السنة النبوية تفسير عملي لكتاب الله

"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"
13:03 مساء
قراءة 5 دقائق

يعتقد بعض الناس أنه يمكن الاعتماد على القرآن الكريم وحده في التعرف إلى الإسلام (أي من دون الرجوع إلى السنة النبوية) فيه خاصة أن الله سبحانه وتعالى يقول في وصف هذا الكتاب الحكيم: ما فرطنا في الكتاب من شيء . فهل ما يعتقده هؤلاء صحيح من الناحية العملية؟ وهل احتوى القرآن الكريم على كل الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات وغيرها مما يحتاج إليه المسلم رجلاً كان أو امرأة لكي ينظم حياته على منهج الله؟

يقول الدكتور محمد الأحمدي أبو النور أستاذ السنة النبوية ووزير الأوقاف المصري الأسبق: القرآن الكريم هو الدستور الشامل للمسلمين، لكن السنة النبوية هي المنهاج التفصيلي لحياة المسلم، وهي تفسر ما أوجزه القرآن، وتحتوي على أحكام وشروح تفصيلية لا يمكن للمسلم أن يستغني عنها، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين للقرآن، والمجسد للإسلام، بقوله وعمله، وسيرته كلها، ومن واجب المسلمين أن يعرفوا هذا المنهاج النبوي المفصل، وأن يلتزموا بما فيه، وأن يتخذوا من أقوال الرسول وأفعاله الأسوة الحسنة في حياتهم كلها كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً وقال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .

المعجزة الكبرى

الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي يجيب هو الآخر عن هذا السؤال المهم ويقول: القرآن الكريم هو الآية العظمى والمعجزة الكبرى لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الكتاب المحفوظ الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول المقطوع بثبوته من أوله إلى آخره، وتأتي السنة النبوية مصدراً تالياً للقرآن، مبيناً له، كما قال تعالى لرسوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فالرسول هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره .

وبهذا نعلم أن السنة هي التفسير العملي للقرآن، والتطبيق الواقعي والمثالي أيضاً للإسلام . وقد أدركت هذا المعنى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بفقهها وبصيرتها، ومعايشتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعبرت عن ذلك بعبارة مشرقة بليغة، حين سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن .

فمن أراد أن يعرف المنهج العملي للإسلام بخصائصه وأركانه، فليعرفه مفصلاً مجسداً في السنة النبوية . فكلمة السنة تعني: الطريق أو المنهج .

منهج متوازن

ويضيف: يتميز منهج السنة النبوية بالتوازن، فهو يوازن بين الروح والجسم، بين العقل والقلب، بين الدنيا والآخرة، بين المثال والواقع، بين النظر والعمل، بين الغيب والشهادة، بين الحرية والمسؤولية، بين الفردية والجماعية، بين الاتباع والابتداع . . فهو منهج وسط لأمة وسط . ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا لمح من بعض أصحابه جنوحاً إلى الإفراط أو التفريط، ردهم بقوة إلى الوسط، وحذرهم من مغبة الغلو والتقصير .

ولهذا أنكر على الثلاثة الذين سألوا عن عبادته صلى الله عليه وسلم فكأنهم وجدوا أنها لا تشبع نهمهم إلى التعبد، فعزم أحدهم أن يصوم الدهر فلا يفطر، والثاني أن يقوم الليل فلا يرقد، والثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج، وقال حين بلغه ما قالوه: أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني .

والسنة كذلك منهج واقعي لا يتعامل مع الناس على أنهم ملائكة، بل على أنهم بشر .

ولذلك حين ظن أحد الصحابة أنه نافق، لأن حالته في بيته تغيرت عن حالته في حضرة الرسول، وخرج يركض حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول نافق حنظلة، نافق حنظلة، وشرح للرسول هذا النفاق بأنه حين يكون معه يرق قلبه، وتدمع عينه، ويذكر ربه، ويستحضر الآخرة، كأنها رأي عينه، فإذا عاد إلى بيته داعب الأولاد، ولاعب الزوج، ونسي ما كان فيه . فقال الرسول الكريم: يا حنظلة، لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون فيها عندي، لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة .

وهكذا اعترف الرسول بأن الإنسان يشف ويصفو، ثم يغفل ويغفو، ولا حرج في ذلك إذا قسم وقته وحياته ما بين حظ نفسه وحق ربه، أو بين دنياه وآخرته .

ومن أجل هذا راعت السنة ضعف الإنسان، ووسعت في دائرة المباحات، وضيقت دائرة المحرمات، وأباحت له الضرورات عند وقوع المحظورات، بل راعت حاجات الإنسان فأباحت له بعض المحرمات عند الحاجة، كما رخص الرسول لاثنين من الصحابة بلبس الحرير عندما اشتكيا من مرض الحكة .

وراعت السنة واقع الإنسان وضعفه إذا سقط في المعصية، فلم تسد في وجهه باب التوبة، بل فتحته أمامه على مصراعيه، ليقرعه مستغفراً منيباً إلى ربه، كما في الحديث: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها .

وفي الحديث الآخر: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم .

وراعت السنة اختلاف أحوال الناس، والفروق بينهم، ولذا كان الرسول الكريم يجيب عن السؤال الواحد من أشخاص عدة بأجوبة متعددة، رعاية لاختلاف ظروفهم، فلا يعامل الشيخ معاملة الشاب، ولا يعامل الإنسان في حالة الضرورة معاملته في حالة السعة والاختيار .

كما راعى عليه الصلاة والسلام عادات الأقوام واختلافهم، ولذا أذن للحبشة بأن يلعبوا بحرابهم في مسجده في يوم عيد، وسمح لعائشة بأن تنظر إليهم من وراء منكبه، وكان يسرب إليها البنات يلعبن معها، مراعاة لصغر سنها .

يسر وسماحة

ومن خصائص السنة النبوية الشريفة أنها تتميز أيضاً باليسر والسهولة والسماحة، وهذا من ثمار واقعيتها .

ولذلك لم يوجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يحرج الناس في دينهم، أو يرهقهم في دنياهم، بل هو يقول عن نفسه: إنما أنا رحمة مهداة ويقول: إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً .

وحينما بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن أوصاهما بوصية موجزة جامعة: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا . ويقول معلماً لأمته: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا .

كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التنطع والغلو في الدين، ولهذا لم يشرع الرهبانية والتبتل وتحريم الطيبات ودعا إلى الاستمتاع بالحياة في اعتدال، وقال: إن الله جميل يحب الجمال، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

وشرع الرخص والتخفيفات في الطهارة والصلاة والصيام والحج، فشرع التيمم بدل الوضوء، وشرع القصر والجمع في السفر، وشرع الصلاة قاعداً ومضطجعاً وبالإيماء عند المرض، على قدر الاستطاعة، وشرع الفطر في صيام رمضان للمريض والمسافر والحبلى والمرضع .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"