الدروع الصوتية أسلحة ردع للشغب

يستخدمها العسكريون وقوات الشرطة
13:48 مساء
قراءة 8 دقائق

يلجأ العسكريون ورجال الشرطة إلى استخدام أدوات تمكنهم من إضعاف المجرم أو العدو أو تفريق المظاهرات، ومن هذه الأدوات ما يسمى بالدروع الصوتية التي تمنع الشخص من التنفس، هذه الآلية يستخدمها الكيان الصهيوني كثيراً في غزة والضفة الغربية، وتستخدمها الشرطة ورجال الأمن في كثير من أنحاء العالم، لردع حالات الشغب أو الاعتداءات مهما كان نوعها . في شهر سبتمبر/ أيلول ،2005 دوى صوت هائل فوق منازل أهل قطاع غزة، وبعد لحظات سمع هدير طائرة معادية يبتعد عن المكان بعد أن ألقت قنبلة صوتية أدت إلى تكسير الواجهات الزجاجية واهتزاز جدران المنازل .

ولا شك في أن جيش الكيان لا يتوقف عن لعبة تجاوز جدار الصوت التي تجعل سكان القطاع يشعرون بآلام مبرحة في آذانهم ومن ثم التعرض لنزف من أنوفهم وكذلك ظهور نوبات عصبية مفاجئة على البعض، والشعور بالأرق الشديد، بخاصة أن الطائرات تحلق على مدى أربعة أيام متتالية ولمدة 24 ساعة!

يهدف جيش الكيان إلى إشاعة الخوف والرعب بين السكان، وردعهم عن مساعدة ودعم الناشطين في غزة، من خلال سلاح صوتي قليل الفتك، فهو لا يقتل ولكنه يمكن أن يشل حركة الشخص أو يجرحه . ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة، فإن استمرار استخدام هذا النوع من الأسلحة الصوتية الرادعة، حتى العام ،2008 أدى إلى ظهور حالات صمم كثيرة بين الفلسطينيين . وبشكل عام يستخدم العسكريون منذ فترة طويلة القوة الفتاكة للصوت، لكنهم اهتموا أولاً بالقوة المهلكة للموجات ما دون الصوتية التي لا يتجاوز ترددها 20 هرتز ما يعني أنها موجات غير مسموعة بالنسبة للأذن البشرية . يذكر أن خبير الموجات الصوتية الفرنسي فلاديمير غافرو هو الذي اكتشف صدفة تأثير هذه الموجات في ستينات القرن الماضي، حين كان يتعرض لنوبات من الصداع الشديد فاعتقد أن الأعراض تظهر عليه بسبب المروحة الكبيرة الموجودة في العمارة المجاورة، وأمام هذه الحالة، شرع غافرو في اختراع سلاح يشبه جهاز الليزر، لكنه صوتي وقادر على إحداث ارتجاج في كل الأعضاء . والحقيقة أن الجيش الأمريكي منع غافرو من متابعة تطويره لهذا السلاح لأن الترددات الصوتية المنخفضة تنتشر على شكل دوائر وبالتالي يصعب توجيهها نحو هدف محدد .

