قال الرئيس التونسي المنصف المرزوقي: إن الفرنسيين سجناء أفكار مشبعة حيال الإسلام، وهم في أغلب الأحوال الأقل فهماً للعالم العربي، وذلك رداً على بعض السياسيين والمفكرين الفرنسيين من بينهم وزير الخارجية الأسبق هوبير فدرين الذين أشاعوا صورة التوتر والإيغال في الاستبطان، وفي هذا كله لم يكونوا معبرين عن أنفسهم وحدهم بقدر ما كانوا يتجسدون نوازع عامة يسري تيارها العنيف في الأمة الفرنسية، وهي نوازع تمييزية عنصرية . وكان طبيعياً أن تتمخض هذه الآراء أيضاً عن دراسات وأبحاث أخرى عن الإسلام منها الدراسة التي أصدرتها الجمعية الفرنسية بعنوان الإسلام والغرب التي بيّنت أن صورة الإسلام في الغرب ما زالت تخضع لنفس النموذج التاريخي السلبي والتضخيمي للإسلام في الرؤية الغربية عموماً، فهي وإن لم تتسم بالعداوة المفرطة والمباشرة لكل ما هو إسلامي، فإنها تحمل في طياتها وبصورة غير واعية أحياناً مفاهيم وأفكاراً تحط من الإسلام، وتظهر العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر عالماً متخلفاً غير منتج . الأخطر في كتابات هؤلاء، كما يلاحظ أن أغلبية الباحثين والمختصين الغربيين يستعملون في أطروحاتهم عن الإسلام لغة إعلامية درامية تنطوي على شيء من الجور والتزييف أكثر منها علمية عقلانية . وينظر فريق منهم النظرة الضيقة من خلال تسليط الضوء على مرجعية راديكالية، ويرى أن الاستبداد بدأ منذ 14 قرناً؛ وهي نظرية تنطوي على مساحة زمنية تعني الإسلام وحده، فمؤدى هذا القول أن العصور الإسلامية طوال امتدادها لم يبصر فيها سوى ظلال سوداء من التخلف والتوحش، وتلك جرأة خطرة على هذا الدين القويم ومحاولة لتشويهه بعيداً القيم الأخلاقية والجمالية، وكأن المسلمين لا أخلاق لهم ومحرومون من نعمة الإحساس بالخير والجمال، وذلك من خلال الصور الذهنية التي سادت العصور الوسطى في ما يخص الإسلام والمسلمين، والتي كانت ذات طبيعة دينية إقصائية بحتة، فمقاربة الإسلام تمت في أغلب الأحيان بطريقة غلبت عليها العصبيات المشوهة التي تحمل في ثناياها إقصاء الآخر ونكرانه، وتخلق له صوراً تبسيطية هلامية تسهل عليها عملية إبعاده وإقصائه .
لقد تعرض الإسلام كدين لجميع أنواع التشويه والتشنيع وإلصاق التهم التي تخالف طبيعة الإسلام كدين يتسم بالشمولية والتسامح، بينما الغرب مارس الإقصاء واتسم باختصار الإسلام في مجموعة من السلبيات والنقائص، وعمل على تشويهه، وتعبئة العوام ضده مستغلاً جهلهم بالدين الإسلامي الذي أسس حضارة قامت على احترام العقل ودعت إلى التفكّر والتدبّر في الكون، وهو ما انعكس على الواقع الأوروبي نفسه في عصور الظلام، فدانت أوروبا بالفضل في نهضتها الحديثة للعلماء المسلمين في أوروبا في ذلك الوقت كابن رشد الفيلسوف، الطبيب، الفيزيائي صاحب المدرسة الرشدية في الفلسفة والفكر التي تتلمذ فيها الآلاف من مفكري وفلاسفة أوروبا في عصر نهضتها الحديث . فهل هذه العقلية تُتّهم بأنها ربيبة أمة قطاع الطرق، أمة تقدس الحرب؟ . . هذه الاتهامات الباطلة شكّلت نوعاً من العوائق السياسية والسيكولوجية الموروثة حالت دون التواصل مع الإسلام كواقع ثقافي يمكن دراسته من دون تأثير للعصبيات العقيدية، وقد جسد هذه العقلية الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عندما وصف المسلمين بأوصاف لا تليق بموقعه، وتبعه زعيم حزب الجبهة اليميني لوبن المتطرف، وكان ينصح الشعب الفرنسي بأنه إذا صادف مسلماً على الضفة الأولى من الشارع فليتركها له، ويَسِرْ هو على الضفة الأخرى من الطريق . أما المفكر الفرنسي أرنست رينان الذي تخلى عن أبسط القيم الأكاديمية التي يفرضها تخصصه، وراح يشبع الإسلام والمسلمين سباً وشتماً، فلم يكن يرى في الإسلام إلا السلسلة الأكثر ثقلاً . وفي محاضرة له عن نصيب الشعوب السامية من الحضارة، لخص الإسلام في هذه العبارات إن الإسلام هو التعصب، إنه إلغاء للمجتمع المدني .
أرأيتم إلى أي مدى وصلت العدمية وتفكيك الخطاب الإسلامي ذاته عندما يصل الأمر إلى مثل هذا الحد من تلك الكلمات الراديكالية؟ . . إنه من المؤلم حقاً أن نجد نخبةً من السياسيين والمفكرين الغربيين بهذه العقلية الإقصائية يروجون أطروحاتهم الفكرية المنغلقة عن المجتمع الإسلامي، ويتلونون حسب مصالحهم أو تبعاً لأحقاد دفينة يضمرونها من دون وجه حق ضد الشعوب العربية والإسلامية، ويحاولون تزيين هذه الأفكار من أجل أن يخدعوا بها أبناء الشعب العربي الذي عانى كثيراً من هذه الافتراءات والتقلبات الفكرية والسياسية التي لم تنتقص من الإسلام بقدر ما أساءت إلى قائليها . فبحسب بيان للفاتيكان فإن عدد المسلمين في العالم قد تجاوز ملياراً ومئتي مليون مسلم ومسلمة في العالم . وأقر الفاتيكان بأن الإسلام بات الديانة الأولى الأكثر انتشاراً في جميع أنحاء المعمورة، حيث إن 19 في المئة من سكان العالم مسلمون؛ ففي فرنسا وحدها يعتنق 40 ألف فرنسي سنوياً الإسلام حسب أرقام وزارة الداخلية الفرنسية الرسمية التي صدرت في بداية هذا العام .
على الأمة الإسلامية أن تستعيد ذاتها، وتعود إلى رسالة التسامح والخير والمحبة، لتسهم في بناء المجتمعات بالحق، وهداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله، وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الإنساني، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في مسالك الضمير، ونظافة في الشعور، واستقامة في السلوك، وتصحيح الصورة المشوهة عن العالمين الإسلامي والعربي .