محمد رُضا
تواجد المخرج كونتين تارانتينو بفيلمه الجديد «ذات مرة في الغرب» في مهرجان «كان» الأخير، حيث التقينا به.
فيلمه «نوستالجيا» صوّبها في اتجاه هوليوود كمدينة وكسينما. يتعامل من خلالها مع بعض الواقع والكثير من الخيال سارداً حكاية رجلين أحدهما ممثل كانت له نجوميته التي أخذت تنزوي الآن، والثاني بديله في مشاهد الأكشن والقتال. إذا توقف حال الأول توقف حال الثاني. كذلك هناك حكاية الممثلة شارون تايت، تقوم بها روبي مارجو، التي ستلقى بعد ذلك حتفها على أيدي جماعة تشارلز ماسون. على أهمية هذه الخلفية يبقى الاهتمام السائد منحصراً بالممثلين ليوناردو ديكابريو في دور الممثل وبراد بت في دور الدوبلير. هذا الفيلم هو الأول له منذ أربع سنوات عندما أخرج «الثمانية الكارهون» وقبله كان أخرج «دجانجو غير المقيد»، لكن هذين الفيلمين كانا من أفلام الوسترن. أما هنا فالفيلم الحالي ينتمي إلى الستينيات والسبعينيات وثقافة هذين العقدين كما فعل في فيلم أسبق هو «جاكي براون». وخلال السطور القادمة نحاور تارانتينو.
* فيلمك الجديد يدور في الستينيات، فهل هناك علاقة خاصة بينك وبين تلك الفترة؟
- أعتقد أنها علاقة أكثر من شخصية، كنت صبياً في الثامنة أو العاشرة من عمري عندما بدأت أتابع البرامج التلفزيونية وكان الكثير منها بالأبيض والأسود، وعندما كبرت مثلت الستينيات عندي الأرض التي مشيت عليها بعد ذلك. هي دائماً في بالي آخذ منها فني وحبي لما كانت تزخر به من مسلسلات وأفلام وموسيقى. كلها في تراثي وتأثيري.
* هذا كان واضحاً دوماً في أعمالك التي تأثرت بتلك الفترة؟
- أحببت التلقائية في تلك الأفلام. لم أنظر إليها نظرتي إلى الأعمال الفنية وأنا أعلم أن كثيرين كانوا يودون مني لو أني تأثرت بأسماء فنية مشهورة مثل بونييل وجون فورد وفيسكونتي مثلاً، لكن هذه الأفلام الفنية يشاهدها المرء للثقافة لكنه يشاهد الأفلام التجارية المحضة للترفيه والمتعة.
* ماذا عن الحركة الهيبية في الستينيات التي تستوحي منها فيلمك الجديد؟.
- هي ثقافة كانت تحيط بي أينما اتجهت في ذلك الحين. بعض جيران عائلتي كانوا هيبيين. لم يكن أحد منهم بالصورة النمطية التي تظهر في بعض الأفلام لتردي المحافظين، بل أغلبهم كانوا أكثر نظافة بدنية من المحافظين أنفسهم. والكثير منهم كانوا فنانين أو مثقفين في الفن خصوصاً الموسيقى، فهي فترة لا يمكن لي أن أنساها. لقد تشربت بها كثيراً.
* «ذات مرّة في هوليوود» يشبه فيلم «روما» من ناحية معينة؟
- من ناحية أن ذلك الفيلم هو أيضاً عن الذكريات الخاصة بالمخرج، الفرق أنني لست في صدد تقديم فيلم بيوجرافي أكون طرفاً فيه كما الحال مع «روما». أنا في هذا الفيلم استرجع ذاكرتي الشخصية لكن الفيلم ليس عني.
* هذا الفيلم يأخذنا إلى ثلاث حكايات متقاربة. حكاية الممثل وحكاية الدوبلير وحكاية شارون تايت... كيف اشتغلت على فعل التناوب بين هذه الحكايات؟
- ما إن تضع في البال أنك بصدد فيلم ما تبدأ بطرح عدة احتمالات لسبر غور ما تريد من الفيلم أن يحكيه. بالنسبة لهذا الفيلم فإن الطريقة التي عمدت إليها، والتي رأيتها الأكثر تناسباً مع أسلوبي، هو أن أحكي جوانب مختلفة لكل شخصية. هناك الممثل وبديله وهما معاً، ثم هناك أحدهما من دون الآخر، ثم معاً من جديد. ثم هناك حكاية محدودة وخيالية حول شخصية حقيقية هي شخصية شارون تايت زوجة المخرج رومان بولانسكي التي تم ذبحها وأصدقائها في الواقع.
* لكنك لم تشأ أن تتحدث عن حكايتها الفعلية. اقتحام المنزل لم يتم في دارها بل في دار الممثل ريك أو ليوناردو ديكابريو، لماذا؟
- لم أهتم بأن أحكي قصة واقعية، لو صورت ارتكاب جريمة قتل شارون تايت لكنت مضطراً للانتقال من الخيال إلى الواقع. الخيال في شخصيتي الفيلم ريك وكليف ولابد أن تكون الشخصية الثالثة خيالية إلى حد. شعرت أنني لو سردت حكاية مقتلها وضيوفها في تلك الليلة فإن ذلك سيلغي القدر الأكبر من الخيال الذي أسسته حتى الفصل الأخير.
