عادي

اختطاف الثورة .. الحلقة الأولى

05:29 صباحا
قراءة 18 دقيقة
تأليف: عاطف الغمري

تشابكت الخيوط، وساحت الوقائع في بعضها وانزاحت الفواصل، بين ما كان قد سكن العقل، وبين ما تلتقطه العين، وما يلح على الأذن، فتشتت الأفكار، وتعددت الرؤى وتناثرت الروايات، وحلت الشكوك محل اليقين، إلى أن بدأ الكل يرتاب من الكل . وخيمت على مرمى البصر، كتل داكنة من سحابات، لم ينحصر أثرها في ضبابية الرؤية، بل تعداها إلى حيرة العقل، عن استيعاب ما يتدافع أمام النظر، وفي مواجهته، من أشياء، تقبلها البعض بحسبانها حقائق، وتعامل معها آخرون، كأنها زيف وضلالات .
ذلك كله خلق جدلاً تواصل في عامي 2013 و،2014 حول ثورة 25 يناير ،2011 وهل كانت ثورة حقيقية؟ ووصل الحال بالبعض، إلى أن يصمها، بأنها صناعة أمريكية، تلحق بها في التصنيف ذاته، بقية الثورات في دول عربية أخرى، كان الغرب أول من أطلق عليها تسمية انتفاضات "الربيع العربي" (Arab spring uprising) . وتجاوزت الشكوك حدود النظرة التي كان ملؤها الريبة من البعض تجاه البعض، إلى أن أصبح منهم من يكاد يشك في نفسه!
الجدل الدائر يكاد يطوي الصفحة المضيئة والزاهية لما جرى في 25 يناير، كونها صحوة وطنية، بعثت في نفوس المصريين شعوراً دافقاً بقيمتهم، وقدرتهم على تغيير واقعهم وإصرارهم على أن تستعيد مصر روحها، وأن ينفضوا عن أنفسهم وصفاً ألصق بهم طوال عشرات السنين . بأنهم شعب لا يثور، مستسلم لواقعه البائس، حتى ولو كان رافضاً له في أعماقه .

