارك بن شنّه عن مساكن جدي في تاهل، ولا تزال آثارنا باقية في المنطقة، ولم يأتها ما يغيرها أو يزيلها من مكانها، ولا تزال السمرة التي سكنوا عندها باقية في مكانها، وتسمى سمرة ابن سرداح .
الآن لم يقصر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في بني كتب وغيرهم من العرب، وقد بنى لهم الشعبيات والمساكن المريحة وبنى لهم المدارس والمستشفيات، ووفر لهم الخدمات كافة التي تساعدهم على معيشتهم في مناطقهم القديمة في قلب الصحراء وأطراف البلاد، وقد أعطى له بقعة معينة ملكية عليها، لم يقصر مع أحد، وأنا وإن كنت أسكن لهباب الآن، فإن الشارقة هي أمنا، وهي موطن آبائنا وأجدادنا، وأنا كان عندي جواز الشارقة الأبيض، الذي أعطاني إياه المرحوم الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، وكان يريدني أن أعمل لديه في تربية وتدريب الصقور، ولكن لم يحصل نصيب وذهبت وعملت في شرطة دبي في بدايات تأسيسها، ومن ثم عملت في عدة أعمال، وبقيت في دبي إلى وقتنا الحاضر .
شرطة دبي
التحقت بالعمل في شرطة دبي في أول تأسيسها في عام ،1956 ولكن حينها كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر، لم ينبت شاربي بعد، حيث أخبرني أحد المعارف عن حاجة الشرطة إلى شخص يحرس الطيور الصقور الخاصة بالميجر لوريمر، وهو إنجليزي ورئيس الشرطة، قالوا لي نريدك أن تحرس الطيور من الغربان، وعملت عند الميجر حوالي أربع سنوات، وكان الميجر يخرج في الليل ويتبع الأرانب، وكان يضرب الليت يسلط إنارة السيارة في وجه الأرانب، وكنت أنا أخطف عليها وأحملها بسرعة، وكنا نقنص في المدام وجبل علي، وكنا نسير بسيارات الجيب يوم الأربعاء أو الخميس، وكان الميجر يأتينا يوم الجمعة أو السبت، وكان معنا خالي علي بن راشد بن سويلم، وكنا نأخذ فترة ونرجع، وعشنا عيشة رخاء ليس فيها شيء من الوسواس، ولا وجع الرأس، وكنت ألبس زي الشرطة وأتسلم رواتب الشرطة وهي تسعون روبية، وقد تلقيت التدريبات الخاصة بالشرطة، ودربوني على الطيور، وكان مقر الشرطة في حصن نايف، حيث كانت المحكمة هناك أيضا، وكانت هناك سبخة بالقرب من مبنى البلدية القديم والذي أصبح في ما بعد مبنى المحكمة، وكانت التدريبات تتم في هذه السبخة، وكان المدرب يمنياً، وحصل معه موقف خلال التدريبات حيث قال: يا الله دبل، أي عقاب بمضاعفة التمارين، حيث أمرهم بالجري في الميدان، فاصطف الأفراد في ثلاثة صفوف وأخذوا يجرون، وكان معنا حمد بالملهوف وهذا من إخوتي وصحبي المقربين، وخالي علي بن كليب، وهذان ركضا، ولم أذهب أنا معهم ووقفت في مكاني، فقال لي: لما لم تذهب وتركض معهما؟، فقلت: لن أذهب ولن أركض . قال: أنت تكسر الأمر؟، فقلت: لست أكسر الأمر ولكن المخطئ هو من يتحمل وزر خطئه وأنا لم أخطئ، المهم صار بيني وبينه مشادة، وتركته وانصرفت من أمامه، وأخذ ينادي ويعطي أوامر للتوقف وأنا مستمر في السير، وذهبت وسلمتهم زي الشرطة وخرجت، وكان ذلك الميجر يحبني كثيرا، وقد بقيت معه ثلاث سنين ومن بعده سنتين، حيث عملت في الشرطة مدة خمس سنين .