وإذا كانت الأبحاث قد استمرت في هذا الشأن، فإن هدف العسكريين كان ينصب على إيجاد أسلحة قادرة على الاستفادة من حجم الصوت، ففي العام 2004 وأثناء محاصرة الفلوجة في العراق، قامت القوات الأمريكية بإخراج الثوار العراقيين من منطقتهم عن طريق بث موجات صوتية قوية على هيئة موسيقا صادرة عن أجهزة محمولة على كاميونات . وكانت هذه الموجات تصطدم بجدران المنازل وتسبب ألماً شديداً للسكان وأرقاً لا يحتمل، ولا شك أن هذا الخيار لا يأتي من فراغ، فالجيش الأمريكي كان يعتمد كثيراً على الصدمة النفسية، التي يولدها الصوت العالي الفتاك على الأفراد الذين يقاتلهم هنا وهناك، بل إن الجيش الأمريكي لجأ إلى الأطباء المتخصصين في هذا المجال، حيث كان هؤلاء يجبرون الأشخاص الذين وقعوا في قبضة الجيش الأمريكي على سماع أصوات عالية جداً كنوع من التخويف والردع، والحث على إطلاق الاعترافات القسرية، وفي العام 1957 اشتهر الطبيب دونالد كاميرون بإجبار نساء مرضى على الاستماع إلى رسائل صوتية سلبية التأثير على مدى 16 ساعة متواصلة، كالاستماع مثلاً إلى جملة #187;لم تتجرئي أبداً على مواجهة والدتك#171; ثم يتبعها برسالة صوتية إيجابية التأثير مثل #187;ستصبحين عما قريب حرة لكونك زوجة مثل الأخريات#171; . والحقيقة أن تأثير هذه الرسائل الصوتية المتواصلة في هؤلاء النسوة كان كبيراً جداً فقد لوحظ عليهن فقدان في الذاكرة وعدم القدرة على التحكم بالذات!

التعذيب بالصوت

بعد هذا النوع من التجارب، قامت السلطات العسكرية في كل من الأراضي المحتلة والصين والولايات المتحدة باستخدام تقنية الموجات الصوتية العالية كنوع من تعذيب السجناء، ولم تزل وحدة التعذيب الخاص بالموجات الصوتية في غوانتانامو مشهورة، حيث يستخدم الجلادون هناك أغنية المغنية البريطانية بريتني سبيرز #187;Baby one more time#171; مع الموسيقا الصاخبة ل #187;Emimem#171; المعروفة بامتلائها بصرخات مؤلمة لأطفال صغار، ومواء مستمر لقطط وضحكات هستيرية مزعجة، هذه التسجيلات تبث على السجناء على مدار اليوم، ولفترة تمتد لأسابيع بل لأشهر، وذلك لمنعهم من النوم ودفعهم لإطلاق الاعترافات رغماً عنهم!

ويقول الأطباء المتخصصون في هذا النوع من الأصوات الصاخبة: إن هذه الطريقة في التعذيب من خلال الصوت هي في غالب الأحيان ناجحة، لأن الصوت الصاخب يمنع المرء من التفكير، كما أن المحتوى المهين والمزعج للأغنية، يدفع السجناء الضعاف إلى الاعتراف بأي شيء، كي يتخلصوا من وطأة هذه الأصوات الفتاكة . ويشير هؤلاء إلى أنه إذا كان المرء يتعذب بالصوت في سجنه، من خلال موسيقا تبث عن طريق سماعات توضع على أذنيه رغماً عنه ولفترة طويلة، فإن الأجهزة الصوتية التي تبث في مناطق الصراع والتي تعرف اختصاراً ب #187;LRAD#171; أي أجهزة صوتية بعيدة المدى، تطلق موجات صوتية في اتجاه محدد جداً يصل بعدها إلى 3 كيلومترات تقريباً! ويصدر جهاز ال #187;LRAD#171; الذي اخترع أولاً لإبعاد القراصنة، موجات صوتية تبلغ قوتها 152 ديسيبل أي ما يعادل الموجات الصوتية التي تصدر عن طائرة عند الإقلاع، ولو كان هناك شخص يقف على مسافة 100 متر من هذه الموجات، لما استطاع تحملها ولفر منها سريعاً، أما إذا بلغت المسافة 5 أمتار فإن فرص احتفاظ هذا الشخص بسمعه ستكون ضئيلة للغاية وسيصاب بالصمم بكل تأكيد، ولقد استخدمت مثل هذه الأجهزة في قمع عدة مظاهرات كان آخرها المظاهرة ضد #187;G20#171; أو مجموعة العشرين في بيتسبرغ في العام 2009 .

فرنسا والقنابل الصوتية

وفي بلد مثل فرنسا لا تصرح السلطات الأمنية بخصوص امتلاكها لهذا النوع من الأجهزة الصوتية الفتاكة، بل ما تذكره هو امتلاكها لمكبرات صوت تصدر أصواتاً مزعجة كصرخات الأطفال المعكوسة وأصوات طائرة الهيلكوبتر أثناء تحليقها . وتصل قوة هذه الأصوات حسب السلطات الفرنسية إلى 140 ديسيبل، ولا تتحدث هذه السلطات عن أماكن وجود هذه الأجهزة ولا عن أماكن بثها لهذه الأصوات .