هكذا خططت الولايات المتحدة لاختطاف ثورة الشعب المصري

كانت سحابات الجدل الصاخب ترخي، ستاراً أسود على المشهد، تكاد تتوارى وراءه، لحظات مضيئة من التاريخ بهرت العالم، بتوالي تصريحات رؤساء دول وحكومات في الغرب، يعبرون عن فرط انبهارهم بثورة المصريين، ووصف بعضهم لما جرى في 25 يناير ،2011 بأنه نبت تراث حضاري عمره آلاف السنين، في أرض مصر التي ألهمت الدنيا . أمام هذه الصورة التي رسمت بخطوط شديدة التعقيد، سأحاول على هذه الصفحات، ومن خلال مراجع ومصادر أمريكية، وغربية متعددة، لها وزنها وتخصصها في مجال الحصول على معلومات موثقة، وتحليلها، تفكيك الخيوط التي تشابكت وتعقدت، وكونت لاحقاً الصورة الغائمة، لما جرى في 25 يناير . وبثت شكوكاً، كان ما يعززها من مبررات، هو نتاج الاكتفاء بالنظر إلى جانب من الصورة، من دون الإحاطة بكل مكوناتها وتفصيلاتها . فكان السؤال الحائر:- ما هي حقيقة ما جرى في 25 يناير 11_A؟
. . إن الولايات المتحدة، كانت قد وضعت بالفعل خططاً لتغيير الأنظمة، في الدول العربية، - هذا صحيح - والترتيب لوصول حكام إلى السلطة، ترضى عنهم . ورسمت خططاً، تمهد لزعزعة الأوضاع تدريجياً لبلوغ لحظة إسقاط الأنظمة . وتجنباً لظهور يد أمريكية في صناعة المشهد، فقد تفاهمت مع جماعات وأفراد يلعبون دور الوكلاء، وهي متوارية وراء الستار، وفي يدها تحريكهم .
كانت أبرز صور تحريك الأحداث، الدعوة للخروج في تظاهرات احتجاجية يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 . ربما تكون قلة محدودة شاركت فيها من الوكلاء الذين جهزتهم الولايات المتحدة . لكن المؤكد أيضاً أن أغلبية من أطلقوا هذه الدعوة للتظاهرات الاحتجاجية، دفعتهم إليها مشاعر وطنية خالصة، وهم من الشباب الرافض لحكم استبدادي، بلغ به الشطط إلى حد الإعداد لمشروع التوريث للابن، واستمرارية النظام نفسه بممارساته المنزوعة عنها أي قدرة على النهوض بالبلاد، وحل مشكلاتها المتراكمة، وما تسببت فيه، سوء إدارته للدولة، من تدهور الحالة المعيشية، وانهيار كامل في منظومة إدارة الدولة، والإساءة لكرامة الإنسان في مصر .
هؤلاء وأولئك من خططوا من الخارج لتظاهرات تخدم مصالحهم، ومن قدموا لهم أنفسهم أدوات تنفذ هذه الخطط . لم يدر في خاطرهم أن تصل الاستجابة لدعوة التظاهر، في هذا اليوم، إلى إشعال ثورة . لأن خروج أكثر من عشرين مليوناً من مختلف الطبقات، في مدن وقرى مصر كافة، وفي اللحظة نفسها، تلبية لنداء الخروج للتظاهر، حولها إلى ثورة شعب متكاملة الأركان، تجسدت هويتها في توافق مبهر، في الثمانية عشر يوماً الأولى، حول معاني وحدة جموع المصريين، بلا أي تنازع بين هويات، أو أيديولوجيات، أو مطامع، تمزق نسيج هذا التوافق الوطني الفريد .
هنا - كان ما أسماه هنري كيسنجر مأزق أمريكا الذي وضعها بين نقيضين - إظهار ترحيبها بحدث جماهيري لشعب يطالب بالديمقراطية، وحقه في الحياة الكريمة، والثاني خوفها من احتمالات مجيء نظام حكم يتبع سياسات ليست على هوى المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة . ومن ثم فإن عليها، كما أوصى كيسنجر، البحث عن وسيلة للخروج من هذا المأزق . وهذا هو نفسه ما وصفه باحثون أمريكيون، بالصدمة الأولى التي لطمت أمريكا، وجعلتها تشعر بالقلق من انتقال السلطة إلى نظام يكون تجسيداً حقيقياً، للصورة التوافقية الوطنية، التي ظهرت في ميدان التحرير - رمز الثورة . لكن - ما الذي كان يجري في الخفاء قبل الصدمة؟
إن خطط التغيير في مصر وفي غيرها، كانت تجهز من قبل 25 يناير 2011 . وتمت من أجلها اتصالات وترتيبات، وتجهيز، عناصر محلية لتتولى إطلاق الشرارة الأولى، بطريقة تأتي إلى كرسي الحكم، بمن ترتضيهم الولايات المتحدة، وبناء على تفاهمات مسبقة معهم . ولما أطلقت الشرارة، بالدعوة للخروج في تظاهرات احتجاجية، كانت التوقعات بناء على ما سمي الخطة "A"، أن يستجيب لنداء التظاهر أعداد قد تتراوح بين مائة ألف أو مئتي ألف، وهو حجم يمكن السيطرة على حركته، وعلى مطالبه، وأجندته، التي سيكون من السهل التحكم فيها، عن طريق بعض عناصر من النشطاء، سوف يتصدرون المشهد ويقودونه . وحين خرجت الملايين إلى الشوارع والميادين تحولت الصورة، إلى ثورة الملايين، ما أربك حسابات أمريكا .
كانت الروح المتوثبة النابضة بالحياة، للملايين، تشير إليها دلالات لا تغيب عن نظر كل من يعي تجارب التاريخ، ويدرك لحظات الصحوة في حياة الشعوب . فالبلد يمور بدفقات حراك رافض للواقع الساكن الخالي من الحياة . . التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، تبدو كأنها تحركات فئوية، كل منها يمضي في طريق، بينما هي كما يقول علماء السياسة في العالم في دراسات معاصرة ومنشورة، أن حلقات الاحتجاج المحدودة، حين تنتشر، وتتابع حاملة الشعارات نفسها والمطالب نفسها في أي مجتمع، فهي تصل إلى نقطة تكون عندها كموج البحر، تتدافع كل موجة وهي متصلة بالأخرى، لتشكل كلها معاً تياراً جارفاً يشد بعضه بعضاً، طالما كانت في خلفيته هموم عامة مشتركة . وهو ما حدث يوم 25 يناير .
