تُقدم السويد نموذجاً فريداً في التعامل مع منتجات النيكوتين وتأثيرها في الصحة العامة، مستندة إلى تاريخ طويل مع التبغ. في لقاء خاص يجيب عدد من الخبراء والمسؤولين عن تساؤلات مهمة حول العلاقة بين استهلاك النيكوتين والتدخين، لتسليط الضوء على مفهوم «تقليل الضرر» كاستراتيجية صحية فعالة. في هذا المقال، نستعرض وجهات نظر أربعة خبراء وممثلين في هذا المجال – الدكتور جوزيف أشقر، والبروفيسور كارل فاغرستروم، وباتريك سترومر، وصموئيل لونديل – لفهم أعمق لديناميكيات هذا التحول.
النيكوتين والتدخين: منظور طبي
شدد الدكتور جوزيف أشقر، طبيب القلب والطب الباطني، على أن التراجع الملحوظ في الأمراض المرتبطة بالتدخين في السويد يرجع بشكل أساسي إلى انخفاض عدد المدخنين، وليس بالضرورة إلى انخفاض إجمالي استخدام النيكوتين. يكمن جوهر المسألة في كيفية استهلاك النيكوتين؛ فاستنشاقه عبر السجائر هو السبب الرئيسي للأمراض المزمنة الخطيرة مثل مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، وسرطان الرئة، وأمراض الأوعية الدموية الطرفية. يوضح أشقر أن طريقة تناوله هي العامل الحاسم.
وهذا يفسر كيف حققت السويد انخفاضاً في الحالات المرتبطة بالتدخين بينما لا يزال استخدام النيكوتين منتشراً على نطاق واسع بأشكال أخرى، مثل أكياس النيكوتين. وعلى الرغم من أن هذه الأكياس ليست خالية من المخاطر، إلا أنها تعتبر «ضارة»، ولكن بدرجة أقل بكثير من دخان السجائر.
يؤكد أشقر أن النيكوتين سيكون دائماً ضاراً مقارنةً بشخص لا يستخدمه على الإطلاق، ولكنه يُعد أقل ضرراً بالنسبة لمن يقارنه بالتدخين، وذلك ضمن مفهوم تقليل الأضرار الصحية.
فيما يتعلق بالشباب، يشير الدكتور أشقر إلى نقص الأبحاث الرسمية على الفئات العمرية الأصغر، لكنه يفترض أن النيكوتين يؤثر في نمو الدماغ بسبب تفاعله مع مستقبلات الدماغ، ما يستلزم توصية بعدم استخدامه لمن هم دون 18 أو 21 عامًا. كما يحذر الأفراد الذين يعانون من حالات صحية موجودة مسبقاً، مثل مرض السكري من النوع الثاني، من استخدام منتجات النيكوتين بسبب الآثار السلبية المحتملة على صحة القلب والأوعية الدموية لديهم.
فهم الاعتماد على النيكوتين .. ودور تقليل الضرر
قدم البروفيسور كارل فاغرستروم، مخترع اختبار فاغرستروم للاعتماد على السجائر، رؤية عميقة حول طبيعة الإدمان على النيكوتين وتطوره التاريخي. في السبعينيات، عندما بدأ اهتمامه بهذا المجال، لم يكن «النيكوتين» يعرف جيداً، وكان التدخين يُعتبر عادة سيئة بوجه عام.
أدرك فاغرستروم لاحقاً أن هناك اعتماداً دوائياً على النيكوتين يتجاوز مجرد العادة، ما دفعه إلى تطوير اختبار لقياس درجة هذا الاعتماد، بدلاً من مجرد تشخيص بسيط. يهدف الاختبار إلى تحديد شدة الاعتماد، فكلما ارتفعت النتيجة، زادت صعوبة الإقلاع عن التدخين، خاصة لمن يعانون من مشكلات صحية نفسية أخرى.
ييعتبر الوقت الذي يستغرقه الشخص لتناول النيكوتين بعد الاستيقاظ من النوم مؤشراً حساساً على درجة الاعتماد. يُفرق فاغرستروم بين نوعين من الاعتماد: الاعتماد السلوكي والاعتماد الدوائي. ويُشير إلى أن المنتجات التي تُقدم بديلاً في كلا الجانبين تكون أكثر فعالية في الإقلاع. فلاصقات النيكوتين، على سبيل المثال، لا تُحدث اعتماداً كبيراً لأنها لا تُقدم دفعة سريعة من النيكوتين إلى الدماغ، على عكس السجائر أو السجائر الإلكترونية التي تُوصل النيكوتين بسرعة فائقة وتُحدث تأثيرات حسية قوية تُعزز الاعتماد السلوكي..
