وقائع جديدة تكشف عن تشققات في التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ضمن تحالف «العيون الخمس» الذي يضم إلى جانبهما، كندا وأستراليا ونيوزيلندا، من ضمنها وعد قدمه كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، لنظيره البريطاني رئيس جهاز MI5، من دون الوفاء به، إضافة إلى حوادث أخرى، أثارت التساؤل حول موثوقية باتيل بالنسبة لأحد أقدم وأقوى التحالفات الاستخباراتية في العالم.
اجتماع سري ووعد ملغي
بحسب ما تكشفه صحيفة نيويورك تايمز، ففي اجتماع سري عُقد في مايو/أيار الماضي، في فندق فاخر جنوب لندن، طلب كين مكالوم، رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5)، من كاش باتيل مساعدة حاسمة.
وقال مكالوم لباتيل إنه يريد منه حماية وظيفة عميل FBI متمركز في لندن، كان مسؤولاً عن أدوات مراقبة متطورة تعتمد عليها الأجهزة البريطانية في مهام حساسة، مثل مراقبة سفارة جديدة تخطط الصين لبنائها قرب برج لندن، وبحسب مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، وافق باتيل على الطلب وقطع وعداً بتأمين التمويل اللازم للإبقاء على ذلك العميل في منصبه.
لكن هذا الوعد تبخر لاحقاً، حيث كانت وظيفة العميل مُدرجة بالفعل ضمن قوائم التخفيضات التي كان البيت الأبيض يخطط لها. وبعد فترة، انتقل العميل إلى وظيفة أخرى داخل الولايات المتحدة، ما ترك مسؤولي MI5 في حالة «ذهول»، وفقاً للمصادر.
وأوضح مسؤولون أمريكيون لاحقاً أن باتيل رفض في النهاية إعادة تخصيص التمويل للدور بسبب التكاليف المرتبطة به، دونما توضيح ما إذا كان على علم مسبق بإلغاء المنصب حين قطع وعده.
سلسلة من المواقف المحرجة
كشفت تفاصيل زيارة باتيل إلى بريطانيا في مايو/أيار لحضور اجتماعات مع كبار مسؤولي الأمن القومي، عن سلسلة من المواقف المحرجة التي سبقت اللقاء المحوري مع نظيره البريطاني، حيث سعى باتيل للهبوط في مطار أقرب إلى موقع الفندق، لكن المسؤولين البريطانيين رفضوا، مؤكدين أن بروتوكولات الأمن تفرض على كبار الشخصيات استخدام مطار ستانستيد.
نزاع حول تسليح فريق الحماية
أبلغت قيادة الحماية الملكية البريطانية فريق الـ FBI بأنه لا يُسمح بتسليح فريق حماية باتيل. وخلص التقييم الأمني البريطاني إلى أن باتيل «لم يستوفِ الحد الأدنى للإعفاء» بموجب القوانين البريطانية الصارمة لمنح مثل هذا التصريح. وأدى هذا إلى عقد اجتماع طارئ، لكن البريطانيين تمسكوا بموقفهم.
كما فاجأ الحضور في لقاء رسمي مرتدياً «قبعة سائق شاحنة وسترة خضراء بغطاء رأس»، في مخالفة صارخة للتقاليد الرسمية لمثل هذه الاجتماعات والبروتوكولات المتبعة في الـ FBI.
ثم اشتكى وفقاً لمسؤول سابق، من عدد الاجتماعات في جدول أعمال المؤتمر، وهي سمة معروفة عنه.
نفي من الـ FBI
في رد على هذه الاتهامات، نفى مسؤول في الـ FBI عدم الكشف عن اسمه وجود أي خلاف حول تسليح فريق الحماية، وادعى أن المناقشات حول مطار جاتويك كانت تتعلق «بمشكلة في الجدولة». وأضاف أن باتيل لم يعترض على الاجتماعات نفسها؛ بل كان يحاول تحديد الضروري منها لإنجاز أعمال أخرى.