وبخلاف الوقفات والتظاهرات الاحتجاجية، كانت تعقد ندوات، تديرها شخصيات واعية، تتحدث بحرية عن رفضها للوضع القائم، ويشرح فيها المتحدثون، رؤيتهم لإعادة بناء الدولة، بصورة تليق بمصر وتاريخها . ونشرت كتابات في مقالات ومؤلفات، تستنهض همم المصريين، الذين كانت تجمعت في نفوسهم كل أسباب الثورة . فكان خروجهم الكبير في 25 يناير، هو لحظة الاستجابة للنفير، والتحرك الجماعي لكتابة تاريخ مجيد لمصر، تحوّل معه ميدان التحرير من مجرد اسم لمكان، إلى رمز للثورة، التي انطلقت على الصورة نفسها وفي مختلف ميادين وشوارع مصر .
عندئذ حدثت المفارقة . فهناك من رتب للخروج، مدفوعاً بالمؤامرة . وهناك من خرجوا تلقائياً وغريزياً، وهم ينشدون مصلحة الوطن ومستقبله . المؤامرة أعدت تفاصيلها قبل 25 يناير بسنوات . وإن جاءت في صورة مشاريع وسياسات، بدت كأنها منفصلة عن بعضها بعضاً . لكنها لا يمكن أن تكون كذلك في حسابات دول تدير سياساتها في العالم، وفق استراتيجيات، تعمل وفق خطط وآليات تنفيذ .
وفي أعقاب تولي جورج بوش السلطة في عام ،2001 ومعه جماعة المحافظين الجدد، الذين يوصفون حسب المصطلحات السياسية في الولايات المتحدة بأنهم صهاينة (Zionists) من حيث تفكيرهم، حتى ولو كان بعضهم ليسوا يهوداً، فقد كلف مركز البحوث "معهد أمريكان أنتربرايز"، الذي يوصف بقلعة المحافظين الجدد، أحد أبرز وأهم خبرائه مايكل لادين، بوضع خطة مدتها عشر سنوات، لتغيير دول المنطقة من داخلها . ونشرت تفصيلات الخطة في مجلة "بوليسي ريفيو" (Policy Review) التي يصدرها المعهد .
تفاصيل أخرى للمؤامرات أفصحت عنها مبكراً الكتابات المنشورة لريتشارد كراوتهامر، أحد أبرز الدعاة والمنظرين لفكر حركة المحافظين الجدد، والمرتبط بصناعة قرار السياسة الخارجية في تلك الفترة، والقائل إن الهدف من غزو العراق (عام 2003)، لم يكن مقصوداً به العراق فحسب، بل الدخول إلى العالم العربي والإسلامي بكامله، للقيام بعمليات تغيير شاملة من داخله - سياسية، ثقافية، واجتماعية .
وفي هذا السياق جرى إعداد مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أعلنه جورج بوش عام ،2004 وشاركت في صياغته مجموعة المحافظين الجدد والذين لا تخفي كتاباتهم وبرامجهم المنشورة، إصرارهم على تغيير المنطقة، وتفتيتها، وبث الانقسامات في مجتمعاتها، وإعادة رسم الخريطة الإقليمية للمنطقة، بما يضع "إسرائيل" في مركز خريطة المنطقة . ثم جاءت اللحظة الفارقة في أغسطس/آب ،2010 يومها أصدر أوباما تعليمات لمساعديه في إطار ما عرف ب"توجيه لدراسة رئاسية"، بإعداد مذكره سرية، حول احتمالات وقوع حالات عدم الاستقرار في العالم العربي . ووصف مسؤولون بإدارة أوباما هذه الدراسة بأنها انتهت إلى أن العالم العربي مهيأ لثورات شعبية، إذا لم تسرع الأنظمة الحاكمة، بإجراء تغييرات سياسية كبيرة وشاملة .
المذكرة كشفت عنها في عام 2011 مجلة "نيويوركر"، وقالت إنها مكونة من 18 صفحة، وإنها رصدت مؤشرات عن احتمال حدوث انتفاضات، في مصر على وجه الخصوص، وقدمت المذكرة السرية للرئيس، مقترحات عن الكيفية التي يمكن بها دفع الأنظمة في هذه الدول نحو إجراء تغييرات سياسية، والطريقة التي يمكن أن يتعامل بها البيت الأبيض مع مصر، ودول عربية أخرى، وكيفية الموازنة بين حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، والرغبة في تفادي حدوث عدم استقرار واسع النطاق في حالة الوقوف ضد مطالب المحتجين .
مصادر ودراسات أمريكية متعددة تناولت هذه المذكرة بالتحليل، بعد أن كشفت عنها مجلة "نيويوركر" . منها ما كتبه مارك لاندلر في صحيفة "نيويورك تايمز" في فبراير/شباط 2011 وقال: إن مسار الأحداث يثبت أن خطة تمكين الإخوان المسلمين من حكم مصر، كان استراتيجية واعية ومتعمدة من إدارة أوباما، وضعت من قبل انطلاق الربيع العربي . ولم تكن المشكلة عندئذ من وجهة نظر أمريكا في كيفية التعامل مع التغيير في دول المنطقة، بل كانت في إعطاء دفعة لحدوث التغيير .
صحيح أن الاتصالات مع جماعة الإخوان، قد بدأت بشكل مكثف في عام ،2010 عن طريق ضباط وكالة المخابرات المركزية، وممثلين عن الجماعة في القاهرة، وأنقره، وواشنطن، والدوحة، إلا أن فكرة استخدام الإخوان، كانت قد تبلورت عقب إحساس الإدارة الأمريكية "بالصدمة"، نتيجة فشل ترتيبات السطو على التظاهرات الاحتجاجية في 25 يناير/كانون الثاني، طبقاً لما وصف بالخطة "A" . وفي أعقاب الصدمة عقد أوباما خلال الفترة من 25 يناير/كانون الثاني وحتى 11 فبراير/شباط ،2011 38 اجتماعاً مع مساعديه، تم خلالها الاتفاق على الانتقال إلى الخطة "B"، وتشمل بدء ضغوط وممارسات من أجل "اختطاف الثورة" في مصر، وتسليمها للإخوان المسلمين، على أن يسبق ذلك تسهيل وصولهم إلى الحكم بكل الطرق الممكنة . وهو ما تشهد عليه مصادر، ومعلومات أمريكية موثقة، سنوردها بالتفصيل عبر فصول هذا الكتاب .
مرة أخرى، تتكرر المفارقة . وتهزم المؤامرة، تحت زحف 33 مليوناً من المصريين، على الشوارع والميادين في 30 يونيو ،2013 لاستعادة مصر - الوطن - من مختطفيها، وإحباط خطة استهدفت العالم العربي كله، بدءاً بالدولة المركزية - مصر - بعد اختطافها . . ولكن الله سلم .

