ربما كان الشاعر والباحث الراحل أحمد راشد ثاني، أحد أكثر باحثي الدولة نشاطاً وجهدا وغزارة ودقة في الثقافة الشعبية الخاصة في الإمارات، خاصة الثقافة الأدبية منها، وقد ترك رحمه الله نتاجاً متميزاً في كتب مطبوعة ومخطوطة عدة، والمطبوعة هي: ابن ظاهر . . بحث توثيقي في سيرته الشعبية، حكايات من الإمارات . . في أجزاء ثلاثة هي: حصاة الصبر، دردميس، وإلا جمل حمدان في الظل بارك، رحلة إلى الصير . أما المخطوطة فهي: بين المشافهة والكتابة . . حالة الإمارات، تحقيق وتعليق على كتاب الشعر الشعبي في دولة الإمارات لأحمد أمين المدني، ديوان محمد بن صالح المنتفقي(تحقيق) . وقد وافاه الأجل وهو في بداية مشروع كتاب أشترك معه في تأليفه هو ثقافة الطعام في دولة الإمارات وسوف أكمله بإذن الله عز وجل، وهذه الكتب تدل على تنوعه في اهتماماته بما يخص الثقافة الشعبية، من خلال محاور ثلاثة أساسية هي: توثيق الثقافة الشعبية، وتوثيق الشعر الشعبي وتحقيقه، وتوثيق الحكاية الشعبية .
كان توثيق الثقافة الشعبية مطلباً ملحاً عند أحمد راشد ثاني، كون هذا التوثيق تمهيداً لدراسات أخرى تتعلق بالشعر الشعبي، ويعد كتابه المخطوط بين المشافهة والكتابة . . حالة الإمارات أكثر هذه الكتب التي عنيت بالثقافة الشعبية المباشرة وارتباطها بجوانب أخرى كالشعر الشعبي، وهذا الكتاب في الأصل دراسات عدة نشر أكثرها في الصحف المحلية، وقد شغلته فيه قضية ثقافية مهمة حاول أن يسلط كثيراً من الضوء عليها باعتبارها طريقاً ممهداً لفهم مراحل كتابة مخطوطات تراث الإمارات وشخصيات أعلام الكتابة فيه، كان انتقال الحالة الثقافية للمجتمع من مرحلة الشفاهية والحفظ والرواية إلى مرحلة التدوين، خاصة مخطوطات الشعر الشعبي، باعثاً على أن يتناولها في فصول خمسة شملها هذا الكتاب المهم، فيذكر أنه إذا كان المرء لا يعرف إلا ما يمكنه تذكّره فإن المتعلم في المجتمعات المعاصرة يدرس معرفةً قد تم جمعها وتدوينها له بصورة مكتوبة، وهو لكي يتذكر أو يعرف أكثر، ما عليه إلا العودة إلى تلك النصوص، وإذا ما كان هذا الحال في المجتمعات الكتابية، فكيف كانت المجتمعات الشفاهية التي لا تعرف الكتابة إطلاقاً أو تلك التي لم يترسخ فيها الوعي الكتابي؟ (بين المشافهة والكتابة . . حالة الإمارات ص5) .
كان هذا مدخلا لأن يتناول أحمد راشد ثاني مصطلح الرمسة بين الشاعر والراوي والمنشد، باعتبار هذا المصطلح هو الأساس الذي تقوم عليه حركة المشافهة المتنقلة بالرواية من فم إلى فم، سواء أكان هذا الشخص راوياً عادياً أم شاعراً أم شخصاً مهتماً بالشعر، فالرمسة في اللهجة الشعبية هي جلسة التحدث والكلام ومن معانيها بالفصحى: الصوت المخفي، إن الرامس أو الرماس أو الراوي أو المؤدي يشكل مع الشاعر حلقة متصلة، فالشاعر يتعلم إن صح القول فنون الشعر ويتلقى قصائد من سبقوه من الرامسين الرواة الذي ينضم إلى حلقاتهم منذ الصغر، كما هو الحال مع المطوع والشاعر أحمد بن هاشل، من رأس الخيمة الذي كان والده صاحب مجلس كبير يجتمع فيه الشعراء ويتنافسون في سرد القصيد (بين المشافهة والكتابة ص8) .
