تفجيرات بوسطن وعبث المتطرفين

04:11 صباحا
قراءة 4 دقائق

حين تنتهك كل القوانين السماوية، والأعراف الدولية، والقيم التاريخية، والمبادئ الإنسانية من خلال ما يحدث في العالم من جرائم يندى لها جبين الإنسانية على يد طغمة متطرفة لا تعرف الله ولا الدين، ولا القيم، ولا الأخلاق، ولا الرحمة، ولا الضمير ولا حتى الشفقة بالأطفال، وتغيب عنها الفضيلة، وتأبى التناغم مع قوانين الحياة ونواميسها، يقع الصدام الذي يقود إلى الهلاك والدمار . خاصة إذا تمكن بعض هؤلاء من ضعاف النفوس والمرضى أن ينفذوا، ويتوغلوا في أطراف المجتمع، فينشروا فيه ضعفهم ومرضهم، ويرهبوا الأبرياء الآمنين المدنيين .

لقد كان أمراً طبيعياً، بل وإنسانياً، أن يهز العالم الانفجار الذي وقع في مدينة بوسطن الأمريكية التي كانت تشهد سباق الماراثون الذي أُقيم في 15 إبريل/نيسان 2013، ما أودى بحياة ثلاثة أشخاص، وجرح مئة وثمانين آخرين، كما أدّى إلى استنفار أمريكي لم نشهده منذ تفجيرات برجيّ التجارة بنيويورك عام 2001 . وقد أدت هذه الجهود-خلال ساعات معدودة- إلى تحديد منفذي الهجوم، وهما شقيقان مسلمان من أصل شيشاني؛ هما تاميران وجوهر تسارناييف . ويقيمان بصورة شرعية في الولايات المتحدة منذ مدة طويلة، وقد قتل المطلوب الأول تاميران، فيما لا تزال عملية التحقيق جارية مع المتهم الثاني لمعرفة ما إذا كان تصرفه مع أخيه تصرفاً فردياً، أم ثمة شركاء لهم، والتأكد من عدم وجود منظمة إرهابية إجرامية تقف خلفهما .

هذا الحدث أعاد إلى الأذهان ذكرى هجمات 11 سبتمبر المأساوية، وأعاد معها السؤال الجوهري وهو؛ لماذا يقوم المتطرفون- الإسلاميون- بهذه الجرائم اللا إنسانية؟ لماذا يقتلون الأبرياء في كل مكان بدم بارد؟ من أعطاهم شرعية هذا القتل؟

لم تكن الشيشان تطفو على سطح الأحداث، وتشكل طرفاً على الخريطة العالمية حتى انهيار الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، وانفرط عقده بعد استقلال العديد من الدول التي كانت منضوية تحت لوائه، وخفت القبضة الأمنية التي كان الاتحاد السوفييتي يشتهر بها- عن الجمهوريات المستقلة، وتنامت المخاوف لدى الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الأوروبي من أن تفرّط بعض هذه الجمهوريات في ما لديها من أسلحة مدمرة، لأي من المنظمات الإرهابية التي تسعى لامتلاك مثل هذه الأسلحة في حربها غير المعلنة مع الولايات المتحدة وحلفائها . وسرعان ما اشتعل الموقف في جمهورية الشيشان المطالبة بالاستقلال كسائر الجمهوريات المستقلة، وظهرت حركة انفصالية في منطقة الشيشان حملت صبغة إسلامية منذ عام 1991 بقيادة جوهر دوداييف الذي استغل الفوضى، معلناً الجهاد ضد الاحتلال الروسي لأراضي الشيشان، وتسببت تلك الفوضى في خروج مئات الآلاف من الروس والأوكرانيين وسواهم، ممن كانوا يعيشون ويعملون في الشيشان، ما دفع الحكومة الروسية إلى شن حرب واسعة عام 1994 للقضاء على هذه الحركة، لكن الحملة الروسية باءت بالفشل وتوقفت عام 1996 . وتأكد استقلال الشيشان الفعلي وليس الرسمي، وفي عام 1999 هجم لواء إسلامي من الشيشان على جمهورية داغستان المجاورة؛ مما أدى إلى اندلاع الحرب من جديد بين روسيا والشيشان، واستطاعت القوات الروسية اقتحام العاصمة غروزني، والقضاء على حركة التمرد، لكنها فشلت في اقتلاع جذور الإرهاب الذي ازداد أواره مع ظهور أجيال شيشانية جديدة مصرة أكثر على الاستقلال، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية في الشيشان .

وكانت الولايات المتحدة منذ البداية تناصر قضية الشيشان نكاية بالعدو القديم، ووريثته- روسيا-، والانفراد بقيادة العالم، لكنها لم تستطع التدخل علانية في الحرب الروسية على الشيشان، لأن روسيا قد تعتبر هذا بمثابة إعلان الحرب عليها، ما قد يؤدي لأمور قد لا تُحمد عقباها بين الطرفين . أقلها وقف التعاون الأمني بين البلدين خاصة في مجال التسلح النووي .

إن هذين الشابين- وسواهما ممن يعتنقون مثل هذه الأفكار- لا يحملان من الإسلام إلا ظاهره، فهما ينطلقان من أفكار موهومة عما يسمى الخلافة الإسلامية التي يحلمون بها، وقد صمّا آذانهما لقادتهما الذين رُزقوا قليلاً من العلم، وحرموا كثيراً من العقل والحكمة، فاستغلوا جهل هؤلاء العوام، معولين على عاطفتهم الجياشة تجاه دينهم، فأعلنوا الجهاد ضد الشرك متمثلاً في الولايات المتحدة وحلفائها . ولكن ما يُدمي القلب حقاً أن هذه الأفكار وجدت لها رواجاً في أوساط العديد من الشباب، خاصة ممن أوتوا حظاً قليلاً من العلم، وقد وجدت هذه الأفكار بيئات خصبة في دول عدة من العالم، بدءاً من الصين والفلبين مروراً بباكستان وأفغانستان، وصولاً إلى العراق وسوريا والصومال وإثيوبيا وليبيا ومالي وانتهاء بأوروبا وأمريكا .

هؤلاء الموتورون؛ إضافة إلى الضرر الذي يلحقونه بدينهم- الذي يجهلونه جهلاً تاماً- لا ينظرون إلى مصالح الشعوب التي ينتمون إليها، بل يعملون على تدميرها من خلال إثارة القلاقل داخلها، إضافة إلى إثارة غضب القِوى العظمى في العالم التي لن تصبر عليهم إلى ما لا نهاية، ومن يتأمل ما حدث لأفغانستان، وما لحقها من تدمير وخراب، إضافة إلى آلاف القتلى والمصابين، يدرك حجم الكارثة التي ألحقها أمثال هؤلاء ببلادهم وشعوبهم . فهل من مدكر؟

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"