«أصدقائي الأعزاء، أرجو أن تتذكروا العنوان: «الدون الهادئ» وتتذكروا اسم المؤلف «ميخائيل شولوخوف» وهذه كلمتي لكم: «عن قريب سيكون هذا العمل مشهوراً في روسيا كلها، وبعد سنتين أو ثلاث في العالم أجمع».
هذا ما أعلنه «سيرافيموفيتش» رئيس تحرير مجلة «أكتوبر» أمام جمع من الكتّاب الأجانب، بعد أن وضع أمامهم مجموعة كبيرة من الأوراق المكتوبة على الآلة الكاتبة، وهذا ما حدث بالفعل، ففي نهاية عام 1928 كانت الرواية قد نشرت مسلسلة، ثم صدر المجلد الأول منها في كتاب، لقي اهتمام النقاد والقراء على السواء، ولم ينقض سوى عامين حتى ترجم المجلد الأول من الرواية إلى عدد كبير من لغات العالم.
كان ميخائيل شولوخوف في الثالثة والعشرين من عمره، عندما صدر المجلد الأول من روايته، وكان يعمل في أكثر من مهنة: معلم في مدرسة للفلاحين، كاتب مسجل في مكتب تخزين، وهذه المهن وغيرها تركت أعمق الأثر في ذاكرة الكاتب القادم، وعندما ظهر المجلد الأول من«الدون الهادئ» كان ذلك حدثاً كبيراً للأدب السوفييتي بأسره.
في الرواية انفتح شولوخوف على إقليم الدون، الذي صار مقرونا باسمه، بعد أن كان يقترن بالبلبلة والقلاقل، فمنطقة القوزاق خرج منها الأحرار الثائرون في القرن الخامس عشر على دولة الأقنان الروسية، إنهم أحفاد أولئك العبيد الهاربين المتمردين، إنهم أيضاً أولئك الذين كانوا يجلدون الطلبة بالسياط في العهد القيصري، ويفرقون تظاهرات الأول من مايو (أيار) والذين أغرقوا بالدم ثورة 1905.
أي ناس هؤلاء القوزاق، من هم في واقع الحال؟ الرواية تجيب عن السؤال، وقد جعلها شولوخوف ذات قيمة هائلة للمؤرخ والمختص في الاقتصاد والسياسي، والفيلسوف وعالم الاجتماع، ومع ذلك ـ كما تقول مقدمة الترجمة العربية للرواية والصادرة عن دار رادوغا موسكو ـ فإن كشف الفنان الكبير للنفس الإنسانية هو أعلى من كل الحقائق الأخرى، إن المعرفة بالقوزاق، هي وحدها التي تتيح لنا أن نفهم لماذا كان من الممكن أن ينشأ، تحت سقف بيت واحد، أشخاص متباينون، فـ «الدون الهادئ» يقص بلغة الفن عن انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا.
يبين لنا كيف تستحوذ عملية الثورة على الإنسان، مهما كان موقفه منها، فالبعض يتصور أن «الدون الهادئ» تظهر اصطفاف القوى الطبقية في الثورة والحرب الأهلية، وأن المؤلف يجيب عن السؤال: كيف تصرف الفلاحون متوسطو الحال والذين ترتبط بهم دائما إحدى اللحظات في أية ثورة شعبية؟
عبر 600 شخصية تدور الرواية، لكن البطل يعتبر الشعب كله متجسداً في القوزاق، لم يكن يرى شعباً خارجه، لم يفهم عذابات روسيا، ففي كل ثورة، يوجد دائماً أناس يحاولون خداع أنفسهم، بفكرة الحياد السياسي، التي قادت الناس إلى حافة الهاوية، فالرواية تدحض إمكانية وجود طريق ثالث للثورة، هذه الفكرة ثمنها موت البطل وجميع المحيطين به.
«الدون الهادئ» لوحة تاريخية هائلة، تندلع خلالها عاصفة الثورة، وتجري الأحداث على مساحة هائلة من بطرسبورج إلى قرية الدون، التي صارت مسرحاً لواحدة من أخطر معارك الثورة، وفي كل الأحوال هناك عناية من المؤلف بكل ما يقع في مدى نظره، عناية بالتحولات المفاجئة، وباليومي الاعتيادي المعيشي، وبالتفاصيل الصغيرة، فالقارئ يعيش دون أن يدري أحاسيس البطل، وينظر بعينه إلى ما يحيطه.
ذات مرة تحدث شولوخوف مع أدباء فرنسيين قائلا:«يهمني الناس الذين تستحوذهم الفورات الاجتماعية والوطنية، إذ يبدو لي أن شخصياتهم تتبلور في هذه اللحظات» ويمكن للمرء أن يسمع من صفحات «الدون الهادئ» ذلك النداء الداعي إلى تذكر الإنسان دائما في كل الأزمنة، وفي أية هزات وتغيرات اجتماعية عالمية.
في حفل تسلم جائزة «نوبل» كان على شولوخوف (1905-1984) أن يلقي كلمة، فقال: «أود أن تساعد كتبي الناس، ليكونوا أحسن، وأنقى روحاً، وتوقظ الحب نحو الإنسان، والسعي إلى النضال الناشط في سبيل مثل هذه الروح الإنسانية، وتقدم البشرية».
عادي
ظل نوبل
«الدون الهادئ».. 600 شخصية في رواية
23 أبريل 2016
04:51 صباحا
قراءة
3
دقائق
القاهرة: «الخليج»