نعت بريطانيا وزعماء العالم رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر التي توفيت يوم الاثنين الماضي في لندن عن عمر يناهز 87 عاماً إثر إصابتها بسكتة دماغية . وكانت هي المرأة الوحيدة التي تولت رئاسة وزراء بريطانيا واشتهرت بقوتها، وقادت حزب المحافظين إلى تحقيق النصر في ثلاثة انتخابات - في الفترة ما بين 1979 إلى 1990 - وهي أطول فترة يمضيها شخص واحد في ذلك المنصب في بريطانيا منذ أوائل القرن التاسع عشر، ثم قادت بلادها ضد الأرجنتين العام 1982 في حرب جزر فوكلاند، وعُدت المدمرة الأولى للاتحاد السوفييتي السابق والمعجّلة بانهيار المعسكر الشرقي . ولكنها بدأت تصارع في السنوات الأخيرة المرض إلى أن باتت عاجزة عن تحريك فنجان الشاي في يدها، وهو ما كان إيذاناً بانطفاء شمعة واحدة من أشهر نساء التاريخ، إذ قالت قبل عامين: إن المرض فعل فيه قضاء على كل فعل .
إن الإنسان قادر على أن يعيش حياته عندما تتعاضد فيها صحة الجسد والروح بعيداً من الدراما السوداء، أما المرض فهو الجمود والمحرض على الفناء، ولكن الإيمان بما هو منظومة قيمية وأخلاقية هو الذي ينمي في الإنسان دوافع الصبر والشجاعة والمثابرة، وهو شعور يقوّي الروح في الجسد، ويمكّنه من تكوين نظرة في الحياة وفي الوجود، والدنيا عندما يتأملها الإنسان يجدها في واقعها أشبه برحلة يقطعها في وقت قصير مساره، نحو رحلته الأبدية التي تعود إلى النهاية الحتمية، وهي حقيقة لا نجهلها ولكننا نتجاهلها .
تمضي السنوات وتنطوي الأعمار، ولم تتسع أعمارنا لحاجتنا، ولم تستوعب أوقاتنا، نحن في دنيانا هذه نملأ أنفسنا آمالاً كبيرة وطموحات واسعة، لكن الدنيا مع اتساعها، فإنها لا تستوعب كل أحلامنا، ذلك أن الوقت يمضي بأسرع مما نتصور، ويجري أكثر مما نقدر، فطعم الموت واحد، لكن نتائجه على الحي مختلفة ومتباينة، وهكذا شاهد العالم كيف تعاملت الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة مع الفناء والعدم، واستجابت إلى تأثيرات وقائع الموت، والاستعداد لوداع الدنيا عندما أشرفت بنفسها على تنظيم بروفات لجنازتها، خلال وجود عدد كبير من رؤساء الدول، وقادة الكومنولث في لندن، وتعد فترة حكمها ثاني أطول فترة حكم لملك أو ملكة بريطانية . وقد احتفلت الملكة، العام الماضي، باليوبيل الماسي لاعتلائها العرش، حيث مضى على جلوسها ستون سنة . وخلال فترة حكمها الطويلة تمكنت ملكة بريطانيا من تخطي عتبات تاريخية مهمة، وهي اليوم على أبواب تخطي مرحلة أخرى، ستجعلها تحتل المرتبة الثانية بين ملوك بريطانيا، بعد أن تخطت طول عهد الملك جورج الثالث الذي توفي العام 1820 بعد فترة حكم امتدت 59 سنة .
تحتل مسألة الحياة مكانة مهمة في الفكر الغربي منذ أقدم العصور، فالنصوص السنسكريتية تشير إلى أن الإنسان وحده، من بين المخلوقات الحية يعرف أن عليه أن يحيا ليعمر الكون، بالرغم من التحديات التي رسمت نفسها أمام الإنسان، وهي الألم والمرض والشيخوخة والموت . وقد اهتمت الأنثروبولوجيا أساساً بالإنسان عامة، لكونه مختلفاً عن الكائنات الأخرى، ووجدت أن الإنسان البدائي كان يرى الفناء والاندثار هو المصير المحتم لكل عناء، ولقي الوجود الإنساني تعبيراً في الفكر اليوناني، إذ اعتبر سقراط أن فناء الإنسان قد يكون خيراً من الحياة، وأن الفناء انعتاق وتحرير للنفس من قيود الجسد . في حين آمن أرسطو بخلود العقل، لكونه العنصر الوحيد في الإنسان الذي لا يفنى . وفي العهد القديم كان الإيمان بالخالق، هو الذي جلب العزاء في مواجهة الفناء، وأما في العهد الجديد، فكان بعث الموتى في يوم الدينونة، أو القيامة، بمنزلة العزاء للنفس البشرية . ولكن مع انهيار السيادة المطلقة للمسيحية في الفكر الغربي، إثر إحياء التفكير العقلي المنطقي في عصر النهضة، فإنه سمح للإنسان بأن يصل من الأحداث العديدة التي استطاع أن يلاحظها إلى قواعد عامة، لمعنى الوجود الإنساني في الشمول الكلي للوجود، ورغم أن الإنسان عابر في رحلة الحياة، فإن عظمته تتمثل في تقبله وضعه الإنساني بحس المسؤولية، وبقوة الشخصية في مواجهة نوائب الدهر، وشعوره باحترام عميق للذات، والتزامه بالخير نحو أخيه الإنسان . أما الفرد ذو النزعة الأنوية الذاتية الذي يهتم بجعل العالم ملكاً له، فهو يعيش من أجل ذاته ووجوده فقط، فما جربه بالفعل خلال حياته، يوظفه في أفعاله ومضامينها، وقد يضل السبيل رغم ما يمتلك من تجربة واسعة ودلالات وبراهين كامله على دوره، لكون الحياة مملوءة بالآلام، ويستعصي على العقول كشف ماهية تآكل خلايا الإنسان، وتوقف الزمن مع قبضة الموت، واهتراء الخلايا الذي يؤدي إلى العجز والتآكل . ولكن الأديان قد حددت أن أفضل ما بعد الحياة الدنيا هو الخلود في الآخرة، حيث لا يكون المرء سعيداً إلا بقدر اقترابه من الحياة التي يبدعها جوهر الهيولى والذي يعد بمنزلة العبقرية الملهمة للإنسان، مع قوة الدفع الكامنة وراء الحراك الفكري، حيث يتداخل اليقين مع العقل الذي يفرز ترياقاً مستمداً من أصول الأديان والمعارف والعلوم، للتصالح مع حتمية القضايا، والوصول إلى غاية الحياة بدرجات متباينة، واكتساب الحكمة التي تعين الإنسان على الفهم الموضوعي لطبيعة الموت، والخواء التام والخلو من التعيّن والمضمون والانتقال من الوجود إلى العدم، والعدم إنما يتحقق في السيرورة، فإن السيرورة هي التجلّي الأول لفاعلية الفعل بعد انتهاء الإمكانيات وبلوغها حد النضج والكمال، كما يقال عن ثمرة من الثمار إنها بلغت نهايتها بمعنى نضجها واستنفاد إمكانات نموها، ويعني فناءها، ففي الفناء يتكشف الحب المطلق الذي يجعل الخلود صفة حاضرة في الروح .
وإذ تأملنا هذه الصورة التي رسمتها النزعة الإيمانية، بمنظر تتجلى فيه العقلانية، في الحياة المطابقة لمعايير العقل، وغايته للوصول إلى نظرة كلية من خلال تطوير نظرتنا إلى الموت واستيعابه كحقيقة قائمة، فهل نتوقف لحظات مع هذه الإشراقة؟