جي بي مورغان ينقذ أمريكا من الإفلاس عام 1893 ... (4)

23:30 مساء
قراءة 12 دقيقة

لم تكن الأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت أمريكا عام ،1873 وتبعها كساد طويل استمر 6 سنوات كاملة، هي الأزمة الوحيدة في القرن التاسع عشر، فما كادت الولايات المتحدة تفيق من تلك الأزمة وذلك الكساد وتسترد عافيتها، حتى ضربتها أزمة حادة أخرى عام ،1893 وتوالت الأزمات الاقتصادية بعد ذلك، ويمكن لأمريكا أن تحوز بجدارة على لقب بلد الأزمات الاقتصادية، ففي عام 1907 أصيب سوق الأسهم بانهيار مؤقت، وبعد الحرب العالمية الأولى، تحسن الاقتصاد الأمريكي، وشهدت الولايات المتحدة ازدهاراً اقتصادياً في فترة العشرينات، ولكن الاقتصاد الأمريكي كان على موعد مع أكبر ضربة شهدها اقتصاد في العالم وذلك عام ،1929 عندما انهار سوق الاسهم ودخلت الولايات المتحدة في كساد طويل ما زالت كتب الاقتصاد تذكره وتتحدث عن نتائجه الكبيرة، وقبل أن نتحدث عن أزمة ،1929 سنحاول أن نتعرف إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة أو أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى بداية الانهيار الاقتصادي في اكتوبر/تشرين الأول 1929 .

الكساد الاقتصادي في أمريكا عام 1893: ازدهرت الصناعة في الولايات المتحدة بعد خروجها من نفق الكساد الطويل الذي استمر من بداية أزمة عام 1873 لمدة 6 سنوات كاملة، ولم ينته إلا في عام ،1879 وشهدت فترة التسعينات من القرن التاسع عشر قدرات صناعية متقدمة، ولكن الفرحة لم تدم طويلاً، فقد كانت أمريكا على موعد جديد مع كساد آخر بدأ عام 1893 جلب مآسي اقتصادية أخرى للشعب الأمريكي، وكانت مقدمات الكساد قد بدأت عام ،1890 حيث إنه في ربيع ذلك العام، اعلنت شركة فيلادلفيا وريدنغ لخطوط الحديد، وشركة كوردج الوطنية أنهما معسرتان ماليا، وعم الهلع الوول ستريت، ودب الوباء سريعاً في جسم الاقتصاد، وفي نهاية ذلك العام، كانت 15 ألف شركة قد انتهت إلى الإفلاس، ومعها 491 مصرفاً، وتراجع الناتج القومي الاجمالي بنسبة 12% وارتفعت البطالة سريعاً من 3 في المائة في عام 1892إلى 18،4% بعد عامين، وفي منتصف تسعينات القرن التاسع عشر أصبح العاطلون عن العمل يعدون بالملايين، وتفشى الجوع في شوارع ما بات يعرف اليوم بضواحي الأحياء الفقيرة المتناثرة حول المدن الأمريكية، وكان السبب المباشر للكساد الجديد، كما كان الحال في معظم فترات الكساد السابقة، هو فرط التوسع الاقتصادي نتيجة افتقاد البلاد مصرفاً مركزياً يعمل مكابحه وقت الضرورة . (1)

