كوريا الشمالية ومعادلة القوة العالمية

05:34 صباحا
قراءة 4 دقائق

بعد أسابيع من الاستفزازات من قبل كوريا الشمالية والردود العلنية الحازمة من جانب الولايات المتحدة، أعلنت كوريا الشمالية عزمها إجراء مناورات عسكرية على شاطئ البحر الأصفر هذا الأسبوع، وقد تطلق صاروخاً قصير المدى بعد يوم من بدء المناورات، من دون الاكتراث بتصريحات رئيسة كوريا الجنوبية بارك كون هيه التي وجهت جيش بلادها بتنحية أية اعتبارات سياسية، والرد بقوة في حال قيام كوريا الشمالية باستفزازت عسكرية، مشيرة إلى أن السبب في وجود الجيش هو حماية البلاد والشعب من التهديدات .

وكانت كوريا الشمالية قد أعلنت أنها دخلت في حالة حرب مع كوريا الجنوبية، وأنها ستتعامل بالتالي مع كل القضايا المتصلة بالجنوب وفق القواعد المتبعة في زمن الحرب، وأن وضع اللاحرب واللاسلم المستمر منذ زمن في شبه الجزيرة الكورية قد انتهى أخيراً . وأكد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أنه في حالة قيام الأمريكيين بعمل استفزازي، فإن القوات الكورية الشمالية ستضرب بلا شفقة البر الأمريكي والقواعد العسكرية في المحيط الهادي بما في ذلك هاواي وغوام وكوريا الجنوبية .

ومن جهة أخرى أكد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الولايات المتحدة واليابان ملتزمتان بالقيام بتحركات قوية: حيال كوريا الشمالية بعد تجربتها النووية الثالثة التي تمثل عملاً استفزازياً، وخاصة بعد إطلاق بيونغ يانغ لصاروخ طويل المدى، حمل قمراً اصطناعياً إلى الفضاء . واستطاع الصاروخ أن يقطع المسافة إلى الفضاء وأن يضع القمر الاصطناعي في مداره المخصص له . وقد كشفت كوريا الجنوبية أن الصاروخ يستطيع أن يسير مسافة تصل إلى 11 ألف كيلومتر، وأن يحمل شحنة من المتفجرات تصل حتى 600 كيلوغرام، أي أن كوريا الشمالية بات بإمكانها استهداف الولايات المتحدة بسهولة كبيرة إذا ما فكرت في الاصطفاف إلى جانب كوريا الجنوبية في أية حرب محتملة قد تقع في شبه الجزيرة الكورية في المستقبل .

ويبدو أن المشهد في كوريا يتجه إلى التعقيد، فمنذ تكرس تقسيم الشعب الكوري بعد الحرب الكورية 1950 - 1953 بين القطبين العالميين آنذاك - الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة - ظل كل قسم من الكوريتين يسعى بجهده لضم القسم الآخر إليه، وفي كل لحظة من الزمن مرت على شبه الجزيرة الكورية، كان هناك خطر اندلاع حرب بين الدولتين، وعمل كل من الاتحاد السوفييتي السابق، والولايات المتحدة على تدعيم طرفي النزاع في كوريا، فقدم السوفييت التقنية العسكرية لبيونغ يانغ، وساعدوها على بناء قوة عسكرية ضخمة . كما عملت الولايات المتحدة الشيء نفسه مع سيؤول، إضافة إلى دعمها اقتصادياً، وجعلها ضمن الدول الصناعية الكبرى في العالم . لكن رغم كل ذلك، لاتزال كوريا الشمالية تمثل خطراً على جارتها الجنوبية، والسبب الأساسي في ذلك هو جهل المعسكر المعادي لحجم ما لديها من قوة، وما تمتلك من خطط وبرامج للمستقبل . إذ يصعب زرع الجواسيس في تلك الدولة، ولا مكان للصحافيين الأجانب، والعلاقات الاقتصادية فيها قائمة على أساس شيوعي في ملكية وسائل الإنتاج، حيث تتكفل الدولة التي تمثل القطاع العام بتقديم كل الخدمات للشعب، وبالتالي، أصبح الشعب والدولة كتلة واحدة لا يمكن فصم عراها .

وقد ظلت كوريا الشمالية أكثر من عشر سنوات تملك سلاحاً نووياً حتى كشفت هي نفسها ذلك العام ،2002 عندما قامت بأول تجربة نووية لها، ولم يؤثر سقوط الاتحاد السوفييتي كثيراً فيها، لأن الصين وقفت معها وعوضتها عن الخسائر التي تكبدتها بسبب فقدان الحليف السوفييتي . ولم تكن الصين غائبة عن الصراع في شبه الجزيرة الكورية، بل كانت، منذ البداية، حاضرة فيه، لأن كوريا كانت عبر التاريخ تابعة للإمبراطورية الصينية، وقد اضطرت الصين إلى التخلي عنها بعد خسارتها الحرب مع اليابان بين 1893 و،1895 حيث عملت اليابان على استعمارها بدءاً من عام ،1910 وخلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت الصين تكافح ضد العدوان الياباني الذي كان يهدد أراضيها، لكن بعد انتصار ماوتسي تونغ عام 1949 بشكل حاسم، وسيطرته على كامل البر الصيني، بات بإمكان الصين صد المعتدين من الخارج، ولما كانت اليابان قد أزيحت بخسارتها الحرب العالمية الثانية عام ،1945 فقد ظهر عدو جديد للصين هو الولايات المتحدة التي أصبحت تحتل أرضاً تعد امتداداً لبرها، وهي الجزء الجنوبي من كوريا - في ما بات يُعرف بكوريا الجنوبية - كما تحتل جزيرة تايوان الصينية، لكن الخطورة في الجانب التايواني تعد قليلة جداً مقارنة بتلك التي تمثلها كوريا الجنوبية، حيث توجد قاعدة عسكرية أمريكية فيها 39 ألف جندي بشكل دائم . وقد كان من الضروري أن تدعم الصين صمود كوريا الشمالية، ولهذا فتحت لها قلبها وعقلها وقدمت لها كل ما تحتاج إليه . وتواصل كوريا الشمالية تجاربها العسكرية في تحدٍ صارخ لجارتها الجنوبية ولحلفائها في المنطقة - الولايات المتحدة واليابان- .

ويبدو أن الصراع في شبه الجزيرة الكورية يمضي في طريقين لا ثالث لهما، فإما أن تتم التسوية بين الولايات المتحدة والصين، بحيث تسحب الولايات المتحدة قوتها العسكرية من كوريا الجنوبية، وتوقف عداءها ضد كوريا الشمالية، وترفع عنها العقوبات التي تفرضها عليها، وتعترف بها كدولة لها وجودها وكيانها، وإما أن تقع الحرب بين الكوريتين لتعيد إلى الأذهان حربهما العام ،1950 وأن تسعى كل دولة منهما إلى ضم الأخرى إليها بالقوة . وهذه الحرب - في حال وقوعها - لن تبقى الولايات المتحدة والصين في منأى عنها، ما قد يؤدي إلى حدوث صدام بين الدولتين قد يتحول إلى حرب عالمية كبرى . ويبدو أن خيار الحرب مستبعد حالياً، لكن لا يمكن أن تبقى حالة اللا حرب واللا سلم عنوان الواقع في شبه الجزيرة الكورية إلى ما لا نهاية .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"