الفصل الأول خطة اختطاف الثورة

داخل قاعة صغيرة، بمبنى وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، وفي يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني ،2013 عقدت جلسة محدودة، تحت مسمى منتدى الأمن الدولي، رأسها جون كيري وزير الخارجية، الذي قال للمجتمعين "الإخوان المسلمون اختطفوا الثورة من المصريين الذين قاموا ب Hijacked Egypt,s Revolution، وهذه الكلمة ذاتها "اختطاف Hijacking" وردت في كتابات لأكثر من عشرين مؤلفاً، ودارساً لأحداث الثورة في مصر، ضمن ما أطلعت عليه من مراجع لهذا الكتاب . والذين وصفوا بها حقيقة ما حدث في 25 يناير 2011 في مصر، هم من كبار الخبراء والمتخصصين، من الولايات المتحدة، وأوروبا، وكندا . هؤلاء يعكفون بحكم دورهم كخبراء ومتخصصين على إعداد دراسات علمية، مجردة من أي اعتبارات سياسية . ولم يكن الكثيرون منهم يكتفون بتحصيل معلوماتهم من وثائق ومصادر في بلادهم، بل زادوا على ذلك بالتردد على مصر ودول عربية أخرى في زيارات متكررة من بعد 25 يناير ،2011 وتابعوا أحداثها ميدانياً، والتقوا بالعديد من أطراف المشهد المصري، ومنهم قيادات وأعضاء في تنظيم الإخوان . من بينهم - على سبيل المثال - أساتذة بجامعة كولومبيا، ومعهد هدسون للدراسات الدولية، ومعهد الدراسات الدولية في كندا . ومن الكتاب المعروفين على المستوى الدولي، البروفيسور والترسل ميد، وجون برادلي وغيرهما كثيرون سوف نتوقف أمامهم عبر صفحات الكتاب .
الملاحظات التي أدلى بها جون كيري، تسربت إلى بعض المواقع الإعلامية في الولايات المتحدة، واهتم بها بشكل تفصيلي الكاتب الأمريكي دانييل غرينفيلد عضو "مركز الحرية" في نيويورك (Freedom Center)، وهو من الخبراء المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية في الغرب، وله مؤلفات عديدة، آخرها كتاب "التحديات العالمية لأمريكا في القرن ال21" . غرينفيلد ذكر أن كيري استخدم كلمتي اختطاف الإخوان للثورة، وسرقة الإخوان للثورة . في سياق حديثه . ويصف غرينفيلد حديث كيري بأنه كان تحت عنوان عام هو "ملاحظات في اللقاء السنوي الثامن والعشرين للمجلس الاستشاري الأمني لما وراء البحار" . وأنه عقد في قاعة دين أتشيسون، بوزارة الخارجية . ومن المعروف أن أتشيسون يوصف في الحياة الدبلوماسية الأمريكية، بأنه عميد الدبلوماسية الأمريكية الحديثة .
وطبقاً لنص كلمة كيري فقد قال: إن الثورة المصرية قد سرقت Stolen بيد الإخوان المسلمين، من الشباب الذين أطلقوها . وأن هؤلاء الشباب الذين كانوا في ميدان التحرير، لم يكونوا مدفوعين بأية أيديولوجية ما، لكن ما دفعهم إلى الثورة هو ما رأوه من تطورات تجري أمامهم في هذا العالم المتداخل في بعضه، وأنهم أرادوا أن تتاح لهم في بلدهم فرصة للتعليم، والتوظيف، وأن يكون لهم مستقبل، لا أن تحكمهم حكومة فاسدة، حرمتهم من كل ذلك . . هذا هو ما دفعهم للثورة، التي سرعان ما اختطفت منهم، على يد التنظيم الوحيد المنظم جيداً في الدولة، وهو تنظيم الإخوان المسلمون .
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينتقد فيها كيري الإخوان وتصرفاتهم في مصر . ففي سبتمبر 2013 قال كيري: إن الجيش في مصر استعاد الديمقراطية عندما اعتقل محمد مرسي، من أجل إيقاف العنف المتزايد . وكثيراً ما تسربت إلى الصحف الأمريكية أنباء عن اختلاف كيري وهاغل وزير الدفاع مع بقية معاوني أوباما، من سياساته تجاه مصر بعد 30 يونيو . ويقول دانييل غرينفيلد: إن ما ذكره كيري هو أمر منطقي، من وجهة النظر الدبلوماسية، لكنه يصطدم بكل المواقف التي اتخذها أوباما ومعاونوه في مواجهة عزل مرسي، ودور الإخوان .
لكن يفهم أن أحداً في مصر لن يستمع إلى ما تقوله الدبلوماسية الأمريكية، طالما كان موقف الإخوان مماثلاً لموقف أمريكا . وأن السبيل الوحيد لنزع فتيل هذه القنبلة السياسية هو التنصل من الإخوان المسلمين . لكن هذا شيء يرفضه أوباما، وجون مكين الداعم للإخوان . ومن الغريب أن كيري كان يظهر سلوكاً يتسم بالكفاءة في فهم السياسة الخارجية، بأكثر من فهم هذين الرجلين أوباما ومكين، اللذين خاضا سباق انتخابات الرئاسة عام 2008 .
وفي عرض غرينفيلد لملاحظات كيري، ذكر أن عناوين كلمة كيري كانت كالتالي:
جون كيري: الحركات الإسلامية اختطفت Hijacked الربيع العربي، وأن كلمة كيري إضافة إلى شرحه لما فعله الإخوان، قدمت عرضا لمواقف كيري، وإدارة أوباما، تجاه بقية أحداث الربيع العربي، في تونس، وسوريا، وليبيا .

