عادي
في ذكراه السادسة

حبيب الصايغ.. شاعر حاور الذات والعالم

19:42 مساء
قراءة 4 دقائق

ترك حبيب الصايغ، بصمة بارزة في سجل الثقافة الإماراتية والعربية، التي جمع فيها بين الحضور الشعري المتفرد والرؤية المؤسسية، ليغدو من أبرز الشخصيات الأدبية التي آمنت بأن الثقافة تجسد مشروعاً متكاملاً تتداخل فيه القصيدة مع الكتاب والمنبر الإعلامي.
برحيل الصايغ، 20 أغسطس 2019، فقدت الإمارات رائداً من رواد الشعر الحديث والممارسة الثقافية الراقية، والذي سعى دائماً لصياغة لغة جديدة تحاور الذات والعالم، وتلقي الضوء على هموم الإنسان العربي دون أي ادعاء أو مواربة، ليرتبط شعره بهم الإنسان ووجعه، ماضياً في قصيدته نحو اختبار الأسئلة الكبرى التي تشغل المثقف العربي من الخليج إلى المحيط. 

1


شكلت تجربة الصايغ الشعرية علامة فارقة في حداثة القصيدة العربية على مستوى الشكل والمضمون، ومنذ بداياته الأولى، أظهر الصايغ ولعاً بالتجريب الشعري ورغبة في تجاوز التقليدي، مقدماً قصيدة مختلفة تنسج الأسطوري بالواقع، وتطرح أسئلة وجودية تسبر أغوار الذات الإنسانية، ولم يتوقف فيها عند حدود الشكل، بل كان حريصاً على أن تكون التجربة الشعرية قادرة على احتضان تناقضات الزمن والمكان، فكتب قصائده الطويلة بروح «القصيدة الكتاب»، فامتزجت في نصوصه الحداثة بالتراث بشكل خاص وحيوي.
*مضامين
أما على مستوى المضامين الشعرية، فقد أولى الراحل اهتماماً بالغاً بالبعد الإنساني والوطني والسياسي، فجعل من قضية الهوية والانتماء والوطن موضوعات مركزية في شعره، واحتفى بالمرأة، وعبر عن الانتماء العربي الجامع والهم الإنساني، لذا، نجد في دواوينه المختلفة مظاهر المزج بين الرمزية والواقعية والتوظيف المبتكر للحدث والأسطورة والرمز، مستلهماً الكثير من تقنيات الشعر الحديث. 
ولم تكن نصوص الصايغ بمنأى عن التقدير النقدي، فقد أشاد به النقاد باعتباره أحد أهم الشعراء في الخليج والوطن العربي، واعتبرت تجربته نموذجاً للفرادة والتجديد في شعر التفعيلة وقصيدة النثر، لتحمل القصيدة الإماراتية إلى الفضاء العربي والعالمي بجدارة، حيث ترجم شعره إلى عدة لغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية. 
منذ بداياته الأولى، بدا الصايغ مشغولاً بفكرة أن الشاعر هو ضمير الجماعة، هذه الفكرة انعكست في مسيرته العملية حين تولى إدارة وتأسيس منابر أدبية وصحفية مرموقة، ففتح أبواباً لأسماء شابة وجعل من الصحافة الثقافية رابطاً بين التجربة المحلية والفضاء العربي.
*مسؤولية
ويمكن القول إن ما ميز الراحل حبيب الصايغ أنه تعامل مع الثقافة كمسؤولية عامة، حيث تجده في مقالاته اليومية وأعمدته، يمارس دور الكاتب الذي ينحاز لقضايا الناس والهوية واللغة، ويضع المثقف في موقع الفعل لا المتفرج، من خلال رؤيته التي ارتكزت على أن الثقافة لا تنحصر في الكتب والمعارض، وإنما هي جزء من أسئلة الحياة، والانتماء، والعلاقات مع العالم
كان الصايغ يملك قدرة مدهشة على الجمع بين العمل الثقافي الرسمي والروح الإبداعية الحرة، ففي الوقت الذي ينشغل فيه بإدارة الاتحادات والمجالس، واصل كتابة قصيدته الخاصة، هذه الثنائية بين الشاعر والمؤسسي لم تكن عبئاً عليه، بل عنصر قوة رسخت حضوره في الساحة الثقافية المحلية والعربية.
على المستوى العربي، كان حضوره في الملتقيات والمنتديات الثقافية تعبيراً عن رؤية تتجاوز الحدود الوطنية، فهو لم يكن يدافع عن القصيدة الإماراتية فحسب، بل عن مستقبل الشعر العربي كله، في مواجهة التحديات التي فرضها العصر الرقمي، وتراجع القراءة، وصعود أشكال جديدة من التعبير الأدبي، في هذا السياق، كان الصايغ ينبه دائماً إلى ضرورة تجديد العلاقة بين القارئ والنص، بين الجيل الجديد والذاكرة الشعرية، معتبراً أن انقطاع هذه السلسلة هو تهديد للهوية العربية ذاتها.
إن ما يلفت النظر في الإرث الثقافي للراحل، أنه نسج علاقة متوازنة بين الإبداع الفردي والجهد الجماعي، فقد ظل يكتب نصوصه الشعرية بخصوصيتها وفرادتها، لكنه في الوقت ذاته وضع وقته وطاقته في خدمة الآخرين، سواء عبر عمله الإعلامي في المنابر الثقافية أو عبر تنظيم الفعاليات، هذه المزاوجة بين «الذات الشاعرة» و«المثقف الفاعل» هي ما جعلت أثره أكبر من حدود كتبه ودواوينه.
غاب حبيب الصايغ جسداً، لكن أثره يبقى ممتداً يتجاوز حدود النصوص إلى الوعي العام الذي ساهم في صياغته، فقد رسم ملامح جديدة لدور المثقف، وأكد أن الثقافة ركيزة تأسيسية في المجتمع الحديث، وهكذا يبقى إرثه حياً في القصائد والمنابر، وفي قلوب الأجيال التي وجدت في صوته سنداً وبوصلة.
* محطات مضيئة
* ولد في أبوظبي عام 1955 وانضم للعمل الصحفي وهو في الخامسة عشرة من عمره.
*حصل على إجازة في الفلسفة عام 1977، ثم ماجستير في اللغويات والترجمة من جامعة لندن عام 1998.
*أسس أول ملحق ثقافي إماراتي باسم «الفجر الثقافي» عام 1980، ومجلة «أوراق نقدية» في 1982، وترأس تحريرها حتى 1995.
* الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب منذ عام 2015 حتى وفاته.
*جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2007، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الجائزة لشاعر.
*جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية ـ فرع الشعر (الدورة 2014-2015).
*جائزة وسام مجلس التعاون لدول الخليج العربي عام 2016.
*ميدالية «أوائل الإمارات» عام 2016.
*تم ترشيحه لجائزة نوبل للآداب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"