يعدد أحمد راشد بعضاً من نماذج هذه الرمسة التي تتنوع شعراً ونثراً، فمنها ما يذكر أنه لم تخل الأعراس أو حفلات الزفاف من شاعر أو راوٍ يمتعون الناس بقصائد المديح والغزل والهزل اللطيف، وفي أماكن أخرى مثل المجالس الشعبية المسائية وسفن الغوص والمحاورات الشعرية بين الشعراء قديماً، هذا بالنسبة إلى الرمسة الملقاة شعراً أو نثراً، أما الرمسة المغناة فهي إلقاء الشعر على آلة الربابة في أكثر حالاته، كالونة والردح والتغرودة، وكذلك الرمسة في الغناء والرقص الشعبي الإيقاعي وغير الإيقاعي كالعيالة والرزفة والدان والميدان .
كما عني أحمد راشد ثاني بمصطلح السالفة وهي القصة تسرد على المستمعين، وتعني الحكاية، وتعني أيضاً الفعل الذميم أو الحسن، وتعني أيضاً القاضي أو الحكَم أو العارف بالعادات والأعراف، الذي يُحتكم إليه بالسالفة، والسالفة أيضاً قاضي أعراف في البحر، وكذلك من لهم المرجعية في الرأي مثل عقيد القافلة في الأسفار، والسردال قائد رحلات سفن الغوص، ويتوسع أحمد راشد حول الأفلاج ومن يقوم بدور قاضي الأعراف فيها، ممن ينظمون أمور الفلج وتوزيع مياهه .
وتطرق أحمد راشد ثاني إلى المهن الكتابية التي تعد نقلة من عالم الشفاهية إلى عالم الكتابة في مراحله الأولى القليلة، فقد كان هذا المجتمع شفاهيا بامتداد العزلة القديمة فيه عن مراكز التدوين في العالم الإسلامي، وحين بدأ هذا المجتمع بالتعرف إلى الكتابة كان صنعةً يمارسها أصحاب المهن الذين يستأجرهم آخرون لكتابة خطاب أو وثيقة، ولقد مورست مهن عدة في بداية تعرف مجتمع الإمارات إلى القراءة والكتابة، ولعل من أول هذه المهن مهنة المطوع، فقد كان أساس العملية التعليمية بما يمثله كاتباً وخطيباً وقاضياً ومعلماً تلقى العلم عمن قبله من المطاوعة، وبدأ يعلمه لمن هم أصغر سنا إلى أن يصبحوا ذوي قدرة على تسيير الأمور العلمية والكتابية الخاصة بحياتهم، وتطرق أيضاً للحديث عن أجور المطاوعة وتفاوتها حسب الزمن والأوضاع والحالة والاقتصادية للعصر والمدينة والحالة المعيشية للناس، كما تحدث عن مهنة أخرى ارتبطت بالكتابة وهي مهنة الكرّاني، وكان أكثر هؤلاء كُتاباً عند كبار التجار، وكذلك محترفو كتابة العرائض والشكاوى، ومن ينقلون الرسائل بين الأهل والمغتربين وقتذاك .
مثّلت بدايات الشعر الشعبي/النبطي في الإمارات هاجساً ملحاً لأحمد راشد ثاني للحديث عنه ومحاولة الوصول إلى بداية حقيقة، وكان كتابه المهم ابن ظاهر . . بحث في توثيقه وسيرته الشعبية، مدخلاً للحديث المستفيض عنها، لأن هذه البداية تعني صحة ما وردنا من قصائد نبطية تمثل رافداً لحركة الشعر الشعبي القديم في الإمارات .
انقسمت جهود أحمد راشد ثاني في حقل الشعر الشعبي إلى جوانب ثلاثة، الأول هو توثيق حياة الشعراء، ولعل أولهم هو الماجدي بن ظاهر، ثم الشاعر علي بن محين الشامسي، وشعراء آخرون مرتبطون بهذين الشاعرين الكبيرين تتناثر الآخبار عنهم في ثنايا بحوثه ومؤلفاته، الجانب الثاني تمثل في توثيق القصيدة النبطية ومحاولة إيجاد تاريخ مقارب لنشأتها، وتطورها إلى أن وصلت إلى هذا الوقت مكتملة الأداة والأسلوب واللغة والموسيقا، والجانب الثالث هو تحقيق الشعر الشعبي، تجلى ذلك في تحقيق نصوص شعر الماجدي بن ظاهر، التي قابل بين رواياتها المختلفة، المروية والمخطوطة والمطبوعة، مثمناً جهود من حفظوا هذه القصائد، ومن دونوها ونشروها، مع محاولة تحقيقها تحقيقاً علمياً حديثاً أشبه بتحقيق نصوص الشعر العربي القديم .