وفي ابريل/نيسان ،1894 قامت مجموعة كبيرة تضم آلاف العاطلين عن العمل بتنظيم أنفسهم في ما أصبح يدعى بجيش كوكي، وخلال مسيرتهم التي بدأت من المسيسبي باتجاه الشرق، قاموا باجتياح المدن، والاستيلاء على القطارات قبل أن يتجمعوا أمام مبنى الكونجرس في واشنطن مطالبين بالمعونات، وقد تطلب الأمر استدعاء قوات الجند لتفريقهم، وفي هذه الاثناء كان الوضع المالي لوزارة الخزانة يزداد سوءاً فمعدل تجاوز المدفوعات للعوائد ازداد سوءاً، وكان الفرق في البداية قد تمت تغطيته عن طريق اللجوء إلى الدفع بالعملة الورقية القانونية، ولكن عندما استنفدت تلك العملات، لم يكن أمام الوزارة سوى الشروع باستخدام الذهب لسدّ نفقاتها الجارية، وكانت النتيجة أن أخذ مخزون الذهب يتدهور بسرعة، وفي يناير/كانون الثاني 1895 تم تصدير ما قيمته 26 مليون دولار ذهباً من الولايات المتحدة، كما تم سحب ما قيمته 45 مليون دولار ذهباً من وزارة الخزانة وذلك لقاء صرف عملات ورقية قانونية، وكان احتياطي الوزارة من الذهب يقترب من 40 مليون دولار، وأخذ يتدنى بمعدل 2 مليون دولار يومياً، وهكذا، فإن السنوات الخمس من 1890 إلى 1895 كانت تحمل في ثناياها سلسلة من الكوارث المتعلقة بالذهب التي ضربت الاقتصاد الأمريكي بقوة واستمرارية لا مثيل لهما . (2) وتشير بعض الدراسات إلى أن سبب أزمة 1893 قد حيك في بريطانيا التي يبدو أنها لم تكن راضية عن القوة المنافسة الجديدة في الساحة وهي أمريكا، وتقول احدى الدراسات أن خيوط الأزمة بدأ إعدادها عام 1890 في لندن وأدت إلى افلاس بنك بارنجز، وهو نفس البنك الذي أفلس وتم بيعه عام ،1995 وفي الكساد الذي بدأ عام ،1893 تم خفض فائض الخزانة الأمريكية إلى لا شيء تقريباً، ولاح في الأفق عجز الموازنة، واستخداماً لهذا الوضع كذريعة، قام المضاربون البريطانيون بدفع سعر صرف الدولار إلى أسفل عند نقطة جعلت ملاّك الذهب يبدأون في تصدير ما لديهم من الذهب إلى لندن، وتراجعت أرصدة الذهب في وزارة الخزانة الأمريكية إلى أقل من مليون دولار، واستمرت في التراجع إلى أن وصلت إلى 68 مليون دولار الأمر الذي هدد بإفلاس قومي للولايات المتحدة، وكردّ فعل على تلك الأزمة، أعطى الرئيس الأمريكي جروفر كميفلاند السيطرة على الدين العام الأمريكي لبنوك نيويورك التابعة لمورغان وبيلمونت، ما يعني أنه قام ببيع صكوك الذهب الأمريكية لمورغان وبيلمونت بأسعار مخفضة، ووعد هؤلاء باستخدام نفوذهما في لندن لمنع شن المزيد من الغارات البريطانية على الدولار الأمريكي وأرصدة الذهب . (3) وسنرى في ما بعد كيف أن هذه الدراسات ترجع أزمة عام 1929 والكساد العظيم الذي عم أمريكا وبقية دول العالم يعود أيضا إلى مؤامرة بريطانية لتدمير الاقتصاد الأمريكي، خاصة وأن أزمة عام 1929 لم تعرف أسبابها الحقيقية .