تسليم الثورة للإخوان

اتفقت الدراسات الغربية على أن اختطاف الثورة في مصر - وانتفاضات الربيع العربي - كان عملية وضعت لها الولايات المتحدة خطة من اليوم الأول لانطلاقها، والترتيب لدفعها إلى يد وكيل، يكون بمثابة الواجهة التي تتستر وراءها الولايات المتحدة، وحددت الخطة على أن يكون الإخوان هم الوكيل في مصر . البروفيسور مايكل شوسو دوفسكي، مؤسس ومدير مركز الأبحاث الدولية في كندا، وأستاذ بجامعة أوتاوا، ومشارك في دائرة المعارف البريطانية، وتنشر بحوثه في العالم بأكثر من عشرين لغة، وهو حاصل على جوائز في تميز ودقة مؤلفاته ومنها كتب: "عولمة الفقر" و"النظام الدولي الجديد" و"الحرب على الإرهاب" .
يقول شوسو دوفكسي في دراسته عن مصر: إن أجندة واشنطن بالنسبة لمصر، قامت على اختطاف التحركات الاحتجاجية Hijack The Protest Movements، واستبدال حكم حسني مبارك، برئيس جديد للدولة، عميل ومنصاع لها، يحافظ لواشنطن على مصالح القوى الخارجية . وجاء حكم محمد مرسي نظاماً بالوكالة عن أمريكا في مصر . ولم يكن الإخوان يمثلون أي تهديد مباشر لمصالح واشنطن الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة فلهم تاريخ طويل من التعاون مع أجهزة مخابرات الدول الغربية بدءاً ببريطانيا التي يرجع دعمها للإخوان إلى علاقة أجهزة مخابراتها السرية معهم منذ الأربعينات ثم تطورت علاقتهم في الخمسينات مع المخابرات المركزية - وطبقاً لما يقرره ضابط المخابرات الأمريكية السابق ويليام باير - فإن المخابرات المركزية واصلت دعم تنظيم الإخوان، واستخدامه للإطاحة بعبدالناصر . واستمر تحالف الإخوان والمخابرات المركزية ضد عبدالناصر من 1953 - ،1970 وظلت الروابط السرية قائمة بينهما لما بعد عصر عبدالناصر .
ومن بعد 25 يناير 2011 ساندت الولايات المتحدة حكم الإخوان في مصر بعد أن وصلوا إلى السلطة . وإذا كانت واشنطن قد أظهرت تأييداً لحركات معارضة للإخوان، وقدمت لها دعماً من خلال منظمات أمريكية مثل "فريدوم هاوس" وغيرها، فإنها أرادت بذلك خلق انقسامات، سياسية، وفوضى تفتت الوضع السياسي في مصر . وبذلك تستطيع إشاعة مناخ من التشوش في الحركة المجتمعية، وإثارة انقسامات طائفية واجتماعية، والحيلولة دون وجود حكومة وطنية، ذات سيادة حقيقية في مصر .
ثورة مضادة للثورة

