قضية اللاجئين الفلسطينيين من القضايا الرئيسية في الصراع العربي الإسرائيلي، وكانت مع قضايا الحدود والقدس والسيادة من القضايا التي وافق المفاوض الفلسطيني على تأجيلها للمرحلة النهائية في اتفاق أوسلو . وكلنا يعلم ما حدث خلال السنوات التي تلت الاتفاق المشار إليه . وكيف أن إسرائيل عادت للحديث عن عدم وجود شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه، وكيف أنها تتبع وتنفذ إجراءات أحادية من قبيل الانسحاب من غزة، ثم حصاره وخنقه، ومنع الوقود، والكهرباء والأدوية عنه، كما أنها مستمرة في بناء الجدار العنصري العازل، والذي سيكون بمثابة الحدود بين الجانبين، والتي يتحدث مسؤولون إسرائيليون عن رسمها من جانب واحد خلال فترة زمنية محددة . ومؤخرا برز الحديث عن كون إسرائيل دولة لليهود فقط ما يهدد بترحيل الفلسطينيين الموجودون في الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948 .
من الواضح أن كل الإجراءات الإسرائيلية تخالف ما تم الاتفاق عليه، أضف إلى ذلك أنها باتت تمعن في إذلال الفلسطينيين، وتجويعهم، وقتلهم بدم بارد، لا تفرق في ذلك بين مقاومين ومدنيين، أو بين فصيل وآخر من الفصائل الفلسطينية .
وقد تمكنت إسرائيل من كسب أرضية جديدة على الساحة الدولية، حيث لم يعد التأييد الأمريكي وحده، والذي أكده الرئيس الأمريكي في جولته الأخيرة بالمنطقة، مدعيا أن لا خيار الا الطرح الأمريكي بعدما فشلت الأمم المتحدة في معالجتها . والطرح الأمريكي هو ما تريده إسرائيل، ومن ضمنه إسقاط حق العودة، والإقرار بيهودية إسرائيل، بل إنها إذا لم تحصل على تأييد مماثل لما تقوم به من قوى أخرى، فإنها على الأقل تضمن صمتها، كما أن القضية الفلسطينية على الرغم من كل تطوراتها المأساوية لم تعد تجد مكانا مناسبا لها في مجلس الأمن المفترض أنه معني بالسلم والأمن الدوليين . والواقع أن جزءاً من المسؤولية في كل ذلك يقع على العرب والفلسطينيين أنفسهم، الذين لم تكفهم كل هذه المحن فأضافوا محنة جديدة تتمثل في استباحة الفلسطيني لدم أخيه، والانقسام الداخلي .
إذا كان هذا هو الحال على المستوى الرسمي، والذي تقدم تبريرات مختلفة له منها طبيعة المرحلة، والهيمنة الأمريكية، وغير ذلك من الأمور . فان الحقائق الثابتة والموثقة تقول بعكس ذلك في الكثير من القضايا ومنها قضية اللاجئين، حيث إن هناك قرارات، ومواثيق دولية تقر حق العودة .
بطبيعة الحال فإن إسرائيل ترفض ذلك . في المقابل فان هناك جبهة مهمة ينبغي أن تقاوم كل هذا تتمثل في الباحثين والمفكرين العرب . لاسيما أن نفس الفئة على الطرف الآخر سواء في إسرائيل، أو في خارجها لا تتوقف عن مناقشة قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة ما بين الاعتبارات القانونية والسياسية . وتنتهي إلى أنه لن يكون هناك من حل لهذه القضية الا بما أسمته الواقعية السياسية، والتي ترفض منطق العودة . وتقدم حججها على هذا الصعيد، وتسعى لنشر هذه الدراسات على أوسع نطاق . بطبيعة الحال من حقهم أن يطرحوا ما يشاءون، ويفندوا طروحات غيرهم . كما أنه من حق باحثين آخرين أن يردوا عليهم ويفندوا أفكارهم . وهنا يأتي إسهام الباحثين العرب . والذي ينبغي أن يكون في الدوريات الأجنبية، وكذا في وسائل الإعلام في الخارج، فلا يكفى أن يكون ذلك الدور قاصرا على الداخل العربي .