جي بي مورغان: ورد في الفقرة السابقة أن الرئيس الأمريكي كليفلاند اعطى بنكي مورغان وبيلمونت صكوك الذهب بأسعار مخفضة في مقابل استخدام نفوذهما في لندن كحل أزمة 1893م، ويهمنا هنا جي بي مورغان أحد الاثنين المستفيدين من تلك الصكوك، وكلنا سمعنا أثناء بدء الأزمة الاقتصادية الحالية باسم مصرف جي بي مورغان يتردد بشكل شبه يومي في النشرات الاقتصادية في محطات التلفزة والصحف وغيرها وما زال حتى الآن يتردد صداه بشكل يومي . مورغان هذا هو الذي انقذ أمريكا من الأزمة الاقتصادية والكساد الذي تبعها عام ،1893 وسبق أن اشرنا إلى ما ذكرته إحدى الدراسات عن ضلوع الانجليز في تلك الأزمة، ولم يكن تكليف الرئيس كليفلاند لجي بي مورغان بحل تلك الأزمة في مقابل بيع صكوك الذهب له بشكل مخفض إلا ليقينه بالعلاقة الوثيقة التي تصل إلى حد العمالة بين مورغان والانجليز كما تشير نفس الدراسة . (4) وجي بي مورغان أو حسب اسمه الكامل جون بييربونت مورغان ولد في أمريكا ودرس في بوسطن وفي عام 1856 سافر إلى ألمانيا حيث درس في جامعة غوتينجن، وعندما عاد إلى أمريكا، انضم مورغان إلى شركة بانكينغ التابعة لدانكان - شيرمان وشركاهم وهم الممثلون الأمريكيون لشركة لندن التابعة لهم، ومع مرور الوقت أصبح مورغان الممثل المالي لعائلة روتشيلر اليهودية البريطانية الشهيرة والتي كانت تملك نفوذاً مالياً وسياسياً طاغياً، وأول صفقة عقدها مورغان هي بيع أسلحة فاسدة للجيش الأمريكي خلال الحرب الأهلية محققاً ارباحاً تصل إلى حوالي 500% على كل بندقية، وفي عام 1871 أصبح شريكاً في واحدة من شركات والده وهي دريكسل - مورغان وشركاهم التي تحولت فيما بعد لتصبح جي بي مورغان وشركاءه، هذه الشركة سرعان ما اصبحت المصدر المسيطر في تمويل حكومة الولايات المتحدة، وكان لدى مورغان صلات وعلاقات حميمة رفيعة المستوى مع العالم المالي للندن خلال سبعينات القرن التاسع عشر، حيث كان وسيطاً بين المصرفيين البريطانيين، والمؤسسات الصناعية المتسارعة النماء التي انتشرت في أمريكا وتحتاج إلى تمويل، وبعد عائلة روتشيلد البريطانية، اصبحت شركة مورغان الأمريكية واحدة من أقوى البيوت المصرفية في العالم، واستطاع مورغان بعد وفاة أبيه وسيطرته على جميع مصالح العائلة عام 1890 من أن ينمي ثروته بسرعة كبيرة وخاصة عندما بدأ في مدّ أكبر السكك الحديدية في أمريكا ليصبح بحلول عام 1902 مسيطراً على طريق سكك حديد يقدر طوله بحوالي 5 آلاف ميل، وفي التسعينات من القرن التاسع عشر اشرف على اندماج شركتي ايديسون جنرال الكتريك وتومسون هاوستون اليكتريك لتشكلا معاً شركة جنرال اليكتريك التي سرعان ما سيطرت على تصنيع الاجهزة الكهربائية، وفي ما بعد دمج مورغان شركات فولاذ عدة ليشكل مؤسسة فولاذ الولايات المتحدة الأمريكية ثم اسس عام 1902 شركة انترناشيونال هارفستر من تحالف عدة مصنعي معدات زراعية متنافسين .(5)

