معالم الصراع وعقيدة التدمير

05:49 صباحا
قراءة 4 دقائق

طبول الحرب لا تكف عن القرع، والجو السياسي العالمي يبدو ملوثاً بأدخنة الحرب وروائح البارود، وبؤر التأزم السياسي والعسكري تعصف بالأهواء والمصالح، وآليات تغييب الوعي تثير ضروب الالتباس في العلاقات السياسية، والأعراف الدبلوماسية بين الدول والمنظمات الكونية والمؤسسات المتعددة بسياق من التخاذل وتسويق الألم من أجل الموت . عندما يتوارى الحق بين الأمم في وميض الأزمنة المتربة، وتتصارع الأفعال مع الإرادة في حقبة العبث والانطباعات الكئيبة التي تعمل دون وعي، بغية السيطرة على مصيرها في عالم يبدو كل ما فيه بلا وعي يتجه إلى الخراب والتشتت نحو السقوط في هاوية الرؤى السوداء المحرقة .

يخطئ من يظن أن ما يجري الآن من حشد إعلامي وسياسي وعسكري ضد بعض الدول العربية هو لفرض مبادئ أخلاقية مثالية، أو فقط لشن حرب مدمرة صغيرة على الدول الخارجة على القانون، أو الدول الخارقة لمبدأ حقوق الإنسان، أو لغياب حق الحرية والاختيار، وغيرها من التصنيفات الغربية التي تقسم الدول إلى فئات تتطلب تدخلاً دولياً لإعادة ترتيب أوضاعها، إلا أنها تبقى أهدافاً صغيرة يمكن تحقيقها ضمناً في الطريق نحو الغايات الكبرى التي تسعى الحكومة الخفية لتحقيقها من خلال قوانين المادة، ثم تتلو ذلك قوانين الحياة وهي أكثر تعقيداً، ثم تأتي بعدها قوانين الإنسان التي تعدّ أشد خصوصية، وأكثر تعقيداً من قوانين الحياة . وعلى هذا النحو تتقدم نحو الاضطراب في الخلل التكويني للمعرفة الإنسانية المضطربة، وبذلك تنتشر مظاهر الخراب وتغيب النوعية من المواصفات السياسية الجديرة بالمسؤولية، في مقابل جميع القوى العالمية الأخرى .

ومن أجل تحقيق هذه الغاية فهي تعمل على أن تظل هذه المنطقة داخل دائرة التشويش والذعر والاضطراب، لتسهيل التدخل والوجود والنفوذ فيها نظراً لأهمية المنطقة، وما تملكه من مخزون الطاقة الأول في العالم، وبذلك تتحقق خريطة التقسيم الجديدة للدول العربية (السودان نموذجاً)، بحيث يتجاوز الصدام حدود الدول العربية إلى مرحلة استلاب إقليمية حيوية مهمة في المنطقة . ومن هنا أو هناك يصبح الخطر أعم وأشمل، ويكون الخراب والدمار والتفكك .

منذ سنوات نرى دولاً قد فُرض عليها القتال (العراق مثلاً)، وجرى تسريح الجيش الذي خلق فراغاً هائلاً أشعلته ميليشيات الطوائف وبعض الشخصيات التي دخلت في تحالفات مع دول إقليمية بولاءات مختلفة وتعاهدوا على أن يغيروا الجغرافية السكانية والمذهبية، وقد نجم عن هذه الحرب أزمات خانقة، وقتل، وتجويع، وترويع، وتمزيق العراق، ونهب لخيراته، وإحراق لثرواته وحضارته، وإشعال الفتن، وزرع الرعب والخوف، وشرعنة القتل، فصار الموت متربصاً في كل لحظة وفي كل زاوية، أشدها خطراً البطالة وانعدام التوازن، وتفاقم مشكلاتها الاقتصادية، إضافة إلى وجود الملايين من المنكوبين والمشردين .

الهوس المادي مخالبه لا تعرف اللمسة الحانية، وتسير في طريقها بلا هوادة غير عابئة بالخراب . ووقائع التاريخ وحقائق الواقع تؤكد أن الصدام حاصل، ويحصل باسم القضاء على الظلم وتحقيق المساواة، فالأسماء تتعدد، والعناوين تتلون، والذرائع تتشكل وفق إملاءات الأهواء، وما تقتضيه الظروف، وحسب متطلبات المواقف . وإذا عدنا نستقرئ التاريخ الأوروبي الأبعد نجد أن الحروب الأهلية الرومانية أدت إلى انشقاقات كبيرة، وأسفرت عن انقسامات دينية في العالم إلى اليوم، فسادت الأرثوذكسية في الشرق، وانتشرت الكاثوليكية في الغرب، في صراع استغرق القرن الرابع الميلادي بأكمله، وانتهت بتقسيم الإمبراطورية الرومانية . وأما الشرق الأوسط، فالكل يشهد ويعاني ما يجري فيه منذ غزاه الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت منذ قرنين من الزمان، فحوله إلى صيد ثمين، تتصارع عليه ذئاب الاستعمار الفرنسي، والبريطاني، والإيطالي، والبرتغالي، والروسي، والأمريكي وأخيراً الصهيوني . فالخريطة كما هي على أرض الواقع مخيفة، أثارت في الماضي حربين عالميتين، وكان شعارها المعلن أن الحرب هي أقرب الطرق إلى السلام، ولكن بعد هذه الحروب زادت الأمور خطورة وتعقيداً على الصعيدين الإنساني والأخلاقي، مع أن الدارس للتاريخ والمتأمل للأوضاع البشرية يتوصل إلى أن الثقافات لا تتصادم بحافز من داخلها، لأن القيم الإنسانية هي قيم مشتركة، فالبشر يؤمنون جميعاً بأنهم من آدم، وهم يتماثلون في تكوينهم الفطري ويؤمنون بالمعايير الأخلاقية التي تدعو إلى الخير والعدل، ولا تخلق الصدام بين الأمم، أما عوامل الصدام فهي عوامل عارضة يفتعلها الساسة، وأهل الأهواء والمصالح، ومن خلفهم الطامحون والطامعون الذين يدفعون المجتمعات المختلفة إلى التنافر الذي يصل مداه إلى إشعال الحروب حتى تروج البضائع المكدسة في المخازن، غير عابئين بالضحايا الأبرياء، ولا مهتمين بالدماء التي تسفك طالما تنبت هذه الدماء أرصدة تملأ البنوك، ومن خلفهم آلات إعلامية يضج صوتها بالكذب، ويتمدد كخيوط العنكبوت، ليكون قادراً على التهام خيوط الصدق الواهية وإذابتها في حوامض الحقد، يدعمها في الخفاء أبرز أساطين الأيديولوجية التسلطية المادية الرأسمالية الانتزاعية والاغتصابية، والتي تعمل على نسف التوازن الديمغرافي والجغرافي للأمم والشعوب .

السؤال: كيف يمكن التعامل مع هذه التطورات والصدامات السياسية؟ وكيف يمكن لدول المنطقة المهددة في ترابها ومصالحها بعد حدوث هذا الغليان أن تتقي هذا المصير؟ كيف تواجه هذا المكر بمكرٍ أشد؟ لاشك في أن العالم العربي أمام هذا التحدي مطالب بتأسيس بنيان قوي متماسك داخلياً وخارجياً، ويُحصَن هذا البناء بالعلم والمعرفة والحرية والكرامة، حتى يستطيع هذا البنيان أن يصمد أمام الرياح العاتية .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"