كثيرون من الخبراء المتخصصين في الغرب تناولوا هذا الموضوع بالتفصيل في مؤلفاتهم . وسوف استشهد ببعضها . جون برادلي يعد في بريطانيا، واحداً من أبرز خبراء الشرق الأوسط، ومن الصحفيين القلائل الذين تميزت كتاباتهم بدقة المتابعة للربيع العربي، وكان قد توقع من قبل 25 يناير أن تحدث انتفاضة شعبية في مصر ضد حكم مبارك، وجاء ذلك في كتابه "داخل مصر" . Inside Egypt، برادلي يتكلم العربية بطلاقة . وعمل مراسلاً أجنبياً في الشرق الأوسط لعشر سنوات . وحين قامت الثورة، حذر برادلي من أن متطرفين خطرين يختطفون الثورة، حسب وصفه لهم .
ثم أصدر كتابه "بعد الربيع العربي"، ويقول فيه: إن الإسلاميين - قاصدا الإخوان على وجه الخصوص - ركبوا موجة الثورات العربية، واختطفوها، ثم نفذوا ثورة مضادة شاركت فيها دول خارجية من بينها قطر . وان كل ما قيل لنا عن الربيع العربي كان خطأ . فالإسلام السياسي، اختطف ثورات الربيع العربي عبر الشرق الأوسط كله .
دانييل غرينفيلد الصحفي والمؤلف الأمريكي، الذي تنشر مقالاته في عدد كبير من الصحف الأمريكية . وتتناول قضايا الإرهاب، والحرية . غرينفيلد الذي أشرنا إلى ما نقله عن جون كيري في الجلسة المغلقة بوزارة الخارجية . هو القائل في سبتمبر/أيلول 2013 إن الجيش تدخل لاستعادة الديمقراطية، وإن احتجازه لمرسي كان لمنع تفشي العنف . وألقى غرينفيلد بنظرة أوسع لنفس المشهد في دول الربيع فقال: كانت مصر وتونس أكبر دولتين منتصرتين نتيجة الربيع العربي . لكن حدث بعد ذلك تخريب لهذا الانتصار . وفي سوريا - مثلما كان الحال في مصر - قام الإخوان المسلمون بإرسال فرق من المتسللين والعملاء الأجانب المتعاونين معهم، إلى سوريا معتمدين على التأييد الغربي لهم . لكن حملة الإخوان فشلت نتيجة تعدد في الاستيلاء على سوريا، نتيجة تعدد أطراف الصراع هناك، وتكاثر حشود الانتحاريين والجهاديين التكفيريين من تنظيم القاعدة والمؤيدين لها الذين دخلوا إلى سوريا مدججين بكميات هائلة من السلاح المتطور .

* (ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة)

