الثورة الدستورية التركية في مواجهة العسكر

04:51 صباحا
قراءة 3 دقائق

تقف تركيا هذه الأيام أمام ساعة استحقاق جدية . فالمشكلة التي أطلقها تجاوز المجلس الأعلى للقضاء صلاحياته وانحيازه لأحد القضاة ضد آخر كان القشة التي قصمت ظهر البعير .

فتركيا تجاهد على يد حزب العدالة والتنمية وكل القوى الديمقراطية لتكون دولة حقوقية وذات حريات وديمقراطية كاملة غير منقوصة .

ويحاول معارضو هذه العناوين تعطيل مسيرة الإصلاح التي حقق فيها حزب العدالة والتنمية إنجازات ملحوظة لكنها لا تزال غير كافية . لقد نجح حزب العدالة والتنمية في تفكيك بعض ركائز الدولة العميقة للطغم العسكرية والتعليمية والقضائية والإعلامية والاقتصادية التي استبدت بتركيا على امتداد عقود .

ورغم تغير الظروف المحلية والدولية منذ انتهاء الحرب الباردة حتى الآن لا يزال أركان الدولة العميقة التي تتصدع يحلمون بوهم إعادة عقارب الساعة الى الوراء .

الاعتقالات التي طالت قادة سابقين للقوات التركية قارب عددهم الخمسين جنرالاً كبيراً وصغيراً بتهمة التخطيط لانقلابات عسكرية أثارت غيرة وحمية وعصبية رئاسة أركان الجيش التركي وأكدت أن الإصلاح ليس فقط القضائي، بل الشامل هو أكثر من ضرورة الآن قبل الغد .

مذكرات قضائية واعتقالات ومحاكمات تنتظر لفظ حكم القضاء فيها تستثير غضب المؤسسة العسكرية .

ولقد سقطت هذه المؤسسة في امتحان العدالة، عندما دافعت عن جنرالات كانوا يريدون اتباع أساليب إرهابية للإطاحة بسلطة منتخبة .

الوضع يشبه كثيراً جداً ما كان قائماً في دول أوروبية حكمتها طغم عسكرية ولكنها تخلصت منها مرة واحدة والى الأبد مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال .

وبعد التخلص من الدكتاتوريات العسكرية في هذه الدول من يسمع بتصريح فيها لمسؤول عسكري؟

أما في تركيا فلا يزال الرأي العام ينتظر اجتماع مجلس الأمن القومي كما لو أنه حدث استثنائي وفي ضوئه يتحدد مصير البلاد والعباد . ولا يزال الرأي العام يسمع يومياً تصريحاً من هنا وحركة من هناك لقائد عسكري . وتقوم في إثرها سجالات ونقاشات لا تنتهي، إذ لا تزال ذهنية الاستبداد العسكري قائمة في تركيا ولم تنته رغم كل الإصلاحات .

بعد اعتقال قادة سابقين للجيش دعا رئيس الأركان الجنرال باشبوغ الى اجتماع شامل وطارئ لجميع الضباط من ذوي الرتب الكبيرة . اجتماع من أجل مناقشة مسألة قضائية . ولماذا لا ينتظر الجيش التحقيق القضائي؟ وهل تخشى القيادة الحالية من تطور الأوضاع الى درجة تكشف حتى تورط القيادة الحالية بمخططات غير قانونية؟ ولماذا يتدخل الجيش في عمل القضاء؟

ان اجتماع الجيش على هذا المستوى قدّم صورة لا تليق بتركيا المتقدمة على طريق الديمقراطية . واذا كان الجيش يغضب ويعترض على خطوات قضائية بحق قادة متقاعدين متورطين في قضايا إرهابية، فما هو بفاعل إذا حاولت الحكومة تعديل قانون المهام الداخلية للجيش وفي مادته رقم 35 التي تعطي الجيش الحق بالتدخل العسكري لحماية النظام العلماني والجمهورية؟

لقد نجح حزب العدالة والتنمية في تقديم صورة حديثة لتركيا تجعل من محاولة الجيش التفكير في انقلابات عسكرية أمراً صعباً . غير أن طبيعة التحركات السياسية للمؤسسة العسكري تظهر كم أن هذه المؤسسة لم تتعلم الدرس ولم تلتقط سر تقدم الأمم الغربية المتمثل في الحريات والديمقراطية والمحاسبة والمساءلة .

وعندما يحاول الجيش التركي منع المحاسبة عمن انتهك شرف الواجب العسكري والوطني، فهو مؤشر على أن تركيا لم تدخل بعد برّ الأمان، وأن أمامها الكثير لتغيير

ذهنية الاستبداد . وهي ذهنية لا تكترث،

وهي لم تكترث يوماً، لرأي الشعب

ومدى جماهيرية الحزب الحاكم . ذهنية لم تتردد في العام 1960 في الإطاحة بزعيم الحزب الديمقراطي عدنان مندريس، وكان أيضاً رئيساً للحكومة ومن ثم شنقه رغم الجماهيرية التي كانت تؤيده وأوصلته بمفرده الى السلطة .

لا يغيب بالطبع عن بال قادة حزب العدالة والتنمية بمن فيهم رئيس الجمهورية عبدالله غول هذا الواقع المعقد وكيفية مواجهته، لكن معالجة الوضع الخطير الحالي تحتاج الى أكثر من تسويات مؤقتة، تحتاج الى ثورة دستورية تحبط أي انقلاب عسكري قد يفكر به الجيش في لحظة جنون .

عن الكاتب

باحث ومؤرخ متخصص في الشؤون التركية .. أستاذ التاريخ واللغة التركية في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.. له أكثر من 20 مؤلفاً وعدد من الأبحاث والمقالات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"