* كيف صوّرت في لوس أنجيليس اليوم بينما يحكي الفيلم عن المدينة سنة 1969؟ هل استخدمت الكثير من التصاميم الإضافية والديكورات؟
- استخدمت بعضها بالطبع. لا ترى سيارات أوروبية كثيرة فيها. لكن أساساً كنت أصور فيما تبقى حاضراً من تاريخ المدينة. لقد تغيرت معالمها كثيراً خلال العقود الماضية وتتغير أكثر الآن، لكن كوني أعرفها تماماً سمح لي أن أقصد الأماكن التي ما زالت قائمة على حالها.
* هل صحيح أنك رغبت بإخراج هذا الفيلم قبل عدة سنوات؟
- نعم.
* ما الذي جعل المشروع ماثلاً في بالك؟
- المشروع كان في بالي منذ بضع سنوات. ويعود اهتمامي إلى أنني دائماً ما فكرت في المصير الذي تعرضت إليه شارون تايت وكيف أثار وقعاً مخيفاً في المدينة وشعوراً بالخسارة الكبيرة لفنانة كانت ما زالت في مطلع الطريق، لكن كل من تعرف اليها أدرك موهبتها. لقد بحثت طويلاً فيما كتب حولها وفيما كتب عن المجرم
* ما الذي يختلف في هذه الجريمة عن سواها من الجرائم التي تقع في أمريكا ؟
- ليس فقط الضحية بل النتاج الجماعي للثقافة المنتشرة آنذاك. فكلما بحثت في هذا الموضوع وقرأت الكتب التي تمت كتابتها عن تشارلز ماسون وما قام به كلما كثرت الأسئلة. كيف استطاع هذا الشخص التأثير في مجموعة كبيرة من الشبان والفتيات؟ ما الذي دفعه لفعل ما قام به؟ هو لم يصفح كثيراً ولا نجح من كتب عنه في دخول عقله بل حاموا حول شخصيته وفعلته.
* في فيلمك نشاهد فصلاً تقع أحداثه في إيطاليا عندما يتوجه ليوناردو ديكابريو إلى هناك لكي يعوض خفوت نجوميته في هوليوود، مثلما حدث واقعياً خلال الستينيات مع بعض النجوم؟
- هذا صحيح. وضع شخصية ديكابريو في هذا الإطار ليس خروجاً عن الواقع تحديداً لهذا السبب الذي ذكرته. غير ايستوود وكليف والاك كان هناك آخرون اتجهوا إلى روما لاستئناف حياتهم الفنية. تستطيع أن تقول إن السينما الإيطالية أنقذت مهنهم الفنية. خذ ايستوود مثلاً. ذهب إلى إيطاليا وهو غير معروف بالمرة ومن يدري ربما لو لم يشترك في ثلاثية سيرجيو ليوني لما استطاع الاستمرار في التمثيل بنجاح لأن حال عودته وجد نفسه قد أصبح نجماً.
* هل الفيلم رسالة حب منك لتاريخك السينمائي؟
- إلى حد. لكني لن أدعي أنني قصدت كل شيء. هذا سيكون سخيفاً مني أن أقوم به. لكن أعتقد أن الفيلم هو مرايا للذات ولا أقصد أن أقول أفلامي فقط. الأفلام بشكل عام هي مرايا للذات تعكس ما في داخل المخرج في الوقت الراهن حتى عندما يريد أن يتحدث عن موضوع تقع أحداثه في فترات ماضية. هي بالفعل مرايا نفسية وزمنية.
* هل مازلت تحب هوليوود؟
- نعم بكل تأكيد، لا ننسى أنها هي العاصمة الدائمة للسينما ومن يعمل فيها لا يحتاج للعمل خارجها. طبعاً لا أقصد أن السينمات الأخرى خصوصاً الأوروبية لا مكان لها في حسباني وفي حسبان الجمهور الكبير. الدليل هنا، مهرجان «كان» الذي من الصعب له أن يقع خارج فرنسا.
* ماذا عن الممثلين ليوناردو ديكابريو وبراد بت. كيف توصلت لاختيارهما معاً؟
- في الأساس هما من أفضل ممثلي عصرنا والعمل معهما متعة بالتأكيد خصوصاً وأنهما يعرفان بعضهما بعضاً سابقاً ووجدت أن كلاً منهما لديه استعداد مدهش للعمل مع الآخر. ولم يسبق لهما أن مثلا في فيلم واحد. لكن الأهم هو ما اعتقدت أنهما سيحملانه معهما إلى الفيلم. واحد عليه أن يمثل دور الممثل وأن يكون صادقاً والآخر عليه أن يمثل دور البديل (الدوبلير) وأن يكون صادقاً وكلاهما يجب أن يكونا متلائمين.
* كيف تختار ممثليك؟
- أختار الممثل بحسب تصوّري قدرته على التشخيص. أحب الشخصيات المختلفة عما نشاهده في الأفلام عادة. هي على شيء من النتوء والاختلاف عن السائد. وأفكر في الممثل الذي سأقوم باختياره وإذا ما كان مناسباً. أيضاً وبصفة رئيسية على الممثل أن يعرف الإلقاء. كثير من الممثلين يمثلون من دون القدرة على تطويع موهبتهم في الأداء لتواكب قدرتهم على النطق. أقصد على تمثيل الحوار. هناك تمثيل الحركة وتمثيل الحوار وعليهما أن يتوازنا جيداً.