جذور العنصرية والانتخابات في أوروبا

04:56 صباحا
قراءة 5 دقائق

منذ أكثر من عام والعالم يتابع التحولات الكبرى في أوروبا، وباهتمام، الانتخابات الرئاسية في فرنسا؛ والتي تؤذن بمرحلة جديدة في العديد من الدول الأوروبية- فرنسا أوروبا- المختبر الكبير والمستودع الأهم بشريا، وجغرافيا، وإمكانية وقدرات؛ وها هو ما يوحي به إلى اليوم ذلك المسار في خطاب تنصيب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، سابع رئيس للجمهورية الفرنسية، يوم الثلاثاء 16 من مايو/أيار الجاري بحضور رؤساء الطوائف الدينية، عندما أكد التزامه بالدفاع عن العلمانية، ومحاربة كل الممارسات التمييزية والعنصرية، وعزم فرنسا في عهده على الوقوف إلى جانب كل القوى الديمقراطية التي تدافع عن مبادئ حقوق الإنسان في العالم، بحيث تكون وفية لمهمتها العالمية كمدافعة عن حريات الشعوب، ومناصرة للمقهورين ومحافظة على كرامة المرأة . واعتبر كذلك هولاند أن من واجبه الأول هو أن يسعى ليعيش الفرنسيون معا مهما تكن أصولهم ومسالكهم حول القيم نفسها التي هي قيم الجمهورية . فرانسوا هولاند يشكل الوجه الآخر لفرنسا، حيث إنه الرئيس الفرنسي الأول الذي يدخل قصر الإيليزيه وهو غير متزوج، وهناك أزمة تنتظره الآن مع رفيقة دربه الصحفية فاليري تريرفيلر، حيث إنهما يعيشان معا منذ عام 2007 من دون زواج، وسوف يكون الموقف محرجا حين يزور الرئيس الجديد الفاتيكان والدول الإسلامية المحافظة . وينقسم الآن الشعب الفرنسي في هذه القضية إلى فريقين؛ فهناك جزء كبير من المحافظين الفرنسيين الذين يرفضون فكرة المرأة العشيقة، وهناك فريق آخر يرفض فكرة الزواج ويقبل العلاقات غير المشروعة وهو حق مشروع في فرنسا . ويمكن قراءة تحولات المزاج السياسي والاجتماعي الفرنسي الذي دفع بهولاند إلى كرسي الرئاسة، وذلك بعد أن أدرك الشعب الفرنسي بفطنته السياسية أن بلاده تحتاج إلى سياسات اليسار أكثر منها إلى سياسات اليمين؛ وبهذا وضع اليسار قدمه في حلبة السلطة، معلناً انتهاء حقبة سيطرة الجناح اليميني العنصري المتطرف في فرنسا وأوروبا- مع أن كتاب جان جاك روسو العقد الاجتماعي والسياسي يشكل مبادئ الحقوق السياسية والمدنية، وانعطافة نوعية في مسيرة الفكر السياسي الفرنسي؛ إذ بلور طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين مجموع القوى والإرادات التي تعيش في بقعة جغرافية واحدة وتشكل وطناً واحداً . فالمسألة المدنية هي عبارة عن تعاقد مجموع الإرادات في إطار الوطن أو الأمة، ورضاها عن صيغة توافقية لإدارة شؤون البلاد . وهي عملية تصنع عن طريق دينامية اجتماعية تتجه باستمرار صوب تمتين اللحمة الداخلية، وتوفير كل فرد من أفراد المجتمع إلى احترام مبادئ هذا التعاقد وحمايته . وقد لوحظ أن فرانسوا هولاند يريد تطبيق هذه الأفكار والقيم، وطرق معالجة المشاكل العالقة، واختار المصالحة على الخوف، والعيش المشترك على الخوف من الإسلام، بعد أن مارس اليمين المتطرف منهجية عنصرية متطرفة عدائية تنتقص حقوق الأقليات في المجتمعات الأوروبية، وبالأخص العنصريين الذين يمارسون العنصرية في سلوكهم وأفعالهم في فرنسا تجاه ذوي الأصول الأجنبية من العرب والأفارقة، وغيرهم من المهاجرين الذين يبلغ عددهم نحو خمسة ملايين مهاجر، حيث وقعت عدة حوادث العام الماضي- مثل محاولة إحراق مسجد كولومبيه في جنوب غرب فرنسا، وفي مقبرة نوتردام دو لوريت الوطنية تم تدنيس 148 قبرا لمسلمين شاركوا في الحرب العالمية الأولى . وآخر هذه الحوادث طعن مصلٍ بسكين من شخص مجهول، يوم الخميس الماضي، في مسجد باريس الكبير وإصابته بجروح .