مورغان ينجح في إنهاء كساد 1893: نجح جي بي مورغان في انقاذ أمريكا من الإفلاس عام 1893 بعد أن اضطر الرئيس كليفلاند لعقد صفقة معه، كما ذكرنا سابقاً، يتم بموجبها بيع صكوك الذهب الأمريكية بأسعار مخفضة لمورغان وبيلمونت، وقد عرفنا من هو مورغان، وهناك طرفان آخران ساهما في عملية الإنقاذ وهما بيلمونت شريك مورغان وهو يهودي أمريكي، وعائلة روتشيلد اليهودية البريطانية، وقبل أن نتعرف إلى كل من بيلمونت وروتشيلد وما قام به الثلاثة من جهد لانقاذ اقتصاد الولايات المتحدة والمساهمة في خروج أمريكا من كساد عام ،1893 نقرأ من خلال هذه الأحداث كيف كانت تتحكم بعض العائلات المتنفذة باقتصاد أمريكا وأوروبا في تلك الفترة، وهو وضع مشابه لما يحدث حالياً في كثير من دول العالم العربي، وخاصة في منطقة الخليج حيث تسيطر عائلات معينة على الاقتصاد من خلال سيطرتها على الوكالات التجارية والمصارف وغيرها وهذا بدوره يؤدي إلى احتكار اقتصادي لمجموعات معينة تعمل لمصالحها الخاصة أكثر مما تعمل لمصلحة البلد، ومع مرور الوقت تظهر مراكز القوى الفاسدة كما نرى في معظم إن لم يكن كل الدول العربية . ويبدو أن أمريكا في بداياتها كانت تسير على هذا المنوال، فالرئيس اضطر للتنازل عن بيع صكوك الذهب بأسعار مخفضة لمراكز قوى ممثلة في مورغان وبيلمونت في مقابل تعهدهما بوضع خطة لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، والمثير في الموضوع أن الرئيس الأمريكي قبل بتكليف مورغان بهذه المهمة لمعرفته بعمالة مورغان للانجليز رغم أنه أمريكي، وأن هذه العمالة هي التي ستسهم في حل الموضوع . ومعنى ذلك أن مراكز القوى الاقتصادية تصبح مع مرور الوقت من خلال نفوذها المالي، قوى لا تنضوي تحت سيطرة الحدود السياسية التي تنتمي إليها، نعود لمعرفة بقية الاطراف، فسبق أن ذكرنا أن عائلة روتشيلد يهودية بريطانية وبرزت تلك العائلة من خلال القروض التي تمنحها لحكام أوروبا، ومن خلال الاستخدام الناجح للعائلة للعمليات المصرفية الجزئية، وبدأت سلالة الحكم المصرفية لهذه العائلة من قبل مائير آمشل بور وهو يهودي ألماني ولد عام 1744 في فرانكفورت بألمانيا(6)، أما أوغست بيلمونت فهو يهودي أمريكي، وكان يعمل ممثلاً لروتشيلد في نيويورك . وكانت خطة مورغان تتسم بالجرأة والتهور، فقد اقترح بيع اصدار سندات من وزارة الخزانة بقيمة 65 مليون دولار تقريباً إلى مجموعة أوروبية يقوم هو وروتشيلد بتنظيمها، وأن يجري الدفع بشكل 3،5 مليون أونصة تقريباً من العملات الذهبية (أي بحدود مائة طن) يتم الحصول على نصفها على الأقل في أوروبا ومن باب تشجيع المصارف الأوروبية، يرفع معدل الفائدة بنسبة نقطة مئوية كاملة واشتملت خطة مورغان على ثلاثة عناصر بالغة الأهمية، كان العنصر الأول ينص على بذل كل الجهود المشروعة في سبيل حماية وزارة الخزانة الأمريكية من سحب الذهب، وهذا يعني أن مجموعة مورغان - روتشيلد ستقوم بالتلاعب بسوق الذهب أما العنصر الثاني فكان يقضي بأن تستخدم المجموعة موجوداتها من العملات الأوروبية لإقراض الأمريكيين الذين كانوا مدينين بالنقود الأوروبية بموجب صفقات تجارية أو مالية مما يعني وضع حد لطلب تحويل الدولارات الى ذهب، وأخيراً قامت المجموعة بربط كل الدور المصرفية في مدينة نيويورك بمجموعات أوروبية مهمة، وجعلتها بحكم اصدار السندات، جزءاً من الصفقة، وعندما انتشرت اخبار هذه الصفقة المخادعة ثارت ضجة عامة ضد ما بدا وكأنه بيع إلى المصارف الأجنبية، وكانت النظرات المليئة بالشك تراقب التنفيذ الفعلي اليومي لتلك الخطة في كل من لندن ونيويورك، لكن الخطة نجحت، وأصبح الجنيه الاسترليني الذي كان يصرف بسعر 4،89 دولار في نيويورك، هبط فجأة ليعود إلى قيمته الأساسية البالغة 4،86 دولار مما سهل على المجموعة منح مهل إضافية على قروض القطع الأجنبي المقدمة للمستوردين الأمريكيين، وسرعان ما أخذ الذهب يصل إلى وزارة الخزانة الأمريكية من أوروبا بمعدل 5 ملايين دولار شهرياً، وشهدت الأسواق الأوروبية تدافعاً حقيقياً لشراء الأوراق المالية الأمريكية .(7)

