عادي

قانون الأحزاب الجديد صفعة في وجه الديمقراطية الأردنية

01:51 صباحا
قراءة 4 دقائق

بعد مرور عام على إقراره يدخل قانون الاحزاب الأردني الجديد حيز التنفيذ منتصف شهر ابريل/نيسان، هذا القانون سيكون بلا شك أداة قاسية تحصد العديد من الاحزاب الأردنية، وتنفي عنها غطاء الشرعية بفضل العديد من الشروط التعجيزية التي طلب من الاحزاب أن تلبيها حتى تستطيع ان تصوب أوضاعها وفق نصوص القانون، ولعل تقديم عدد قليل من الاحزاب لطلب تعديل الأوضاع دليل أكيد على فشل الأغلبية الساحقة منها في القدرة على الاستمرار بما يتوافق ومتطلبات القانون، وسيطرح سريان قانون الاحزاب الأردني الجديد السؤال من جديد عن مستوى الإصلاح الذي استطاعت الدولة تحقيقه خلال السنوات الماضية، وعن جدية الحكومات المتعاقبة في إحداث التنمية السياسية وتفعيل الحراك السياسي في الوقت الذي تسير فيه بخطوات عملية عكس ما تصرح به .

القانون الجديد للاحزاب تم بناؤه على أساس تنمية الحياة الحزبية في بلد مازال مواطنوه يعزفون عن دخول الاحزاب استناداً لمورث خوف رتبته حقبات زمنية سابقة، فالأردن الذي شهد ولادة العديد من الاحزاب من مختلف التيارات السياسية منذ بداية تأسيس إمارة شرق الأردن في العشرينات من القرن الماضي، شهد انتكاسة في العمل الحزبي في العام 1957 الذي شهد حظراً للأحزاب، على الرغم من أن الدستور أقر الحق للأردنيين في تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، وتبع هذا الحظر مطاردات أمنية لأعضاء الأحزاب . هذا الموروث التاريخي لقمع الحزبيين بقي موجوداً كهاجس خوف لدى الغالبية من ابناء الشعب الأردني حتى بعد عودة الحياة السياسية في العام ،1989 وما رافق ذلك من عودة لظهور الأحزاب التي شرع لها بقانون صدر عام ،1992 هذا القانون الذي ضمن لخمسين أردنياً الحق في تشكيل حزب سياسي، والذي شهد بعدها ولادة العشرات من الأحزاب التي لم تستطع ان تجذب إلا القليل لعضويتها بسبب الخوف المتولد في نفوس الأردنيين من مغبة عقاب المتحزبين، وترديد الكثيرين لمقولة ما الشيء الذي سيمنع الحكومة من منع العمل الحزبي كما فعلت عام ،1957 لو شعرت بقوة هذه الأحزاب ومن ثم العودة للتنكيل بأعضاء الأحزاب .

هذا الواقع الذي ولّد حالة حزبية ضعيفة في الأردن بالتوازي مع ضعف عام في عملية التنمية السياسية، وصل مع ظهور قانون الأحزاب الجديد الى مرحلة تهديد بقاء العديد من الأحزاب، ذلك أن القانون الجديد اشترط ألا يقل عدد اعضاء الحزب عن خمسمائة عضو، وأن يكون الأعضاء من خمس محافظات على الأقل، بالإضافة الى العديد من الاشتراطات الإجرائية التي اعتبر الحزبيون أنها اشتراطات تعجيزية، هذا بالإضافة الى اتهامات كثيرة طالت الحكومة بأنها تهدف من وراء هذا القانون الى تحجيم العمل الحزبي، في المقابل يرى التيار الرسمي أنه من غير المعقول بقاء العديد من الأحزاب وهي لا تمثل إلا عدداً قليلاً من الشعب الأردني على وضعها القائم، وان الحكومة تهدف من وراء هذا القانون لتنمية العمل الحزبي وتنشيط الحياة السياسية حتى لا تبقى الأحزاب مجرد واجهات، بل تتحول الى تيارات ممثلة بصورة حقيقية للشارع الأردني، هذا الطرح يرد عليه معارضو قانون الأحزاب الجديد بالقول إن تنمية الحياة الحزبية تكون من خلال التنمية السياسية الشاملة، ويرون أنه من غير المناسب حديث الحكومات عن تنمية حزبية في ظل قوانين ناظمة للحياة السياسية لا تصب في خانة دفع المواطنين للتحزب، فقانون الانتخابات ينظر إليه بأنه يسهم في مباعدة الناس عن الحياة السياسية بشكل عام والعمل الحزبي بشكل خاص، فقانون الانتخابات القائم على قاعدة الصوت الواحد بصورة مشوهة، يكرس عند الناس الانحياز الى الطابع العشائري في اختيار المرشحين، ما يضعف الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب في الانتخابات، كما يرى المعارضون لقانون الأحزاب الجديد أنه لا يمكن ان تحدث هنالك تنمية في الحياة الحزبية من خلال الإجبار، فالأحزاب تنطلق الى الجماهير من خلال البرامج التي تطرحها، وهذه البرامج هي التي تجذب المزيد من الأعضاء لدخول الأحزاب، ولكن اشتراط وجود عدد كبير لترخيص حزب في بلد يحجم جل شعبه عن دخول الأحزاب هو بمثابة شهادة وفاة تمنحها الحكومة للعمل الحزبي على وجه الخصوص وللحياة السياسية على وجه العموم، ويثبت ان الحكومات إنما تريد مجموعة من الأحزاب لتكون واجهة تطل فيها على العالم الخارجي لتقول له انظر نحن نملك أحزاباً سياسية لها حرية الحركة .

قانون الأحزاب الأردني الجديد سيمسح من الوجود العديد من الأحزاب الأردنية، وسيشكل صفعة جديدة توجهها الحكومة لعملية التنمية السياسية وتعزيز النهج الديمقراطي، ويعيد فكرة حظر الأحزاب ولكن بصيغة قانونية هذه المرة، في بلد يرى العديد من ابنائه أن النخبة المسيطرة في الأردن التي تسمى بالليبراليين الجدد يسعى افرادها لإفراغ أي مضمون سياسي في عملية التحول الاجتماعي والاقتصادي التي يشهدها البلد، وأنهم في الوقت الذي يروجون فيه لقيم الحرية الاقتصادية كمدخل لحل العديد من مشاكل الأردن، يقفون بكل قوتهم في وجه أي تنمية حقيقية للحياة السياسية قد لا تصب في مصلحة بقائهم متصدرين لواجهات الأحداث في المستقبل .

alawneh11@hotmail .com

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"