ويؤكد فاغرستروم أن المنتجات مثل التبغ المُسخّن والفيبينج وأكياس النيكوتين تُسبب اعتماداً أقل بكثير من السجائر، ما يدعم استراتيجية تقليل الضرر. ويشير إلى أن القليل جداً من المدخنين يتبعون نهجاً مشددا وهو الإقلاع فوراً. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى نهج يوفر دعماً سلوكياً ودوائياً للمساعدة في الإقلاع.
السويد كنموذج .. وجهة نظر صناعية ومجتمعية
يقدم باتريك سترومر، الأمين العام لجمعية مصنعي السنوس السويدية، نظرة من داخل الصناعة على المشهد التشريعي والتحديات الثقافية لمنتجات النيكوتين في السويد. يُقر سترومر بأن التشريعات السويدية جيدة بشكل عام، لكنها لا تزال تحتاج إلى تحسينات في متابعة القُصر وتنظيم أكياس النيكوتين، مشيراً إلى أن الصناعة وضعت معايير جودة خاصة بها، بما في ذلك حدود العمر والتحذيرات الصحية وقيود التسويق، قبل حتى صدور القوانين الرسمية.
يؤكد سترومر أن السويد تمكنت من خفض معدلات التدخين اليومية بشكل ملحوظ، وأوضح قائلاً: «نحن نخطو خطوات كبيرة نحو أن نصبح دولة خالية من الدخان، وما نقدمه يعد جزءاً أساسياً من هذا التحول».
تشير الدراسات إلى أن أكياس النيكوتين تمثل بديلاً أقل خطورة مقارنة بالسجائر التقليدية، حيث أن الأبحاث تظهر أن منتجات النيكوتين البديلة لا تحمل نفس المخاطر المترتبة على التدخين التقليدي.
يوضح سترومر أن السويد قد أثبتت نجاحها في تقليل معدلات التدخين التقليدي، وقال: “هذه الإحصائيات لا يمكن تجاهلها. لا يمكننا الاستمرار في ربط «التبغ عديم الدخان» بالتدخين التقليدي بينما تتناقض هذه المقارنة مع الواقع العلمي. يعتقد سترومر أن السويد تُقدم نموذجاً ناجحاً في تطبيق سياسة تقليل الضرر، وأن هذا النموذج قابل للتطبيق في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط، إذا توفرت المنتجات والمعلومات الصحيحة للمستهلكين.
صوت المستهلك: التوعية والتحديات
من منظور المستخدمين، يوضح صموئيل لونديل، رئيس الرابطة الوطنية لمستخدمي السنوس في السويد، رؤيته حول مزايا أكياس النيكوتين كبديل لمنتجات التبغ التقليدية من حيث تجربة المستخدم وتقليل الضرر. يُبرز لونديل التنوع الكبير في النكهات وسهولة الاستخدام كعاملين رئيسيين، مُشيراً إلى أن القدرة على استخدام هذه المنتجات في أي مكان وفي أي وقت تُعد ميزة كبرى، خاصة في الأجواء الباردة.
ويرى أن مهمة منظمته هي تسليط الضوء على الفارق الهائل في الآثار الصحية بين المنتجين، لجعل الخيار سهلاً على الناس.
يرى لونديل أن بإمكان منظمته التأثير لدعم قضية السنوس كمنتج صحي وخالق لفرص العمل. يُعالج لونديل أيضاً المفاهيم الخاطئة الشائعة، مثل الاعتقاد بأن جميع منتجات النيكوتين قوية جداً أو تسبب الغثيان. ويُفنّد بشكل خاص المفهوم الخاطئ حول تسبب السنوس لبعض الأمراض الخطيرة.
ويرى بأن السنوس قد يحدث تغييرات جسدية طفيفة في اللثة بسبب التلامس المباشر، لكنها عادةً ما تكون مؤقتة. ويرى أن سلوك المستخدم يتغير، فالمدخنون السابقون قد يستخدمون الأكياس لفترات أطول للحصول على دفعة النيكوتين المعتادة، لكن الأهم هو أنهم يتجنبون المخاطر الأكثر ضرراً.