العنصرية الأوروبية بغلافها الحديث لم تكن أكثر من ردة فعل الأكثرية الأوروبية على العنصرية اليهودية، فقد كان الفكر الأوروبي الذي هيمن عليه حكم الكنيسة الكاثوليكية -في الفترة من (320-1500م)- فكرا دينيا انصب على التمييز بين ما هو مسيحي، وما هو غير مسيحي، وعلى الرغم من الاستثنائية الدينية إلا أن اليهود، وهم العنصر غير الأوروبي الذي عاش في كنف هذا الفكر، قد تسنى لهم البقاء والاستمرارية، وامتصت الكنيسة كل ما هو روحاني عنصري، وجعلت من الفلسفة الروحانية فكرا يهيمن على العامل العنصري، لكن الفكر اليهودي كان معارضا لهذه الفلسفة، في بداية القرن التاسع عشر، وكان اليهود قبل ذلك قد برعوا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في التعليم والمهن الحرة، مما جعلهم متميزين في ميادين العلم والسياسة والاقتصاد والتجارة والاستثمار، وقادرين على شن حروب نظرية ضد المتعلمين والفلاسفة الأوروبيين، وعملت قياداتهم الفكرية بأقصى نشاطها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ لتعلن عن أهدافها القومية لتحقيق حلم الدولة اليهودية، وكان هذا الدرس الأول للمفكرين الألمان والفرنسيين وغيرهم ممن جاءوا بالنظرية العنصرية . وانقسم اليهود بين مُطالِب بالانصهار، وبين مُطالِب بالاندماج مع الحفاظ على الهوية اليهودية، وظل الخلاف قائما حتى هيّأ الأجواء لقيام الحركة الصهيونية السياسية، غير أن الدائرة دارت على اليهود من جهة الفكر العلماني الذي تطور في القرون الماضية؛ ليجد متنفسه في الحركة النازية في القرن العشرين، وأصبح أكثر ضررا على اليهود من الفكر الديني . ولم تكن نظرية فوقية العنصر الجرماني وليدة الفراغ؛ بل كانت ردة فعل على هيمنة الكنيسة الكاثوليكية التي جعلت العصبية الرومانية تستثير الحمية الجرمانية للنهوض، مستفيدة من التجربة اليهودية كأقلية عرقية، والتي مزجت ما بين فكرة الدين وفكرة العنصر، ولم تستطع ألمانيا التعبير عن ذاتها إلا من خلال الإدعاء بالفوقية، وتأسيس الدولة الألمانية القوية التي تقدر على إخضاع الشعوب الأوروبية الأخرى، تحت شعار الجنس الآري . وأدت الحرب العالمية الثانية، وما تعرض له اليهود مع أقليات أخرى إلى ارتفاع درجة تعاطف الدول الأوروبية مع اليهود والحركة الصهيونية، وقبيل ساعات من انتهاء الانتداب البريطاني أُعلن رسميا عن قيام دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار ،1948 وأصبح أي تعارض مع الأهداف اليهودية نوعا من العداء للسامية، ومن ثم غدت وصمة العنصرية سيفا مسلطا على رقاب المعادين لليهودية، أو المعترضين سبيل العمل الصهيوني، خاصة في المجتمع الثقافي الأوروبي .

ومما لاشك أنه يمكن للأديان السماوية في فرنسا أن تلعب دوراً كبيراً في ترسيخ مبادئ التعايش والسلام بين معتنقيها، وبخاصة أفراد الوطن الواحد الذين تجمعهم رابطة المواطنة؛ على الرغم من أن العامل الديني بقدر ما هو فعال في علاقات الوئام؛ فإنه في الوقت ذاته يلعب دوراً كبيراً في التشرذم، لا بسبب طبيعة القواعد الدينية السماوية؛ بل بسبب استخدام الدين لأغراض سياسية على وجه الخصوص، وعندئذ تكون عواقب استخدام هذا العامل أكثر ضراوة، وستكون النتيجة الحتمية المزيد من المآسي واللجج التشاؤمية المتجهمة، التي تعيد إلى الأذهان أسطورة سيزيفوس وصراعه مع صخرته، ذلك الصراع الذي يشي بعبثية جهود الإنسان في قضايا ليست من المرتكزات الأساسية، وينسى أهدافه الكبرى، ويعجز عن تحقيق الأهداف الاجتماعية، والصعود من عالم الضرورة إلى عالم الأخلاق الدينية العالية، والمسؤولية الحقّة تكون بالأفعال التي يكون المرء فيها مسؤولا أمام ضميره وأمام الله، وتندرج فيها النوايا، وفعل الإرادة وأخلاق العقل الكلي للكون .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"