مواقف مثيرة للجدل
لم تكن الوقائع في بريطانيا هي الوحيدة التي أثارت القلق، فقد واجه باتيل، الذي يفتقر إلى الخبرة العميقة التي تمتع بها أسلافه، بداية صعبة مع حلفاء آخرين. وفي نيوزيلندا خلال زيارة في يوليو/تموز، أثار الحرج عندما قدم هدايا لمسؤولي الأمن القومي تتكون من نسخ طبق الأصل لمسدسات بلاستيكية مطبوعة بتقنية 3D.
واعتبرت الجهات المعنية هذه الهدايا غير قانونية بموجب قوانين الأسلحة النيوزيلندية، واضطرت الشرطة المحلية إلى الاحتفاظ بها وتدميرها «لضمان الامتثال للقوانين».
وفي أستراليا، أثناء زيارة قام بها، أوقف باتيل الممثلة العليا لمكتب FBI هناك عن العمل لمشاركة في احتجاجات عام 2020، ثم طردها لاحقاً.
صدمة في تحالف «العيون الخمس»
لم تكن هذه الحادثة مجرد إخفاق في تنسيق روتيني؛ بل مثلت، وفقاً للمسؤولين، «مقدمة صادمة» لأسلوب قيادة باتيل في نظر الحلفاء. فتحالف «العيون الخمس» يُعتبر أقدم شراكة استخباراتية في العالم، وتُبنى علاقاته على ثقة عميقة وموثوقية متبادلة يعتبرها كبار مسؤولي الأمن القومي في التحالف حيوية لتبادل المعلومات الحساسة.
وأعرب مسؤولون سابقون ومطلعون على ردود فعل الحلفاء عن مخاوف متزايدة من أن قلة خبرة باتيل، وسلسلة إقالاته لمسؤولين كبار في الـ FBI، وتحويله موارد المكتب عن مهام إحباط التجسس والإرهاب، كلها عوامل تدفع إلى الاعتقاد بأن الوكالة «أصبحت في حالة معاناة».
ومن بين ما تكشفه المصادر المطلعة، أن حلفاء «العيون الخمس» يتابعون بقلق بالغ إقالة باتيل لضباط شاركوا في تحقيقات تتعلق بالرئيس السابق دونالد ترامب، واستخدامه صلاحياته للتحقيق مع ما وُصف بـ «أعداء الرئيس».
علاقة مصيرية على المحك
تبقى العلاقة بين الـ FBI وMI5، والتي تعود إلى عام 1938 على الأقل، حجر الزاوية في تحالف «العيون الخمس»، وبحسب مراقبين فإن هذه الوقائع لا تمثل مجرد خلافات؛ بل هي اختبار خطِر للثقة التي يتأسس عليها تبادل المعلومات الحيوية التي تحمي أمن الدول الحليفة.
وبينما يرفض كل من الـ FBI والجهات البريطانية التعليق علناً، تشير الوقائع إلى أن جسر الثقة بين الطرفين قد تعرض لاهتزاز عنيف، والأضرار التي قد تنجم عن ذلك يصعب تقديرها، لكنها بلا شك ستترك أثراً طويل الأمد على واحدة من أقوى شبكات الاستخبارات في التاريخ.
تأسيس تحالف العيون الخمس
في اليوم نفسه من عام ١٩٤٦ الذي ألقى فيه ونستون تشرشل خطابه عن الستار الحديدي في الولايات المتحدة، وقّعت لندن وواشنطن سراً الميثاق الذي شكّل أساس تحالفهما الاستخباراتي. وكان هذا ثمرة تعاونهما خلال الحرب العالمية الثانية، ثم توسّعت الشراكة مع بداية الحرب الباردة لتشمل دولًا أخرى، هي أستراليا وكندا ونيوزيلندا، وأطلق عليها اسم «العيون الخمس».
وتعتمد جميع هذه الدول اعتماداً كبيراً على الاستخبارات الأمريكية للحفاظ على أمنها. وعلى الرغم من أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وكالة تحقيق جنائي، إلا أنه يُمثل أيضاً جزءاً أساسياً من مجتمع جمع المعلومات الاستخباراتية الغربية. وإلى جانب وكالات أمريكية أخرى، مثل وكالة المخابرات المركزية (CIA)، يمتلك FBI مكاتب حول العالم.