جاء قرار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في 2/8/2010 بتشكيل لجنة تقصي الحقائق برئاسة رئيس وزراء نيوزيلندة السابق وعضوية كل من تركيا وإسرائيل للتحقيق في حادثة الهجوم الإسرائيلي على سفينة الحرية، بعد فترة وجيزة من إعلان مجلس حقوق الإنسان في جنيف عن تشكيل لجنة للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي الناجمة عن الاعتداء على تلك السفينة التي كانت محملة بمساعدات إنسانية الى قطاع غزة، وتتكون اللجنة من ثلاثة قضاة؛ كارل هدسون من ترينداد وتوباغو، وديسموند دو سيلفا من بريطانيا، وشانثي ديريام من ماليزيا . ودعا رئيس مجلس حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى التعاون مع هذه اللجنة، مشيراً إلى أن استقلالية هذه اللجنة الدولية ستكرس لدراسة الأحداث التي تعرضت لها السفينة .
هذه الأحداث التي أبكت القلوب بصمت وأدمعت العيون بخجل، وهي تتابع النهاية المؤلمة لسفينة الحرية التي كانت تسير في عمق البحر بأمواجه المتلاطمة وامتداده، ولم يوهن المتضامنون حتى لو عصفت بهم رياح السياسة مع ركض الأقدار وبياض الرحيل ومسافات العواصف والرياح، فالبدر لا يطلع الإ اذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام، فقد كانوا يعانقون زرقة البحر وتجمعوا على متنها كلوحة تمازجت فيها الألوان والأجناس يرددون أغنية الأمل، ويعزفون شوقاً من أجل الوصول إلى الشاطىء، ولكن عندما أخذت الشمس تريق من مائها الأصفر نحو المغيب وأخذت وجها أحمراً قاتماً تأذن السفينة إلى بحار غزة، توقفت الطيور المحلقة عن تغريدها، وأدت إلى السكون المطبق بينما الأسماك تمارس عشق بعضها وينمو في داخلها تمرداً للطفو حتى نزل غربان الليل الإسرائيليون بحراً وجواً فوق السفينة وقاموا بإطلاق الرصاص المطاطي والرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع على الركاب العزل في 31 مايو/أيار الماضي . وفارق الحياة عدد من النشطاء من جنسيات مختلفة، واستقرت الرحلة على شاطىء الموت، والنهاية الأبدية من قبضة الفناء إلى عتبة الخلود فتساقط الدم والدموع وامتزجا برذاذ الموج . وقال أحد الركاب من المتضامنين الأتراك إننا لا نخاف الموت من حيث كونه الدافع للحرية بل أيضاً نحو الخير وطهارة المبدأ الذي يعد القاعدة العليا لاختيار الحرية بواسطة الأفعال المتعلقة بكل عمل انساني والنية الأخلاقية بكل طهارتها، وهو الواجب العام للإنسانية والمثل الأعلى للكمال الأخلاقي في الإنسان .
ثم أضاف ادوارد بيك، سفير أمريكي سابق، الذي تجاوز عمره ال 80 عاماً إنه عندما شاهد شابة فلسطينية يجذبها جندي إسرائيلي من شعرها أحس بالحزن والألم وبحالة العجز التي يعيشها العالم عن مساعدة سكان غزة، ولذلك شاركت مع المتضامنين في قافلة الحرية . أما الأتراك الذين ماتوا فكانوا مؤمنين بأن هناك جوهراً وروحاً للخير في هذا الكون وهو الشرف، فالشرف في أبسط أشكاله هو حماية الضعفاء بما فيهم الطفل الفلسطيني المسكين الذي لا يجد ما يأكل والمريض في غزة الذي لا يجد ما يتدواى به، والأسرة التي لا عائل لها، وكل هؤلاء يحتاجون إلى المعونة والتضحية لسد حاجاتهم فمساعدتهم وسد عوزهم والأخذ بيدهم ضرب من ضروب الشرف، فشريف من يتنازل عن بعض ماله لمساعدة هؤلاء المنكوبين، والشرفاء من يؤسسون جمعيات ينفقون عليها من مالهم وعقولهم وأرواحهم لرفع البؤس والظلم عن البائسين في غزة حتى يعيشوا حياتهم بصورة تحفظ لهم إنسانيتهم .
لقد مات 12 من الأتراك عندما عرفوا أن وراء الموت حياة لا تكاد تنتهي وما هذه الدنيا إلا طريق، وواقع الموت يشهد بأنه لا مقياس له ولا ارتباط بزمان فهو لا يتوقف على عمر ولا على سبب مرئي، فقانون الموت هو اللاقانون من حيث الزمان والمكان، ولهذا فإن إيماننا بأن الموت نهاية كل حي ومصير كل ذي روح، فليس له وقت يعرف ولا مكان يحدد حيث يمكن أن يأتي من كل حدب وصوب في كل لحظة، وفي أي وقت موضع أو مكان لا يعلمه إلا مقدر الآجال، لذلك أدرك شهداء قافلة الحرية أن الموت ليس ذلك المجهول الذي يبث الخوف والرهبة في النفوس، ولكنه قضاء الله وحكمته في أن يعيش الإنسان عمراً زائلاً في الدنيا ثم يعيش عمراً خالداً في الآخرة، لذلك ضحوا بأرواحهم في سبيل العدالة والحق وارتقت نفوسهم للتضحية العظيمة بالنفس والمال من أجل أن يتحقق الإيمان وتنطلق الحرية من الدرجات الدنيا إلى درجات أرقى من الكمال، ويؤدي به ذلك إلى التسليم بالخلود وإثبات امكانية السعادة المتناسبة، وتلك الأخلاق في عالم يجري فيه كل شيء وفقاً لأمنية هذا الفرد وإرادته، المرتكزة على تناغم الطبيعة الفوزيقية (المادية) وغاياته بأكملها .
إن احترام المثل الأخلاقية هو الدافع الوحيد وغير المشكوك في أمره، ويقوم القانون الأخلاقي بتعيين الإرادة بصورة موضوعية في الحكم، والحرية التي يمكن للقانون أن يعين سببيتها تنحصر مهمتها في تقييد جميع الميول، وكبح فاعلية الذات مما يؤدي إلى إذلال التقدير الذاتي ليصبح بالتالي قانوناً للواجب، ولذا فإن مفهوم الواجب يتطلب من الفعل أن يكون موضوعياً ومتفقاً مع القانون ومدركاً لإذعان الإرادة الحرة للقانون الأخلاقي، والذي احترامه يجعل الخير هدفاً للجهود الإنسانية وموضوعاً لها وذلك لأن الفرد هو الذات للقانون الأخلاقي المستند إلى الإرادة الحرة والإيمان المطلق، في حين يعتبر التعصب تجاوزاً متعمداً ومقصوداً لحدود العقل البشري من حيث إنه يحظر على الأفراد أن يضعوا المبدأ الذاتي المعين للأفعال الصحيحة، أي الدافع الأخلاقي لهذه الأفعال .
وسيستمر شرفاء العالم الذين يحترمون المثل الأخلاقية العليا في إرسال القوافل إلى أهالي القطاع رغم التهديدات الإسرائيلية في محاولة لكسر الحصار الجائر الذي لا يرتكز على أي سند قانوني باعتراف شعوب العالم، وذلك لدعمهم مادياً ومعنوياً بالدواء والغذاء والموقف والتضامن مع المحاصرين الذين تحولت حياتهم اليومية إلى جحيم لا يطاق .
كاتب من الإمارات