والواقع أن هذا الموضوع الخاص باللاجئين، أو غيره من الموضوعات التي تخص العرب عند تناوله من قبل باحثين في الخارج إما أنه يأتي من قبل متخصصين في شؤون المنطقة بعيدا عن الاعتبارات السياسية والأيديولوجية والمصلحية التي تقف خلفها أطراف معينة، ومن ثم فإنه في إطار الرأي والرأي الآخر، والحجج والحجج المقابلة . وهنا يكون المعيار القواعد العلمية المتعارف عليها في الحكم على هذه الحجج والآراء . أو أنه يأتي من قبل أفراد أو مؤسسات هي على طول الخط مع الطرف الآخر، وتعلن عن ذلك من دون أية مواربة، ومستعدة لقلب الحقائق ليس فقط لتبرئة المعتدي، وإنما لإدانة ضحاياه .
من ذلك على سبيل المثال ما ينشر حول محتويات الكتب المدرسية في منطقة الشرق الأوسط، متضمنا مقارنة لمحتويات مناهج إسرائيل وبعض من الدول العربية، منتهيا الى أن المناهج الإسرائيلية تحض على التسامح، وتتعامل باحترام مع القيم والمبادئ الإسلامية، في حين تحرض مناهج الدول العربية على الكره . مثل هذه الدراسات والآراء تقف خلفها مؤسسات تتعمد قلب الحقائق، وإن ساقته في قالب علمي خطورتها أكبر نظرا لأنها تعمل على نشر هذه الأمور على أوسع نطاق، ولها ميزانيات ضخمة، مع أن الحقائق تؤكد عكس ذلك، فكل الكتب المدرسية الإسرائيلية حافلة بالمواد العنصرية التي تحرض على العرب والفلسطينيين .
من ثم فإن التصدي لها مسألة بالغة الأهمية سواء من المثقفين العرب داخل الوطن العربي أو خارجه، وهنا فإنه حتى الأفراد يمكنهم تقديم الكثير شرط أن تكون هناك الرغبة والإرادة، فما بالنا لو كانت هناك مؤسسات رسمية كانت أو غير رسمية .
الواقعية في التعامل مع الأمور مسألة مهمة، ولكن ليس بمعنى التخلي عن الحقوق وإلا أصبحت الواقعية استسلاما، وهذا ما تريده إسرائيل ومعها الولايات المتحدة، ويروج له منظروهم ومفكروهم، وهذا ليس من شأنه فقط وأد قضية اللاجئين وإنما تصفية القضية الفلسطينية بالطريقة التي تريدها إسرائيل، فالدولة المفترضة للفلسطينيين بلا سيادة، ولا تسيطر على الحدود، والقدس ليست قابلة للتقسيم، والمقاومة إرهاب .
مناصرو هذا المعنى للواقعية يتناسون كل الخبرات التاريخية السابقة، فلو أن الفيتناميين قاسوا الأمر بهذا الشكل لما قاوموا ولو ليوم واحد، فالواقعية تقتضي أن لا قبل لهم بقوة عظمى، كذلك الأمر بالنسبة للأفغان في مواجهة الاتحاد السوفييتي، والصينيون في مواجهة اليابانيين قبل الحرب العالمية الثانية، وغيرها من الأمثلة الكثير، وإذا رجعنا أكثر الى الماضي يمكن ضرب عشرات بل مئات الأمثلة . قد يقال إن التجارب المذكورة كان خلف كل منها قوى أكبر تدعمها، وهذا صحيح، ولكن قبل وجود هذه القوة لابد من الإيمان بقوة الحق، فالأطراف الأخرى غالبا ما تكون مساندتها لاعتبارات أبعد ما تكون عن الحق وإنما لاعتبارات خاصة بمصالحها في هذه الدولة أو تلك، أو نكاية في الطرف الآخر . ومن ثم فان هذا الدعم قد يتراجع ويتوارى بل وقد ينقلب الى تواطؤ إذا ما التقت مطالب ومصالح الأطراف الخارجية، ومثال الوفاق الودي بين فرنسا وبريطانيا أوائل القرن العشرين خير مثال على ذلك . أما أصحاب القضية فإنهم وحدهم من يستمرون في الذود عنها مهما طال الزمن .
وفي قضية اللاجئين الفلسطينيين خصوصا، والقضية الفلسطينية عموما فإن أصحابها ليسوا هم اللاجئون فقط ولا الفلسطينيون وحدهم وإنما كل العرب والمسلمين . تلك هي الواقعية التى يجب أن تعود للقضية الفلسطينية، واقعية تحمل المسؤوليات وليس الهروب منها . واقعية بناء القدرات الذاتية، وليس تضييعها، واقعية احترام الذات وليس مرمغتها .