الحرية بوصفها أساساً للوجود، وهي الشعور بالتناهي أمران لا ينفصلان، وهذا الشعور بالتناهي هو الذي يفتح العلو والتسامي، والثورة هي التي لا تقف عند الأسباب والأهداف السطحية بل تسعى إلى اكتشاف الأسباب العميقة، هي لا ترضى بالحلول المظهرية، بل تسعى إلى اكتشاف الحلول الجذرية التي تتسع لتحقيق أكبر قدر من ظواهر الحرية .
ثورة هذه القوى الشابة الصاعدة في تونس ومصر حدثت من أجل هذه الأهداف ولاسترداد الخير وميلاد إنسان جديد يعيش معنى الحياة ويستوعب الدوافع من أجل اصلاح شؤون الحياة، ولكن مع الأسف هذه الثورات السياسية والإيديولوجيا الشعبية التي حدثت في تونس ومصر وليبيا واليمن وفلسطين المحتلة عجزت أجهزة مراكز الأبحاث والدراسات العالمية وفرق إدارة الأزمات في تلك البلدان عن أن تتنبأ بحدوثها حيث إن جميع التقارير التي صدرت في بداية هذا العام لم تشر في تقاريرها السنوية إلى توقع حدوث هذه الثورات، بل ولم يولوا هذا الأمر عناية كافية ولم يتعمقوا في أبحاثهم ودراساتهم، فهم آمال هذه الشعوب وطموحاتها .
وقد قال يفجيني بريماكوف رئيس الحكومة الروسية الأسبق إن هذه التغييرات والأحداث كشفت فشل مراكز الأبحاث والدراسات الإستراتيجية العالمية في استقراء الأوضاع في المنطقة موضحاً أن ما يجرى يعود إلى عدم تقدير لعملية تصفية مخلفات حقبة الاستعمار التي لم تنته بعد في هذه البلدان، وكذلك إلى عدم إدراك أهمية استخدام أحدث أساليب وأدوات العصر في التواصل، وعزا الاحتجاجات إلى الفساد وسخط الشباب وتفشي البطالة في ما بينهم وشعورهم بالإحباط واليأس . وأشار إلى أن وحدة الشعارات جمعت بين توجهات الشعوب الثائرة، في حين بدأت الصحوة العربية في التشكل بثورة تونس ومن ثم مصر، واستمرت في طرح المفاجآت وموجات من المظاهرات والاحتجاجات .
في ظل غياب الديمقراطية بمعناها الشامل في الدول العربية حرمت الشعوب من التمتع بحقوقها المنصوص عليها في المواثيق الدولية، إذ كان كثير من الأنظمة العربية يعتمد على القمع وقوانين الطوارئ للبقاء والهيمنة على السلطة، لكن استقرار تلك الأنظمة سرعان ما تلاشى أمام إصرار الشعوب على التغيير بفعل الإرادة وحرية الضمير، لأن الإرادة هي جوهر وجود الإنسان ففيها يجد الإنسان في ذاته الإدراك الموضوعي والتحرر من القهر والقسر .
لقد أصبح مستقبل الديمقراطية في الدول العربية واضحاً، في مقابل الركود السياسي الذي ساد لعقود من الزمن، وأصبح تغيير ملامح دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أولوية رئيسة من خلال نشر القيم الديمقراطية والحرية في العالم العربي، لما لذلك من صلة بمصالح دول العالم والأمن العالمي، ويعد التأييد الشعبي دلالة على أن التغيير لم يعد بالإمكان تأخيره عقب استخدام التكنولوجيا للتواصل بين الأفراد من خلال المنتديات الاجتماعية وتحريك الجماهير ضد الأوضاع المتفاقمة، وهذا ما سيضطر الأنظمة الحاكمة إلى التعامل مع شعوبها على أسس من التمثيل السياسي والمشاركة الفاعلة .
ففي الأنظمة الديمقراطية يمتلك الشعب السيادة، حيث إن كلمة ديمقراطية تعني حكم الشعب، وتعتمد الحكومة على موافقته في ما يتعلق ببرامج المؤسسات وإجراءات صياغة القوانين مقابل التزام الشعب باحترام القوانين الصادرة، بحيث تكون متوافقة مع الحقوق المضمونة في دستور البلاد، ولا تخالف حقوق الإنسان الأساسية والقوانين الطبيعية . بينما في ظل الشمولية وغياب الديمقراطية الحقيقية، عانت الشعوب العربية التهميش لغياب موروث الديمقراطية من الدرجة العليا للإدراك التي يمكن فيها للمعرفة فهم مجموعة من الحقائق منها توسيع دائرة الذات والنزعة العقلية في مجال ممارسة الفكر والنظرة العامة في الحياة وأحوال الإنسان ووجوده، وما هو فيه من مواقف الوجود والماهية والإمكان والاختيار والحرية حتى يمكنه اكتساب الوعي والمعرفة اللازمين لرفع مستويات التنمية البشرية وإحداث تغيير في المسيرة وتحقيق التنمية والتقدم واستعادة مكانتها من حيث النمو والتقدم في عالم القرن ال21 .
التحول نحو الديمقراطية هو الفيصل الآن بين التقدم وتحقيق الذات والعيش بحرية وكرامة من خلال خلق الوعي الفكري الذي يفتح الأبواب أمام الشعوب العربية بحيث تستطيع أن تقيم النظريات السياسية حسب تصورها للإنسان وإمكاناته وحريته وحقوقه المنبثقة من طبيعته، وأن ترسم السياسة المثلى التي قوامها الحرية والعدالة والمساواة، التي تعني أن الإنسان وجد ذاته وإنسانيته، وأن تعيد الاعتبار إلى الإنسان على كل المستويات وبصيغة جديدة من الحياة من أجل المشاركة في صنع القرار السياسي والاجتماعي، والثورة ليست مسألة تغيير أشخاص وإنما انقلاب على الحكم السائد وحكومات الاستبداد والفساد والقمع والتعذيب . وهذا ما نجد نماذجه في مصر عندما تم تعديل الدستور ومراعاة مواده بحيث تقوم على التشريع الأخلاقي باسم المجتمع المدني الأخلاقي والقانوني، ويمكن هذا المجتمع الأخلاقي أن يقوم في جماعة سياسية، وتبعاً لذلك له هيئة متميزة جوهريا في شكل وتركيب المجتمع المدني القانوني، وبالحرية يتم الاختيار وبالماهية تتكون الأفعال الحرة التي يحقق بها الإنسان إمكاناته .
* كاتب من الإمارات