وفي المقابل، نجد أن أفراد الشرطة الفرنسية مسلحين بقنابل صوتية مصمة للآذان منذ العام 2004 . وتحتوي هذه القنابل على شحنة متفجرة تولد ضوءاً مبهراً وصوتاً مزعجاً جداً تبلغ قوته 160 ديسيبل من على مسافة 15 متراً، كما تطلق هذه القنابل قطعاً صغيرة من الكاوتشوك . ويؤدي استخدام هذه القنابل أثناء وقوعها في ما وراء الأطلنطي إلى تعريض أشخاص لأزمات قلبية، ولطنين في الأذنين في حين فقد أحد الأشخاص إحدى عينيه . وفي مدينة غرونوبل الفرنسية، فقدت إحدى النساء حاستي الشم والتذوق في العام 2007 خلال إحدى المظاهرات العامة من جراء سقوط إحدى القنابل الصوتية بالقرب منها، علاوة على تعرضها لجروح عدة في أنحاء الجسم إثر إصابتها بشظايا الكاوتشوك وما نتج عن صوت القنبلة من صدى قوي للغاية .

وإزاء هذا النوع من الحوادث، بدأ الخبراء والمحللون يتساءلون عن جدوى هذا النوع من الأسلحة، وعما إذا كانت بالفعل تقلل من معدلات الوفيات! خصوصاً أنهم لاحظوا منذ العام 1995 تزايد استخدام الأسلحة الرادعة، مثل الغازات المسيلة للدموع والمدافع المائية ذات الضغط العالي، والصادم الكهربائي الذي يشل حركة الأشخاص، وذلك نظراً لتزايد موجات الاحتجاجات الشعبية ضد حكوماتها لاسيما في المدن ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يصبح التمييز بين المكافح وغيره صعباً جداً، لذا يعتقد الباحثون في مجال الدفاع والأمن أن هدف إنتاج الأسلحة الرادعة هو توفير حلول وسط للتهديد من الدرجة المتوسطة، فهذه الأسلحة تخلق حيزاً بين اللحظة التي تخفق فيها المساعي الدبلوماسية، وبين اللحظة التي تقرر فيها السلطات الأمنية اللجوء إلى استخدام القوة القاتلة التقليدية على حد قول لوك مامباي المدير المساعد لمجموعة #187;Grip#171; المتخصصة في البحث عن الحلول السلمية والآمنة في المواجهات بين الشرطة والشعب، ويعتقد مامباي أن الحلول الوسط تمكن السلطات من مغايرة استخدامها للقوة والعنف في مواجهة الاحتجاجات، ولكن في نهاية المطاف، تؤدي هذه الحلول إلى إضعاف أو كبح الشخص المشاغب، من أجل توفير الأسلحة التقليدية لأمور أخطر ولكي تكون أكثر فعالية .

أسلحة تحت الرقابة

وربما يتساءل البعض عما إذا كانت الأسلحة المستخدمة في الردع تقع تحت رقابة السلطات، أو أنها خارجة عن هذا الإطار؟ في هذا الصدد يقول أحد الخبراء العاملين في الإدارة العامة للتسليح في فرنسا: إن الضمانات كبيرة وإن استخدام مثل هذه الأسلحة مراقب بشكل جيد من قبل وزارة الدفاع الفرنسية لمنع الاستخدام السيئ والمفرط لهذا النوع من الأسلحة الرادعة، حتى لا تتحول إلى أسلحة فتاكة أو قاتلة، ويشير إلى أن رجال الشرطة يقفون منها موقف الخائف، ويحذرون كثيراً من استخدامها، لأن القنابل الصوتية بدت أكثر من ضارة في بعض الأحيان، بخاصة أن استخدامها يعتمد على الاختلافات الفردية لكل إنسان، وقدرته على التحكم في ذاته، أثناء المواجهات، سواء كانت مواجهات من نوع المعارك أم مجرد أحداث عنف محدودة، ويضيف لوك مامباي: إن نوعية الحدث تجعل بعض رجال الأمن يذهبون بعيداً في تصرفاتهم، بحجة أن الصدمة الكهربية المنبعثة من سلاح كهربي، أو تلك الصادرة عن قنبلة صوتية تسبب الصمم، لن تقتل المشاغبين .

