كوارث مريعة تجتاح العالم العربي، وهي أكثر الحقب الضبابية قحطاً واضطراباً تعيشها أنظمة التخلف العاصية لسنّة الكون في عالم اليوم، ضرب عميق من الارتباك السياسي اللانهائي والضياع العسكري الشاسع، وتحركات استفزازية تنشر الرعب في الأرض، وتهديدات متنوعة تنذر بأن الأوطان العربية مقبلة على فجائع مرعبة لا يعلم إلا الله عواقبها المأساوية . وأخطر ما تواجهه البلدان العربية في هذه اللحظات الحرجة والدقيقة هي عصبية العنصر، وغياب الرُؤى الوطنية، والميل إلى العنف والترويع والضياع في كل مكان، وانتهاك الحقوق، ونشر الآلام، سواء بين الدول، أو بين الجماعات المتنازعة داخل المجتمع الواحد .
وليست أشكال الموت والأسى واليأس وطقوس الحزن في سوريا، سوى مثال من أوضح الأمثلة على هذه الحقيقة البشرية الفادحة . وكذلك ما حصل في ليبيا ويحصل في اليمن وغيرها من المجتمعات التي عانت إرهاب السلطة والتهديد والفزع والإرجاف . ولو قامت هيئة دولية بمراجعة الفظائع والجرائم والخسائر التي ألحقتها بعض الأنظمة بشعوبها، وبالأمة العربية خلال هذا العام - وما سبق من أعوام - لكانت الحصيلة مفزعة . ولم يكن ذلك ليحصل لو كانت هذه الأنظمة مقيّدة السلطة، وخاضعة للمراجعة والمحاسبة والتقويم، ولكن السلطة المطلقة أدت إلى كل هذه الفواجع والانتهاكات والمآسي والأضرار الماحقة، وكل ذلك حدث لأن فرداً أو عدة أفرادٍ من البشر، وثبوا إلى السلطة بالقوة، فأطلقوا لأنفسهم العنان، وراح الأتباع يستبيحون البلاد والعباد من دون حسيب أو رقيب من أجل الشر حين تمتص الأرض رحيق الأخوة، وتتحول ممارسات أفراد القبيلة ضد أفراد قبيلة أخرى بشاعة من بشاعات الممارسات البدائية، وتتلاشى الكرامة، ويختال الضمير في عنتريات تضخيم الشخصية الانفعالية، ويكون الرهان على بقايا داحس والغبراء التي مازال غبارها عالقاً في نسيج الحياة العربية السياسية والاجتماعية والثقافية .
حتى أصبح الآن في الأوطان العربية مئات آلاف القتلى الذين طوتهم المقابر الجماعية من دون أن يعرفهم أحد، أو يسمع بهم أحد، طواهم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان . يتساءل القتيل بأي ذنب قُتل؟ أبسبب رفضه للظلم؟ أم لأنه أبى الخنوع والذِلّة؟ تصمت الإنسانية والأخوة والأرحام، ويتكلم البارود بصوته العالي، فطالما كان البارود هو صوت المستبد، وهو السجن الذي يضم أباة الظلم والضيم . اليوم يتكلم الرصاص ليحصد كل الرؤوس الحرة والخانعة، الثائرة والساكتة، لم يميز بين الصغير الذي يصرخ جوعاً، وبين الكبير الذي ينتظره سوء المصير .
إن وقائع التاريخ تدل على أن الظلم المتجبّر لا يقف وحده، وإنما يستند إلى سلطة تمارس قهر الآخرين وتجمع حولها في كل زمان ومكان طوفاناً من البشر يتسابقون لإرضاء غرورها، والتقرّب إليها، وإثبات الولاء لها بتنفيذ أوامرها، وتحقيق رغباتها . ولا مانع من إذلال الناس وسحق آدميتهم، بل والمبادرة إلى ارتكاب الفظائع التي تُرضي غرور المستبدين بالسلطة .
إن ما جرى من شناعات وعمليات اغتصاب في ليبيا فظائع يندى لها الجبين، لا يقوم بها آدميون، وليتهم اكتفوا بهتك الأعراض، ويالها من جريمة يندى لها جبين الأحرار خجلاً! بل أضافوا إليها جريمة أخرى لا تقل عنها فظاعة، ألا وهي نشر صور وفيديوهات هذه الجرائم على مواقع الإنترنت، إضافة إلى تحول الوطن على اتساعه إلى مقبرة جماعية، وضاقت الأرض بأهلها فتم تشريد سبعمئة ألف أسرة ليبية، كل هذه الفظائع دفعت عدداً من المقاتلين إلى احتجاز الآلاف من المقاتلين الموالين للنظام السابق بطريقة غير قانونية وتعذيبهم، وفق تقارير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، بل ذهب تقرير المنظمة، إلى أن المقاتلين الموالين للمجلس الوطني الانتقالي ربما أعدموا العشرات من أنصار القذافي بعد أسرهم في سرت، وتشيع الهجمات الانتقامية في أجزاء أخرى من البلاد . والخوف الآن من أن تحصل انقسامات إقليمية وسياسية وطائفية في ليبيا تُخرج الأمور عن مسارها المرتجى، أو تعيد البلاد إلى دائرة العنف والانتقام . وتهدد العمليات الانتقامية المتبادلة أو حتى تلك المتوعدة من كتائب القذافي، والتي أصبحت الآن بلا قيادة حقيقية، أو معروفة بدقة، تهدد بمستقبل صعب للدولة، وخاصة في مجتمع قبلي يحمل أغلب أفراده السلاح، وبعد أن استُخدِم الإنسان المدني سلاحاً من أسلحة الحرب .
بعض الأفراد في ليبيا لم يلتزموا أية معايير أخلاقية أو مبادئ تتفق عليها جميع الأديان وجميع الفلسفات بأن كل كائن بشري ينبغي أن يعامل بشكل إنساني، وكل إنسان ينبغي أن يعامل الآخرين كما يجب أن يعامل هو ذاته، وهذا المبدأ موجود في جميع التراثات الدينية والأخلاقية الكبرى للبشرية، أبرزها احترام الإنسان، والعمل على تخفيف آلامه ومعاناته، وحتى أبسط حقوق الموتى، فلا يتم تشريح الجثث حتى يتم التعرف إليها، خاصة أولئك الذين لقوا حتفهم في السجون، أو قتلوا أثناء المعارك .
تؤكد حقائق الواقع أن ارتكاب تلك الفظاعات يعود في جزء كبير منه إلى أن منفذي المظالم يعتقدون أنه لا لوم عليهم، لأنهم ليسوا أكثر من منفذين لأوامر غيرهم . إن علم النفس لم يترك هذه المسألة الكبرى دون كشف لأسبابها، فهذه الجِبلّة التبريرية في الطبيعة البشرية قد تسببت على مر العصور بفظائع لا حصر لها، وجلبت على الإنسانية من الشرور والمظالم وأنواع القهر والبؤس ما يفوق قدرة الخيال . ويزخر تاريخ الإنسانية بهذه النماذج، ويصرخ بها الواقع المعاصر في كثير من أصقاع الأرض، لذلك اهتم علماء النفس بهذه الظاهرة البشرية، وأجروا التجارب الدقيقة لقياس انتشارها، فجاءت النتائج مفزعة، تدل على أن المستبد لا يجد صعوبة في حشد الناس لتنفيذ ما يهواه مهما بلغ من الجور والشناعة .
* كاتب من الإمارات