تطرق أحمد راشد ثاني إلى القصيدة الشفهية النبطية في الجزيرة العربية، ومنها قصيدة أبي حمزة العامري، كما ذكر أحد الأمراء الشعراء، قطن بن قطن الهلالي، مشيراً إلى قصيدة لابن ظاهر يذكر فيها اختفاء بني هلال وغروب شمسهم، بعد ذلك يظهر الماجدي بن ظاهر شاعراً كبيراً صاحب رؤية شعرية واسعة وأداة شعرية عالية الجودة، غطى على ما قبله من شعراء النبط الذين ربما لم يملكوا ما امتلكه ابن ظاهر من حكمة في القول وجمالية في النص، عدد أحمد راشد الروايات عن حياة ابن ظاهر، محاولاً الوصول إلى وقت حضوره على مسرح الأحداث، رابطاً ذلك بأحداث عاصرها وبشخصيات ذكرها في شعره، وأشار أحمد إلى أمر مهم ربما لم يلتفت إليه بعض من درسوا ابن ظاهر قبله وهو اللبس الذي وقعوا فيه من حيث التفريق بين ابن ظاهر كبطل لسيرة شعبية وبينه كشخصية تاريخية، وفي الحقيقة لم تُكتشف إلى الآن مصادر مكتوبة تحدد بشكل قاطع المرحلةَ التاريخية التي عاشها هذا الشاعر التأسيسي الكبير، إلا أن ثمة معطيات متناثرة هنا وهناك في قصائده أو في المرويات التأريخية عنه تجعلنا نحدد الفترة ما بين منتصف القرن السابع عشر والثامن عشر كفترة تاريخية عاش ابن ظاهر أغلب سنواتها (بين المشافهة والكتابة ص45) . كما تحدث أيضاً عن ابنة ابن ظاهر، رغم قلة المصادر عنها .
ثاني الشعراء المهمين الذين تحدث عنهم أحمد راشد ثاني هو الشاعر علي بن محين الشامسي، الذي لا نعرف عنه شيئاً إلا من مصادر ثلاثة مخطوطة، والمعلومات عن حياته ضئيلة جداً ومصدرها حمد أبو شهاب، في كتابه تراثنا من الشعر الشعبي، وقصائد الشامسي نفسها . وطرح أحمد أسئلة تتعلق بهذا الشاعر تحتاج إلى إجابات، اعتماداً على بعض قصائد الشامسي الذي كان مناصراً للدعوة الوهابية، ففيه إشارات إلى أمراء مثل تركي وفيصل، وأشخاص آخرين مثل أبو ثامر، لتبقى هذه الأسئلة بلا أجوبة، إلى حين ظهور معلومات جديدة، كذلك ارتباط الشاعر بجابر بن رحمة الجلاهمة، وبابن شرارة، وخلص أحمد راشد إلى أن هذه الأسئلة قد تمكننا مبدئياً من القول إن ابن محين الشامسي قد شهد أغلب النصف الأخير من القرن الثامن عشر وبعض العقود الأولى للقرن التاسع عشر الميلادي (بين المشافهة والكتابية ص89) .
بعد ذلك يأتي توثيق الشعر الشعبي عند أحمد راشد ثاني مكملاً لدراساته عن الشاعرين السابقين، ويعد كتابه ابن ظاهر . . بحث في توثيقه وسيرته الشعبية، في رأيي، نموذجاً رائداً للدراسة التوثيقية عن حياة الشاعر الشعبي وعن قصائده ومصادرها، وهو أيضاً النموذج الأمثل لتحقيق نصوص الشعر الشعبي القديم الذي وصل إلينا عن طريق الرواة أو المخطوطات .
