د.إدريس لكريني
عندما كانت البلدان المغاربية ترزح تحت نير الاستعمار الغربي، برزت نخب مغاربية لم تكتفِ بتنسيق الجهود لأجل مواجهة المحتل والمرافعة لأجل تحقيق الاستقلال، بل انخرطت في رسم معالم مستقبل المنطقة، وعياً منها بأهمية الوحدة المغاربية والاندماج والتكامل في مواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الداخلية، والتصدي لعدد من التهديدات الخارجية.
وهكذا، بدأت أولى الخطوات المتصلة ببناء اتحاد مغاربي في منتصف القرن الماضي (عام 1947) خلال اجتماع ضمّ عدداً من قادة المقاومة المغاربيين في القاهرة، وتعززت هذه المحاولات باللقاء المهم الذي انعقد بمدينة طنجة (شمال المغرب) سنة 1958 والذي ضمّ عدداً من الأحزاب الوطنية المغاربية (جبهة التحرير الوطني الجزائري، والحزب الحرّ الدستوري من تونس وحزب الاستقلال من المغرب) مثّل فرصة لوضع الأسس والمبادئ الأولى لبناء الاتحاد، وهو ما مهّد الطريق لإحداث اللجنة الاستشارية للمغرب العربي سنة 1964 التي حرصت على إعداد الأجواء المناسبة لتعزيز التنسيق والتعاون بين دول المنطقة في مختلف المجالات.
وقد توّجت هذه المبادرات بإبرام معاهدة اتحاد المغرب العربي بتاريخ 17 فبراير/ شباط لعام 1989، التي خلفت أصداء واسعة من التفاؤل في أوساط شعوب المنطقة. غير أن مسار الاتحاد سيشهد صعوبات كبيرة، مما جعل الحصيلة محبطة ودون مستوى التحديات والتطلعات.
فقد مرّت ثلاثون سنة على إغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر، وهو ما كلّف البلدين والمنطقة هدر الكثير من الإمكانيات والفرص، ورغم كل هذه الصعوبات والإكراهات، ظلت هناك نخب مثقفة في تونس والجزائر وموريتانيا وليبيا والمغرب ترافع بفكرها من أجل تجاوز الخلافات وتعميق التعاون الاقتصادي والتواصل الإنساني بين هذه البلدان..
قبل أيام رحل عن دنيانا الدكتور المختار بنعبدلاوي أستاذ الفلسفة السياسية سابقاً بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهو الرئيس المؤسس لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى)، ومنسق المنتدى المغاربي الذي احتضن عدداً كبيراً من اللقاءات التي مثّلت إطاراً لمناقشة عدد من القضايا المغاربية. وهو من النخب المثقفة المغربية الأكثر تشبتاً بالمشروع المغاربي، وأشد المدافعين عنه، سواء من خلال كتاباته ومحاضراته الأكاديمية، أو عبر الفعاليات المدنية التي كان يشرف على تنظيمها.
كان الراحل مؤمناً بقدرات الشباب، الذين استأثروا بمسؤوليات عدة داخل المركز، وضمن مختلف اللقاءات الفكرية التي يحتضنها، سواء تعلّق الأمر بإعلاميين وطلبة باحثين أو ممثلي هيئات حزبية ومدنية في سياق ضمان الاستمرارية للحلم المغاربي.
تعرفت على الفقيد قبل عشر سنوات، كانت كفيلة بتوطيد العلاقات الإنسانية والفكرية بيننا، حيث شاركت بدعوة منه في عدد من المنتديات المغاربية التي تناولت مواضيع إقليمية حارقة، كالسبل الممكنة للتجاوز الأزمة المغاربية ودور النخب المغاربية في هذا الصدد.
رغم الصعوبات الصحية؛ لم يتردّد الدكتور بنعبدلاوي قطّ في تلبية دعواتي له للمشاركة في لقاءات علمية نظمت بمراكش في إطار منظمة العمل المغاربي، ففي بداية عام 2017 قدم مداخلة استشرافية مهمة ضمن أشغال مؤتمر حول «المشترك المغاربي»، أكّد فيها أن المنطقة تمرّ بمرحلة مصيرية وحبلى بالتحديات، تفرض التكتل والتنسيق، مضيفاً أن غياب الاتحاد المغاربي سيفتح المجال لبروز هويات فرعية هدّامة، كما دعا إلى إحداث قوات مغاربية تساعد ليبيا على الخروج من أزمتها الأمنية.
وفي عام 2022 شارك بمحاضرة قيّمة ضمن لقاء آخر أقامته المنظمة حول «الإعلام والمشترك المغاربي»، تناول فها المراحل التي مرّ بها الاتحاد المغاربي، من قبيل مرحلة فقدان الثقة بين دول الجزائر وتونس والمغرب، ومرحلة التموقع الإيديولوجي واتساع هوة الخلاف بين الدول المغاربية.
حرص الدكتور المختار على حضور عدد من المثقفين والفاعلين من البلدان المغاربية الخمس ضمن اللقاءات العلمية التي يقيمها «مركز مدى»، وعلى تشبيك العلاقات بين الهيئات المدنية المغاربية لأجل الضغط والمرافعة بشأن الدفع بعجلة المغرب الكبير، وهو ما تجسد في إطلاق بلاغ مشترك في عام 2022 لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى)، والمركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية، ومنظمة العمل المغاربي، والمركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، والمركز المغاربي للإعلام والديمقراطية، ومنتدى مبادرات المجموعات الاقتصادية بالمغرب الكبير، وجمعية البحوث والدراسات من أجل الاتحاد المغاربي، تمت الدعوة فيه إلى وضع حدّ لحالة الهدر المغاربي، والتأكيد على أهمية التكامل الاقتصادي والتنسيق البيني، وتحصين المنطقة من النزاعات، وتحويل الصعوبات القائمة إلى فرص حقيقية للتنسيق والتعاون وبناء الثقة، بمساهمة الفاعلين في المجال الاقتصادي والإعلامي والمدني..
[email protected]