ويشدد الخبير مامباي على ضرورة الحذر داخل السجون، فرجال الأمن والمحققون يقللون كثيراً من خطر هذه الأسلحة، وربما لا يعيرون ما يتعرض له السجناء من تعذيب، ولذا نجدهم يفرطون في استخدام الأسلحة الرادعة كالموسيقا الصاخبة جداً، لأنها لا تترك أي أثر واضح على السجين، بل ربما تكون أقل خطراً من الأسلحة الأخرى .

يذكر أنه في العام 2006 وعلى إثر الجدل الذي أثير حول المعاملة السيئة للسجناء في السجون الأمريكية، أقدمت السلطات الأمريكية على تعديل المادة 34 و50 في كتيبات الجيش الأمريكي الميدانية، التي تتعرض لطرق المساءلات والتحقيقات المسموح بها، والتي توصف عادة بالجائرة، لكنها أبقت على استخدام الموسيقا الصاخبة كنوع من التعذيب، أثناء التحقيق مع السجناء، وذلك انطلاقاً من فكرة تقول: إن تعريض السجين لسلسلة من الأصوات الصاخبة المستمرة لفترة ما، لا يؤثر في صحته، بل إن النتائج المتعلقة بهذا الأمر لم تزل محل دراسة وجدل خصوصاً أن صناعة الأسلحة الصوتية الرادعة تخضع لمراقبة أطباء متخصصين، كي تبقى الآثار الناتجة عن عملية الردع محدودة، وقابلة للاختفاء بعد فترة، هذا إذا كان الشخص الخاضع لهذه الأجهزة سليماً، ولكن كيف ستكون الحال لو كان مريضاً أو ضعيفاً من الناحية الصحية؟

في هذا الصدد، قامت إحدى الشركات الأمريكية باختراع دروع صوتية ضد حالات الشغب، قادرة على بث موجات صوتية منخفضة التردد لكنها تؤدي إلى صعوبات في عملية التنفس، عند الأشخاص الذين يتعرضون لها، ولما كان هذا النوع من الأجهزة لا يخضع لقوانين الأسلحة فلا توجد ضوابط واضحة، لذا من الممكن أن نجده يوماً ما يباع في المحال التجارية أو على النت، كما هي الحال بالنسبة لجهاز يسمى #187;Mosquito#171;، فهذا الجهاز يبث موجات صوتية تسبب الصمم يراوح ترددها بين 8000 و17000 هرتز، وأكثر الأشخاص المستهدفين من هذا الجهاز هم من تقل أعمارهم عن ال 25 عاماً لأنهم الأقدر على سماع الترددات المرتفعة . وفي بلد مثل فرنسا لا يوجد فيها قانون يمنع استخدام مثل هذا الجهاز، لكن تعرض بعض الأشخاص في منطقة سانت بريك إلى حالات من التقيؤ وطنين الأذن من جراء استخدام أحد الجيران لجهاز يصدر موجات فوق صوتية عالية جداً، قامت المحكمة بإصدار حكم يحظر بموجبه استخدام هذا الجهاز لأنه مضر بالصحة العامة .

وعلى ذلك نجد أن هذا الحكم الرمزي يدل على أهمية إعادة النظر في الأجهزة الصوتية المستخدمة كأسلحة رادعة لأن الإفراط في استخدامها لا يمكن إلا أن يحول تأثيراتها اللامرئية إلى تأثيرات ربما تكون أشد وضوحاً، أو ضرراً من الأدوات الأخرى المستخدمة في عمليات الردع مهما اختلف نوعها .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"