أمريكا قبل وبعد الحرب العالمية الأولى: على الرغم من الأزمات المتتالية التي أصابت الاقتصاد الأمريكي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن حيوية ذلك الاقتصاد، اضافة إلى وجود جملة من المميزات التي تغري المستثمرين والمهاجرين من جميع أنحاء العالم، كانت تعتبر ميزة تجعل من أمريكا حصاناً يسعى الكل للرهان عليه، فخلال الفترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر، والحرب العالمية الأولى، ترك أوروبا حوالي 55 مليون شخص للبحث عن الثروة في دول العالم الجديد، وأولها أمريكا، وكان أكثرهم عمالا صناعيين يبحثون عن أجور أعلى في السوق العالمية مقابل عملهم، وسببت مغادرتهم لأوروبا نقصاً في توفر العمال هناك، اضافة إلى ارتفاع أجور العمال الذين لم يغادروا وساعد وصول كثير من هؤلاء إلى أمريكا في دفع عجلة التطور الصناعي، ورغم محاولات أمريكا وضع العراقيل الكثيرة أمام تدفق الهجرة من الصين واليابان وغيرهما في بداية القرن العشرين، إلا أن الملايين من المهاجرين استطاعوا الوصول إلى هناك وازدادت حركة التجارة العالمية التي ساهم المهاجرون الجدد في نموها، حيث انهمك هؤلاء في بناء السكك الحديدية الطويلة التي كانت تحتاجها أمريكا بشدة في ذلك الوقت لربط الولايات بين بعضها، ودخل ملايين منهم في الحقول الأمريكية الواسعة للعمل كمزارعين، حيث إزداد الانتاج الزراعي بمعدلات كبيرة، وبدأت أمريكا تصدر الغذاء إلى أوروبا بعد سد حاجتها الداخلية (8)، وبين ديسمبر/ كانون الأول 1913 وأبريل/ نيسان ،1914 صدرت الولايات المتحدة 18 مليون شوال من القمح، وفي الفترة ذاتها من العام التالي وصلت صادرات القمح إلى 98 مليون شوال، ومع بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914 استدعيت اعداد متزايدة من العمال الزراعيين إلى الخدمة العسكرية في أوروبا، وظلت الصادرات الزراعية الأمريكية في ازدياد، وارتفع دخل المزارع الصافي في سنوات الحرب إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 10 مليارات دولار، وارتفعت قيمة الأراضي والأبنية والمعدات الزراعية بنسبة 30% تقريباً، كما زاد حجم التصنيع في الولايات المتحدة بمعدلات سريعة أيضا، وباتت أسواق أمريكا اللاتينية وآسيا التي كانت الشركات الأوروبية تمدها بالسلع الضرورية مفتوحة آنذاك أمام الشركات الأمريكية، والأهم من ذلك كان سيل طلبيات الشراء التي بدأت تتدفق على الشركات الأمريكية من بريطانيا وحلفائها على منتجات مثل الفولاذ والعربات وكل أنواع مركبات السكك الحديدية، ووردت طلبيات من الأطراف المتحاربة لشراء الأسلاك الشائكة وهي ابتكار أمريكي يرجع إلى سبعينات القرن التاسع عشر كانت الغاية الأساسية منه حماية المزارع الغربية حديثة العهد، وكانت الطلبيات بمئات آلاف الأميال لحماية الخنادق من هجمات الجنود المشاة، كما كانت هناك طلبيات كبيرة على الذخائر الحربية من قبل جيوش بريطانيا وفرنسا وايطاليا، وارتفع الناتج القومي الاجمالي للولايات المتحدة بنسبة 21% في سنوات الحرب الأربع، بينما ارتفع التصنيع بنسبة 25%، وبفضل الحرب الدائرة في أوروبا، بدأت الصناعة الأمريكية تسترد عافيتها والنمو بمعدلات غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية . وفي مطلع عام 1915 وقعت الحكومة البريطانية اتقافية مع جي بي مورغان جعلت المصرف وكيلاً للمشتريات الحكومية البريطانية في أمريكا . ووقع المصرف بعد ذلك