حقائق ومعلومات


يقرر غرينفيلد أن تمسك إدارة أوباما بدعم الإخوان كان بقصد استخدامهم للاستيلاء على الربيع العربي في الشرق الأوسط بأكمله .
البروفيسور جوشوا ستاشر - أستاذ العلوم السياسية بجامعة كنت . وعضو بمركز وودرو ويلسون للدراسات الدولية . وخبير في شؤون مصر، وشمال إفريقيا . ومن مؤلفاته: "المرحلة الانتقالية في مصر: في ظل التغيير السياسي والاستمرارية" . في كتابه الأخير: "الحاكم المستبد: قوة النظام في مصر وسوريا" . يقول في كتابه الصادر في إبريل/نيسان 2012: إن الإخوان في مصر اختطفوا ثورة 25 يناير وانحرفوا بها . وخلال وقت طويل قبل الانتفاضات التي شهدتها مصر في عام ،2010 وأوائل ،2011 كان يبدو لي أن تركيز السلطة المبالغ فيه والذي اتسم به حكم مبارك، خاصة في الثلث الأخير من سنوات حكمه، لن يقدر له البقاء بعد رحيل مبارك، حتى ولو خلفه أبنه في الحكم، وكان الناس يتوقعون بعد إسقاط مبارك، أن يعاد توزيع السلطات داخل الدولة، بعيداً عن تركيزها في يد الرئاسة .
ويشير ستاشر إلى أن التوريث كان عنصرا رئيسياً وراء الأحداث التي شهدتها مصر في يناير وفبراير/شباط 2011 . ولكن تحرك النشطاء والليبراليين من الشباب، وكذلك الملايين من أبناء الشعب العاديين إلى قلب المسرح السياسي، والذين وجدوا في أنفسهم الشجاعة، ليصرخوا بأعلى الصوت، معبرين عن غضبهم تجاه سنوات الحكم الاستبدادي، ومعلنين عن حلمهم في الحرية والعدالة الاجتماعية، كل ذلك دفع بالسؤال: من الذي سيستفيد من نتائج هذا التغيير في مصر؟ وظل السؤال معلقاً طوال ثلاث سنوات من دون إجابة، إلى أن جاءت الإجابة على ألسنة الذين هللوا ابتهاجا بما حدث في 3 يوليو/تموز ،2013 واعتبروه إنجازاً يعيد بعث الأحلام التي كانت قد انتعشت في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط ،2011 ثم وئدت باختطاف الإخوان للثورة .
إريك ستيكلبيك، صحفي ومؤلف أمريكي تخصص في قضايا الإرهاب، عمل محللاً في هذه القضايا، في شبكات تلفزيونية عدة، وفي مؤسسات مهتمة بالمسائل القانونية . في كتابه "الإخوان: عدو أمريكا الكبير القادم" (لم يعتمد فقط على الأبحاث، لكنه أهتم بالتنقل بين عدد من عواصم العالم، والتحاور مع كثيرين من المسؤولين والخبراء . وكانت له مناقشات مباشرة مع قيادات بتنظيم الإخوان) . يشرح ستيكلبيك في كتابه، كيف أن إدارة أوباما احتضنت الإخوان بصورة واضحة، ورتبت اجتماعات مع ممثلين لهم يقيمون في أوروبا، وكان لدى إدارة أوباما، إصرار على دعم الإخوان للاستيلاء على السلطة في الشرق الأوسط .

دراسة "وودرو ويلسون"

عندما انطلقت انتفاضات الربيع العربي، بادر قادة دول الغرب بتقديم دعمهم السياسي للإخوان . وهو ما انتهى إلى إسقاط حكومات في المنطقة، واستيلاء الإخوان وحلفائهم على السلطة، في عدد من دول الشرق الأوسط . دراسة مطولة لمعهد وودرو ويلسون، بعنوان "الحكم الاستبدادي في العالم والربيع العربي" توقعت في وقت مبكر عقب ثورة 25 يناير، وصول الإخوان للحكم، وفرضهم نظام حكم استبدادي .
تقول الدراسة: إن اللعبة السياسية في مصر، لا تزال تتحرك بطريقة، نتائجها ليست مؤكدة . ومن السابق لأوانه التكهن بها، إلا أنه لا يمكن استبعاد أن يظهر في مصر، تحت نفوذ وهيمنة الإخوان المسلمين، شكل جديد من الحكم، الذي يأتي عن طريق الانتخابات، وأن يكون نظاماً تدعمه ماكينة سياسية تستخدم القانون، ومؤسسات الدولة، لضمان بقائهم الدائم في الحكم .
إن تفاصيل تمكين الإخوان من الحكم، تطبيقاً للخطة الأمريكية لاختطاف الثورة في مصر، وغيرها من الانتفاضات الشعبية في العالم العربي متعددة ومتشعبة، وهي ليست انطباعات لأشخاص أو متابعين لما كان يجري، لكنها حصيلة بحوث ودراسات ومؤلفات لخبراء ومتخصصين . وقد استخلصت منها بعضاً من دراسات من استخدموا تعبير الاختطاف Hijacking، بالرغم من أن غيرهم أطلقوا على ما فعله الإخوان بالثورة تنفيذاً لخطة أمريكية، تعبيرات أخرى وإن كانت كلها تحمل المعنى نفسه .