بعد أن كسرت الأمر وتركت العمل في الشرطة، استدعاني الميجر وقال سأعطيك الرتبة الفلانية، وأنا لا أعرف في الرتب، ولكنني لم أوافق ولم أعد للعمل في الشرطة، وقد استدعاني المرحوم الشيخ محمد بن حشر رحمة الله عليه ودخل معي المختصر أي مجلسه الخاص، وقال لي: يا راشد الناس يبحثون عن العمل والراتب الجيد مثل راتبك ولا يجدونه وتعوذ من الشيطان وأرجع للعمل مع الميجر، ولكن لم يفد كل ذلك الكلام، وتلك المحاولات لثنيي عن قراراي، لأنني غضبت، كما أنني لم أكن في حاجة إلى أحد، وعندما عدت لأخذ أغراضي من حجرتنا التي كانت بالقرب من حجرة الميجر، جلس لشرب القهوة مع الربع، وإذا بسيارة المرحوم الشيخ أحمد بن علي آل ثاني حاكم قطر آنذاك والذي كان متزوجا من بنت المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ونزل منها رجل يسمى الدود وجاءني ليقول لي: عزير يريدك . فقلت له: ماذا يريد مني عزير؟ . قال تعال وكلمه، فذهبت معه فقال لي عزيز: يا راشد نحن نريدك للعمل معنا في الطيور ومعاشنا أفضل من معاش الشرطة، وقال سنعطيك 150 روبية، فقلت له: لا أريد عملك ولا معاشك . فقال لي: نحن نريد رجالاً للعمل معنا في الطيور، أنت رجل والنعم فيك، وقال لي: اركب معي وسأوصلك إلى مقصدك، فركبت معه وسار بي إلى مخيم الشيخ أحمد في العوير، وكان عنده خيار الرجال، أمثال سالم بن بنا المهيري، والمرحوم علي بوهليبه الفلاسي، وعزير وأخواه سالم وراشد، وعبدالله بالرفيعه، وراشد بالهلي، وكان عندهم جميع الرجال من رأس الخيمة إلى ليوا، من كتبي إلى غفلي إلى مسافري، ومنهم من أعرفه ومنهم من لا أعرفه، وكان المعاش 150 روبية، وكان المعاش يصرف لهم في مواسم القنص فقط، وبعد ذلك طلب الشيخ أحمد من عزير أن ينتقي من الرجال ستة أو سبعة رجال وأمر لهم براتب طوال أيام السنة، والرجال كلهم خيار ولا يمكن التفاضل بينهم، وتم اختيار عشرة، منهم عبدالله بالرفيعه، وأحمد بن يريو، وغانم بن مسفر، وعلي بن سويلم، وحمد الملهوف، وراشد بن سرور وسالم بن سرور، والأخيران شقيقا عزيز، وكنت أنا منهم وكنا في الشتاء نذهب إلى القنص مع الشيخ، وفي القيظ كنا نبقى عند أهلنا، ولم تكن هناك أعمال وارتباطات كثيرة، وكنا مرتاحين وسعيدين، والآن كل شيء متوفر ولكن الناس لا يجدون الوقت الكافي لإنجاز أعمالها وارتباطاتها .
بعد ذلك حصل موقف بيني وبين عزير، كما حصل مع الشرطة، غضبت وتركت العمل وكان لي أخوان مقربان هما حمد الملهوف وخالي علي، وقد شاورتهما في الأمر، وجاءنا عزير وصار بيننا كلام وفي الأخير قلت: أنا ذاهب فمن سيأتي معي، فقال حمد الملهوف: أنا سأبقى، وقال علي: أنا سأفكر إلى الغد، وفي تلك الأيام لم تكن الوظائف متوفرة، وقالت لي الوالدة والرضيعة الأخت: يا راشد تعوّذ من الشيطان وفكر في راتبك الكبير الذي تأخذه وأنت راقد مكانك، ولكنني حينها لم أكن أفكر في هذه الأمور، فلم تقدر علي الوالدة وأختي وكذلك خالي علي الذي جاءنا وتعشى عندنا وبات ليلته عندنا، وفي الصباح خرجنا، فقال لي: ماذا ستعمل الآن، وكان الشيخ أحمد قد أعطانا السلاح والبنادق وسلحنا، فأعدت السلاح، وقلت لعلي: وأنت، قال لي لا لن أسلم السلاح ولن أقطع سبب رزقي، وقمت معه وجئنا إلى مبرز المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم في زعبيل، الذي كان أمام بيته، وجلسنا ننتظر الشيخ إلى أن يحضر، كان المقصد من حضورنا اليه إننا كنا نريد أن نستئذنه للعمل في أية جهة لكوننا نحمل جوازات دبي وواجب علينا أن نشاور الشيوخ ونستأذنهم للعمل في أي مكان، وقد تأسست وقتها قوة دفاع أبوظبي وكانوا يريدون جنوداً وأفراداً، ولما حضر الشيخ مكتوم قمنا وكلمناه بكل ما حصل لنا، وطلبنا منه إعطاءنا ورقة للعمل في شرطة دبي أو الجيش، فقال لنا: اتركا الأمر لي وسأرد عليكما العصر، وجاءنا وقت العصر وأخذنا إلى المختصر وقال لنا: ماذا في خاطركما، فقلنا له: نريد ورقة للعمل في الشرطة أو الجيش، فقال: اجلسا فأنتما حينما كنتما بعيدين عنا عند الشيخ أحمد كنا نريدكما ولكننا استحيينا من نسيبنا والآن تريدان أن تبتعدان، وأمرنا أن نجلس ولا نذهب إلى أي مكان، وبعد خمسة أيام جاءنا وطلبنا عنده في الأعلى، وقال لنا: أريدكما أن تبقيا عندنا كمرافقين وإخوة، وأعطانا شيكات وكتب لنا بالمير وكل ما نحتاجه، وأخذنا يومين ننقل ذلك المير والأغراض إلى أهلنا بالسيارات، الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة، وبقينا معه على حشمة ومعنى، نسير معه القنص في البلاد وخارجها .