بمدة وجيزة اتفاقية مشابهة مع الحكومة الفرنسية، وعشية الحرب قدر وزير الحربية البريطانية مشتريات الحلفاء من أمريكا بمبالغ لا تزيد على 50 مليون دولار، ولكن قيمة تلك المشتريات ارتفعت إلى أكثر من 3 مليارات دولار، أي ما يتجاوز أربعة أضعاف الإيرادات الإجمالية للحكومة الفيدرالية عام،1916 وكان أثر مصرف مورغان في الصناعة الأمريكية في تلك السنوات كبيراً جداً، وكان لدى مورغان فريق من 175 موظفاً، وبانخراط أمريكا في القتال الدائر، اتضحت بجلاء براعة أمريكا في التجاوب الفوري للمقتضيات العسكرية، فلقد كان الجيش يعد 200 ألف مقاتل قبل الحرب، ولكن بحلول نوفمبر/تشرين الثاني ،1918 كان في أوروبا مليونا جندي أمريكي ومعهم 40 ألف عربة وشاحنة إضافة إلى 45 جواداً و2000 طائرة، وكان تطبيق حملات إصدار السندات باستخدام تقنيات ابتكرها جاي كوك اثناء الأزمة الاقتصادية عام 1873 جارية على قدم وساق، وبدأت ضريبة الدخل تصبح اهم مصدر لإيرادات الحكومة الفيدرالية بعدما زحفت إلى الطبقة الوسطى، وحتى عام ،1914 كانت الولايات المتحدة أكثر الأمم مديونية، إذ بلغت استثماراتها في الخارج نحو 3،5 مليار دولار مقابل استثمارات أوروبية في أمريكا بقيمة 7،5 مليار دولار، ومع نهاية الحرب، انقلب الوضع تقريباً، فكان الاجانب يحوزون ما قيمته 3،3 مليار دولار من الاوراق المالية الأمريكية، وكان لدى الأمريكيين استثمارات اجنبية بقيمة 7 مليارات دولار، وبالاضافة إلى هذا، كانت الحكومات الأجنبية خصوصاً فرنسا وبريطانيا مدينة للولايات المتحدة بنحو 9،6 مليار دولار من قروض الحرب، وهكذا، وفي أربع سنوات انقلبت الولايات المتحدة من دولة مدينة بمبلغ 3،7 مليار دولار إلى دولة دائنة بمبلغ 12،6 مليار دولار، وخرجت أمريكا من الحرب منتصرة في كل شيء فقد بلغت خسائرها 126 ألف جندي، في حين بلغت خسائر فرنسا 1،357،000 جندي وبريطانيا 908 آلاف جندي وألمانيا 1،773،000 جندي والنمسا 1،200،000 جندي وروسيا 1،700،000 جندي، وخسرت النمسا امبراطوريتها الأوروبية، وفقدت مركزها كقوة عظمى، واخذت المانيا تصارع من أجل حفظ نفسها بعد أن وقع جيشها الذي لا يضارع في مهاوي الهزيمة، كما أن الدول الأوروبية التي خرجت منتصرة وان شكليا مثل بريطانيا وفرنسا قد خسرت مواردها العسكرية والاقتصادية وروحها المعنوية، ووحدها الولايات المتحدة خرجت من الصراع بحال أقوى من الناحية المادية الملموسة، فقد كانت القوة الصناعية الأولى في العالم طوال العقود الثلاثة السابقة للحرب، وهي بعد الحرب القوة المالية الأولى في العالم أيضاً بعد أن أخذت من بريطانيا هذا الدور، وسيبدأ المال بالدوران في فلك مركز الجاذبية المالي الجديد وول ستريت بدلاً من شارع لومبارد في بريطانيا(9)، سنتابع في الحلقة المقبلة مقدمات الكساد العظيم عام 1929 .

هوامش

(1) جون ستيل جوردون، امبراطورية الثروة، ص 89- 93

(2) بيتر برنشتاين، سطوة الذهب، ص 406 - 411

(3)The Crash Of 1929, Birtish Finicial Wrrfaive:

1929, 1931 - 33 by webster .G . Tarpley,

Dec 1996 . http://www . tarpley .net 29 Crash . htm . (4) Ibid

(5) جيم مارس، الحكم بالسر، ص 87 - 89

(6) جيم مارس، م .س، ص96

(7) بيتر برنشتاين، م .س، ص 412 - 414

(8) Eric Rauchway, the Great

Depression The new Deal, pp .8-11

(9) جون ستيل جوردن، م .س، ص 113 - 122

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"