يحتار الأهل في المناسبات ما هي أفضل هدية يقدمونها لأطفالهم، ويبحثون بين الألعاب وفي المحلات عن أحدث الأفكار، أو قد يستغلون المناسبة لشراء الملابس والأحذية، لكن نادراً جداً ما يلتفتون إلى عُري العقول، بينما يعتبر الكتاب أفضل هدية يمكننا تقديمها لأطفالنا في أي مناسبة أو لكي نكافئهم على عمل حسن أو سلوك جيد. فهل هناك أجمل من أن تعوّد طفلك على أن يحمل لصديقه، في عيد ميلاده، كتاباً هدية، ليدعوه إلى مشاركته المغامرات الفكرية والدخول إلى عالم الخيال الجميل الذي يغذي العقل ويشبعه من دون أن يصيبه بالتخمة؟ كنز ثري تشتريه لأبنائك بقليل من الدراهم، وميراث قيم تتركه لهم لينهلوا منه طوال العمر.
وإذا فكرنا ملياً بالدعوة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لمشاركة الجمهور في تطوير التعليم، نجد أنه بالإمكان التحرك على أكثر من جبهة لتحقيق التطور، لأن التعليم لا يعني المقاعد الدراسية داخل الصفوف وجدران المدارس فقط، بل يرافق الإنسان في كل مكان يمكن أن يجد فيه كتابا وورقة وقلماً.
هذا المكان يمكن أن يكون بيتاً أو مكتبة أو معرضاً، لاسيما أن معارض الكتب ومهرجانات القراءة كثيرة في الإمارات، وهي مفيدة لأنها تذكر الناس بأهمية الكتاب.
هذا المكان يمكن أن يكون منبراً نقرأ عليه بصوت عال أجمل الروايات لأدباء معروفين وكتاب مغمورين، لكن كتاباتهم جميلة ومهمة ومفيدة، كالمسرح مثلاً. ومن قال إن هذه الخشبة مخصصة للعروض الفنية والتمثيل والحفلات أو بأقصى الحالات لإلقاء الشعر في أمسيات قليلة ومناسبات نادرة؟
في بيروت تقام أمسيات لقراءة شعر وروايات لأدباء معروفين، يلقيها ممثلون معروفون يتميزون بحسن الالقاء والأصوات العذبة، وأشهر من يشارك في القراءة الفنانون نضال الأشقر وجوليا قصار وجوزيف بو نصار.. أما في أوروبا، فالظاهرة بدأت تأخذ بعدا أوسع، وتحولت إلى عروض مجانية لإلقاء النصوص في الأماكن العامة، وخصوصا في المسارح، حيث بات الجمهور يذهب إلى المسرح لمشاهدة أشهر الممثلين يقرأون النصوص الأدبية.
عروض لا تستلزم ديكوراً أو سيناريو أو فريقاً فنياً، بل هي علاقة وتواصل مباشر بين الكاتب والجمهور، وبين صوت الممثل وأدائه الذي يساهم في إيصال الكلمة إلى القلوب وبين المتلقي الذي يستمتع بما يُقرأ له بلا عناء أو مجهود.
فكرة تنتشر خصوصاً في فرنسا وفي أعرق مسارحها، ويتناوب على القراءة فيها نجوم التمثيل الدرامي والمسرحي لا فرق. هي تشبه ما كان يعرف بالحكواتي زمان وبالصالونات الأدبية والثقافية، مع فارق أنها تخصص اليوم لكل الفئات وعلى خشبة مسرح لا في المقاهي أو القصور، وما يقرأ لا يقتصر على الروايات الرومانسية والشعر.
في هذه الظاهرة حل فعلي لأزمتين في آن، الأولى تراجع الإقبال على الكتاب، والثانية تراجع الإقبال على المسرح، وهما مزمنتان في مجتمعاتنا، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن متوسط ما يقرأه الفرد في الوطن العربي لا يتجاوز ست دقائق طوال العام. ولا تكفي المهرجانات لحث المرء وخصوصا الأطفال على القراءة، بل المهم أيضا تهيئة المناخ والكبار قبل الصغار ليعرفوا قيمة الكتاب، والثروة المخبأة في طيات الصفحات، فيخلقوا لغة للتحاور بين العقل والحرف وبين اليد والقلم.