يتسم منهج البحث العلمي التوثيقي عند أحمد راشد ثاني بسمات عدة، أولها غزارة المادة التي يجدها تخدم المادة المدونة محط الدراسة والتحقيق والتوثيق، من مطبوعة ومخطوطة، محاولاً الوصول إلى أكثر هذه المصادر في ما يخص الشعر المراد توثيقه، ومن مظاهر هذه الإحاطة استعراض الجهود السابقة في توثيق شعر ابن ظاهر، ومناقشة أوجه التقليد والتجديد والإضافة في هذه الدراسات، كذلك العناية بتوثيق الرواة الذين اعتمدت عليهم الدراسات السابقة، خاصة جهود حمد أبو شهاب الذي كان كتابه تراثنا من الشعر الشعبي مصدراً أولياً ومرجعاً أساسياً في نصوص الشعر الشعبي، وثانية هذه السمات تتمثل في الاستفادة من المعطيات التاريخية والنصية التي تلقي الضوء على تاريخ كتابة بعض القصائد ومصادرها وارتباطها بأعلام وأحداث واردة في النصوص، كذلك البحث في لغة النص والصورة والسمات الشعرية الواردة بشكل عام في القرون السابقة ما يعطي فكرة مقاربة عن النص ضمن معطيات عصره ووقت كتابته وطريقة الكتابة حسب الزمان والمكان اللذين وُجد فيهما كاتب النص، وقد رأى أحمد راشد ثاني أن الأمل في وجود مخطوطات أقدم أو أو مخطوطات أخرى تلي عقد الثلاثينات بقليل -زمن أقدم مخطوطات شعر ابن ظاهر- مازال موجوداً، وثمة من يتحدث عن وجود مخطوطات كهذه تخص أو تحتوي على أشعار لابن ظاهر (ابن ظاهر ص62) .
أما منهج أحمد راشد ثاني في تحقيق نصوص ابن ظاهر- باعتبارها دالة على منهجه العام في تحقيق نصوص القصيدة النبطية- فيمكن إجماله في ما يلي: يتخذ أحمد راشد من المنهج التكاملي منهجاً شاملاً للتحقيق، وهو منهج لا ينظر إلى القصيدة من منظور واحد بل من زوايا عديدة متصلة بالنص تاريخية ونصية ولغوية وغيرها، معتمداً على الروايات الشفاهية والمخطوطة والمطبوعة وما يحيط بالنص من أعلام وأحداث وأسماء أماكن وإشارات أخرى تخدم النص، يستعين أحمد راشد بأقربها للدقة ملائماً بينه وبين ما يراه مناسباً لأن يكون المعتمد في النص، فيختار الرواية الأقرب مع ذكر الروايات الأخرى الموجودة في حاشية النص، من دون أن يكون اعتماده على الرواية الأقدم فقط، بل بالأحدث أحياناً إن كانت أصوب تاريخاً وأضبط نصاً، مع ضبط النص وشرح غامض مفرداته وذكر أوجه الشرح الأخرى مع غيره ممن درسوا شعر ابن ظاهر أو حفظوه .
الجانب التوثيقي الثالث الذي عني به أحمد راشد ثاني هو الحكاية الشعبية، التي دونها في كتابه المهم حكايات من الإمارات في أجزائه الثلاثة، كان أساسها مجموعة من الحكايات التي جمعتها بعض طالبات الجامعة من بعض الجدات في خورفكان، وحكايات أخرى جمعتها طالبات جامعيات أيضاً من مختلف أرجاء الدولة، اهتم أحمد بهذه الحكايات ضبطاً وشرحاً وتوثيقاً، بلغت في الجزء الأول حصاة الصبر خمس عشرة حكاية، وفي الجزء الثاني دردميس ثماني حكايات، وفي الجزء الثالث إلا جمل حمدان في الظل بارك أربعاً وعشرين حكاية .
أضاف المحقق أيضاً بعض الملاحق على أجزاء الكتاب الثلاثة، وهي تضم أيضاً حكايات مشابهة من مناطق أخرى في دولة الإمارات، كذلك بعض الحكايات المقاربة لها من أماكن مختلفة من الجزيرة العربية، وقد ارتبطت هذه الحكايات الواردة في الملاحق أيضاً بقصص ومرويات شعبية متوارثة منذ فترة بعيدة، خاصة ما سرده الراوي خلفان بن مفتاح، عمن تلقف منهم هذه الإشارات ممن سبقوه في خورفكان . يحوي هذا الكتاب كما كبيراً من المفردات اللغوية التي أتاحت شرحاً وافراً تفضل به جمعة القبيسي، مرجعاً كثير من الألفاظ إلى أصولها الفصيحة، وهو أمهر من يجيد ذلك بين باحثي دولة الإمارات لمعرفتي به عن قرب .
هذا الكتاب على أهميته أبقاه أحمد راشد نصاً محققاً، وقد وعد، رحمه الله، في المقدمة أن يصدر جزءاً رابعاً يضم دراسة نقدية توثيقية حول هذه الحكايات، إلا أن ذلك لم يتم .