38 اجتماعاً لأوباما

خطة اختطاف الثورة في مصر، وبقية انتفاضات الربيع العربي - كما وصفوه - كان يتم إعدادها للتنفيذ منذ يناير/كانون الثاني 2011 . وكانت الخطة تحمل اسم Hijacking of The Arab Spring مع التركيز على مصر بصفة أساسية . كانت بداية وضع الخطة، خلال الثمانية عشر يوماً الأولى في ميدان التحرير من 25 يناير/كانون الثاني وحتى 11 فبراير/شباط . في هذه الفترة الزمنية القصيرة، عقد الرئيس أوباما 38 اجتماعاً مع مساعديه لمناقشة ما يجري في مصر أولاً بأول . وهو ما أحصته تقارير مراكز بحوث أمريكية . المصادر الرسمية في واشنطن أقرت بأنهم فوجئوا بالثورة في مصر بالصورة التي انطلقت بها، وبأهدافها المصرية الخالصة . ووجدوا أنفسهم غير جاهزين للتعامل معها بالشكل الذي تمت به . وتأكد ذلك من توجيه لجنة المخابرات بالكونغرس، اللوم لإدارة أوباما، وللمخابرات المركزية، لفشلها في توقع هذه الأحداث .
أمريكا وجدت نفسها في مأزق، وهو الوصف الذي استخدمه هنري كيسنجر، فكيف توازن بين تأييدها لثورة تنادي بالديمقراطية، وبين مصالحها الاستراتيجية، واحتمال تأثير هذه الثورات في مصالحها . في هذا الوقت كشف عدد من الكتّاب، ومراكز الفكر السياسي، عن سخونة المناقشات الجارية داخل إدارة أوباما، واستدلوا على ذلك بانقسامات تسربت أخبارها في وجهات النظر داخل دائرة مساعدي أوباما ومستشاريه . واعترفت بهذا الانقسام هيلاري كلينتون في كتابها الذي أصدرته في عام ،2014 وعنوانه "الخيارات الصعبة"، وقالت إن إدارة أوباما انقسمت على نفسها في أعقاب ثورات الربيع العربي، وهذه الانقسامات أشار إليها الكاتب نيكولاس كيشن في دراسة بعنوان "تناقضات الهيمنة: أمريكا والربيع العربي"، وقال: لم يحدث أن شهدت مناقشات مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، توتراً، كالذي حدث في المناقشات حول الربيع العربي، والتي بدت كأنها صراع بين وجهات نظر متعارضة ومختلفة، حول المصالح الأمريكية ذات الأهمية الاستراتيجية والحيوية في المنطقة .

نظام بالوكالة في مصر

كانت أمريكا مشغولة بكيفية الخروج من المأزق، وتعددت الخيارات المطروحة، بعضها كان يرجح فكرة تطويع الثورات العربية، عن طريق إعادة صياغة الأوضاع في دولها، بما يضمن عدم خروجها عن طوق السيطرة الأمريكية . أحد الذين تابعوا عن كثب أجندة أوباما لمصر، هو البروفيسور مايكل شوسو فسكي مؤسس ومدير مركز الدراسات الدولية بكندا . ووصف هذه الأجندة، بخطة العمل على اختطاف الثورات Hijack، واستبدل نظام مبارك، برئيس منصاع Compliant . وهو ما تحقق بنظام مرسي الذي وصفه شوسو فسكي بأنه نظام بالوكالة عن أمريكا في مصر .
ويتكشف ذلك في ضوء ما طرحه كيسنجر بعد ذلك في مقال عن سياسة أمريكا بعد الربيع، وقال: إننا نواجه هذا السؤال - هل نحن نقف بعيداً عن التطورات الداخلية في هذه الدول، أم نحن نعمل على تشكيلها؟ كانت هناك مؤشرات على التوجه نحو أجندة الاختطاف:
- صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت في 18-3-،2013 مقالاً كتبه باري روبن قال فيه: الآن نستطيع أن نتأكد من أن دفع أوباما للإخوان نحو السلطة تم باستراتيجيه واعية ومتعمدة .
- "واشنطن بوست" في مارس/آذار ،2011 قالت إن إدارة أوباما تتخذ خطوات، تميز بين مختلف الحركات الإسلامية، أي بين الإخوان، وتنظيم القاعدة . وكانت أمريكا تعرف أن الإخوان سيصلون إلى الحكم .
لكن وصولهم إلى الحكم لم يأت نتيجة جهود ذاتية للإخوان، بل كان للإدارة الأمريكية الدور الأكبر في ممارسة الضغوط، وتهيئة الأوضاع التي تمهد لهم طريق الوصول إلى الحكم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"