عادي
تجسيد واضح لتحقيق مجتمع المعرفة

«بهية».. مستقبل الثقافة الرقمية في مصر

00:02 صباحا
قراءة 4 دقائق

يدرك المهندس زياد عبد التواب والدكتور محمد خليف أن طه حسين في كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» كان يقدم رؤية شاملة لطبيعة الثقافة المصرية ودورها في بناء مجتمع حديث، كان طموحه أن يرى مصر منفتحة على الحضارة الغربية، مع التمسك بجذورها وهويتها الوطنية وكان يشدد على أهمية التعليم بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق هذا التوازن، معتبراً أنه الوسيلة لتحرير العقول وإرساء مجتمع ديمقراطي قادر على مواجهة تحديات العصر.
في كتابهما «بهية.. مستقبل الثقافة الرقمية في مصر» ينظر خليف وعبد التواب إلى أفكار طه حسين من منظور العصر الرقمي وطفرة الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أن رؤية العميد لا تزال ملهمة ويمكن إعادة تفسيرها وتطويرها لتتناسب مع التحولات التكنولوجية المعاصرة، فالتعليم والثقافة كما دعا إليهما يمكن أن يصبحا من أدوات التحرر الرقمي وتعزيز الهوية الثقافية في مواجهة العولمة الرقمية.
على هذا فإن كتاب «مستقبل الثقافة الرقمية» الصادر عن بتانة للنشر، يدعو إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، لأنه يمكن أن يسهم في تحسين جودة المحتوى وتخصيص التجربة التعليمية بما يتماشى مع احتياجات كل طالب، كما يجب أن تمنح الأجيال الجديدة المهارات الرقمية والثقافة الرقمية اللازمة للتفاعل مع البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني، هذا التحول –كما يرى الكتاب– لا يهدف فقط إلى رفع كفاءة الطلاب، بل يسهم أيضاً في سد الفجوة الرقمية وتعزيز المساواة في الوصول إلى المعرفة.
يشير الكتاب إلى أن طه حسين حذر من ذوبان الهوية الثقافية في محيط الحضارات الأخرى ودعا إلى توازن دقيق بين الانفتاح على العالم والتمسك بالأصالة وفي العصر الرقمي تواجه الثقافة المصرية تحديات جديدة نتيجة تأثير العولمة الرقمية، ما يستدعي تعزيز المحتوى الرقمي المحلي باللغة العربية وإنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي تراعي السياق الثقافي المصري، كما ينبغي تطوير منصات رقمية تعنى بنقل التراث المصري وتوثيقه بطرق تفاعلية تضمن بقاءه حيويا للأجيال القادمة.
مع التوغل في الزمن داخل عصر المعلومات، يوضح الكتاب أن من أنشأ هذه العوالم الافتراضية لم يخطر على باله أن يأتي زمن يستطيع فيه الفرد أن يتعلم وأن يعمل وأن يتواصل وأن يطلع على الثقافات والإبداعات البشرية المختلفة وأن يجري عمليات تجارية عابرة للقارات وهو قابع في مكانه وأن يتاح له الاطلاع على كل هذا الكم من المعارف والخبرات وأن يصل في مراحل العصر الحالية إلى التواصل مع الآلة تواصلا فكريا وإنسانياً قد يغنيه في المستقبل عن التواصل البشري التقليدي، ومع ما لهذا من سلبيات، فإن هذا العصر قد أتاح ظهور مفاهيم جديد مرتبطة بهذه الأنماط المستحدثة.
يوضح الكتاب أن مفهوم «الثقافة الرقمية» يمكن أن يؤخذ على محملين أولهما ثقافة الإبحار في العالم الرقمي واستخدام أدواته بفعالية في كل المجالات، ومثال على ذلك الانتقال من ثقافة البيع والشراء بالنقد التقليدي إلى ثقافة البيع والشراء وإجراء المعاملات المالية باستخدام كروت الائتمان البلاستيكية أو المحافظ الإلكترونية وهذا التحول في ثقافة أسلوب الاستخدام ربما مرت به الأجيال ما قبل «جيل زد» ذلك الجيل الذي تفتحت عيناه على الحياة فوجد الإنترنت والهواتف المحمولة في انتظاره مقارنة بالأجيال ما قبل ذلك، الذين أمضوا فترة من حياتهم في العالم التقليدي.

صورة رقمية


يرى الكتاب أن المحمل الثاني لمعنى مصطلح الثقافة الرقمية هو تحويل المحتوى الثقافي التقليدي إلى صورة إلكترونية أو رقمية، إذا نشر وأتيح وتبودل من خلال تقنيات الاتصالات الحديثة، كما يشمل المحتوى الثقافي الجديد الذي ينتج بواسطة تلك الأدوات ولا يوجد له مقابل في العالم المادي مثل الأعمال الثقافية والفنية الرقمية، كالكتاب الرقمي والفنون التشكيلية الرقمية والمقطوعات الموسيقية التي يكون إنتاجها بواسطة تلك الأدوات الرقمية، أي أن الثقافة الرقمية تعنى برقمنة المنتج الثقافي التقليدي وكذا استحداث أنماط ومنتجات ثقافية رقمية بالكامل، لا يوجد لها انعكاس في الواقع المادي الملموس ولا يقتصر المفهوم على مجرد التحويل إلى صورة رقمية، بل يشمل أيضا أساليب الإتاحة لتلك المعارف وتبادلها بين المستخدمين بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية وهو ما يتيح ويسهم بصورة كبيرة في تحقيق العدالة الثقافية، وزيادة نطاق اختيارات التنوع الثقافي، مقارنة بالأساليب التقليدية القديمة وما بها من قيود جغرافية أو مادية أو لغوية أو غير ذلك من القيود.
يشير الكتاب إلى أن الثقافة الرقمية تعتبر تجسيداً واضحاً لتحقيق مجتمع المعرفة الذي حاولت البشرية الوصول إليه في السابق عبر الأدوات المتاحة والمحدودة التي لا يمكن مقارنتها بالإمكانات التكنولوجية الحالية، فعلى سبيل المثال يستطيع المهتم بالشأن الثقافي حضور معارض الكتاب الافتراضية والتجول في أروقتها وتصفح الإصدارات وشراء ما يرغب دون أن يترك مقعده، كما يمكنه حضور حفلة موسيقية أو معرض للفن التشكيلي بنفس الكيفية في مصر أو في أي مكان آخر حول العالم، يتيح رقمنة المنتج الثقافي وإتاحته، وهو ما يسهم كثيراً في تحقيق مبدأ العدالة الثقافية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"