سارعت الخارجية الأمريكية بلسان وزيرها مايك بومبيو إلى معارضة قرار المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، بفتح تحقيق شامل في جرائم حرب ارتكبتها «إسرائيل» ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية. وأكدت أنها طلبت من الدائرة التمهيدية الأولى تأكيد أنها تمتلك ولاية لممارسة اختصاصها على كل من الضفة الغربية، بما يشمل القدس الشرقية وقطاع غزة، وهذا الاستنتاج هو لأغراض حصرية من أجل تحديد ولاية المحكمة من أجل ممارسة اختصاصها القضائي في نطاق تطبيق ميثاق روما، وهو قرار اعتبره الرئيس الفلسطيني أبو مازن «تاريخياً»، فيما اعتبره رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو بأنه «يوم أسود».
الرفض «الإسرائيلي» - الأمريكي للقرار ينطلق من زعم أن لا ولاية للسلطة الفلسطينية على الأرض، وأنها ليست دولة، في حين أن القانون الدولي اعترف بها دولة تحت الاحتلال بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولهذا أثار قرار المدعية الدولية بنسودا اضطراباً في المؤسسة الاحتلالية، لأنه يفتح المجال لأي فلسطيني تضرر من الاحتلال ومستوطنيه أن يرفع دعوى أمام الجنائية الدولية.
إن التعنت الأمريكي في دعم الباطل «الإسرائيلي» مهما كان يأتي في سياق انهيار السياسة الأمريكية التي تنتهجها إدارة ترامب بشأن القضية الفلسطينية. فإدارة ترامب لم تترك مجالاً إلا حاولت فيه انتهاك حقوق الفلسطينيين، ودعم أي أفكار شيطانية ضدهم، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال، إلى نقل السفارة، إلى الضغط على دول دكتاتورية يمينية لنقل سفاراتها مثل هندوراس وغواتيمالا والبرازيل، وأخيرا بوليفيا بعد الانقلاب على موراليس. ثم هناك قرار واشنطن بوقف مساهمتها في ميزانية وكالة غوث اللاجئين البالغة 359 مليون دولار والضغوط التي مارستها إدارة ترامب على الدول المانحة لوقف مساهماتها في الوكالة لتصفية قضية اللاجئين طبقا ل «صفقة القرن»، لكنها منيت بالفشل بعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤخراً، بتجديد ولاية الوكالة، واستأنفت الدول التي أوقفت مساعداتها مثل هولندا وسويسرا تقديم الدعم بعد ضجة اختلقها الأمريكيون و«الإسرائيليون» حول فساد في الوكالة، وتبين أنه أمر مبالغ فيه، ولا يتعدى سوء إدارة في توظيف بعض الأشخاص.
ولعل رد مجلس النواب الأمريكي على إدارة ترامب بتأييد قيام دولة فلسطينية كان كافياً لتأكيد أن هناك معارضة خاصة ديمقراطية، ومن بعض الجمهوريين لسياسة ترامب المتطابقة مع الاحتلال «الإسرائيلي»، ومنها ضم الجولان، واعتبار المستوطنات شرعية، وتأييد قانون القومية اليهودية العنصري، وإقرار ترامب لبرنامج محاربة حملة المقاطعة الدولية الأكاديمية ل «إسرائيل» في الجامعات الإمريكية، باعتبار معارضة السياسة «الإسرائيلية» مثل معاداة السامية، وإسقاط عبارة «محتلة» عند الإشارة إلى الأراضي المحتلة. وأخيراً وفقاً، لما صرح به كوشنر صهر ترامب، فإن القيادة الفلسطينية إذا وافقت على الصفقة، فهي قيادة واقعية ومؤهلة للحكم، أما إذا عارضت، فهي قيادة فاسدة وغير مؤهلة، ويجب تغييرها، أي إسقاط منظمة التحرير.
وكان مجلس النواب رد على طلب ترامب بتخصيص 175 مليون دولار للترويج ل «صفقة القرن» برفض التخصيص، بل أقر 150 مليون دولار لدعم الفلسطينيين. وكانت إدارة ترامب أوقفت مساعداتها للفلسطينيين البالغة 844 مليون دولار سنوياً، وكانت وكالة التنمية الأمريكية تتولى صرفها مباشرة على شكل مشاريع تشرف عليها.
كما أن تصريحات الوزير الأمريكي بومبيو حول الاستيطان واعتبار المستوطنات شرعية، وليست عقبة في طريق السلام استفزت مجلس النواب الذي سارع إلى إصدار قرار بالتمسك بمبدأ حل الدولتين.
بعكس الانتخابات الأمريكية السابقة التي فاز فيها ترامب، واتسمت بالتسابق بين المرشحين لكسب ود الاحتلال «الإسرائيلي» ظهرت أصوات حالياً في المعسكر الديمقراطي تطالب بموقف منصف تجاه الفلسطينيين، كما طالب المرشح بيرني ساندرز في مناظرته مع المرشح المنافس عن الحزب الديمقراطي جو بايدن.
قرار الجنائية الدولية هو انتصار على السياسة الأمريكية التي دأبت على اتخاذ سياسة معادية للفلسطينيين وشريكة للاحتلال على الرغم من أن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الدولية، وسبق أن هددت بفرض عقوبات على المحكمة الدولية إذا حاكمت أمريكيين متهمين بارتكاب جرائم حرب في حروبها المتواصلة في أفغانستان وسوريا والعراق.
حافظ البرغوثي