عبدالله السناوي
تطرح الأسئلة الحرجة نفسها على العام الجديد. هل نحن بصدد تحديات وأزمات وأهوال جديدة؟ أم أن هناك آمالاً معلّقة على تغيير ما مفاجئ في صلب الأجواء المحبطة؟
السؤال بصياغته وتوقيته اعتيادي عند مغادرة عام واستقبال آخر. هذه المرة تحجب الغيوم على الجسر الواصل بين عامين أي رؤية تطمئن على أي مستقبل منظور.
إنه عام الغيوم وعدم اليقين. أخطر أسئلته: ما مستقبل النظامين الدولي والإقليمي؟
كلاهما استهلك مقوماته وأسسه، تقوض تماماً، من دون أن يكون واضحاً ما بعدهما من توازنات قوة واعتبارات نفوذ.
قرب نهاية عام 2025 تبدت فرص شبه جدّية لإنهاء الحرب الأوكرانية، التي أنهكت أطرافها المباشرة وغير المباشرة بحرب استنزاف طويلة. وتبدّت فرص أخرى مراوغة وملغمة لوقف الحرب على غزة، التي تمددت في حروب أخرى تهدد المنطقة كلها في مستقبلها ووجودها نفسه.
بقوة الحقائق فإن النظام الدولي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يترنّح من أزمة إلى أخرى من دون أن تسقط أطلاله، أو يتأسس نظام جديد فوق أنقاضه.
في البداية سادته قوتان عظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على مدى سنوات الحرب الباردة، قبل أن ينهار الأخير وتنفرد الأولى بقيادته.
بانهيار الاتحاد السوفييتي تغيرت الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية، انهار «حلف وارسو» الذراع العسكرية لما كان يطلق عليها الكتلة الاشتراكية، وبقي «حلف الناتو» متصدراً المشهد العسكري الدولي.
بمقتضى صفقة غير معلنة بين الإدارة الأمريكية والكرملين توحدت الألمانيتان عام (1990) مقابل ألا ينشر «الناتو» صواريخه وقواته قرب الحدود الروسية.
أزيح الستار الحديدي، وبدأت دعوات «نهاية التاريخ» تهيمن على العالم الجديد، الرأسمالي الليبرالي تحت قيادة أمريكية شبه مطلقة.
أثناء أزمة «كوفيد 19»، التي أثارت الذعر في مناطق واسعة من العالم، أوروبا بالذات، طُرح سؤالان استراتيجيان.
* أولهما- إذا ما كانت الولايات المتحدة جديرة بقيادة التحالف الغربي وحدها بعدما أدارت ظهرها للحلفاء، خاصة إيطاليا وإسبانيا، اللذين روعتهما الجائحة. ولا أبدت استعداداً للدفاع عن أمن التحالف المفترض رافعة شعار: «الدفع مقابل الأمن».
* وثانيهما- إذا ما كان الاتحاد الأوروبي قادراً على التصدي المشترك للجائحة، أو يمتلك أي قدرة على توفير الأمن الجماعي بعيداً عن العباءة الأمريكية.
كانت تلك شروخاً عميقة أفضت تداعياتها إلى خسارة دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية الأمريكية التالية (2016) أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، الذي تبنى خيارات استراتيجية مختلفة، بينها إعادة بناء التحالف الغربي بصورة تقارب ما كان عليه سابقاً، من دون إدراك الحقائق الجديدة التي طرأت على العلاقات الدولية، وعلى روسيا نفسها في ظل فلاديمير بوتين.
كانت أوكرانيا ميدان الحرب وليست موضوعها. بعد أربع سنوات من الاستنزاف العسكري والمالي يحاول ترامب وقف الحرب حتى يقال عليه «رجل سلام»!
معضلته على الجسر بين عامين، أنه لا يمتلك رؤية واضحة لما بعد الحرب. يتهم علناً القادة الأوروبيين بالعجز والضعف، دون أن يكون بمقدوره الاستغناء عن الدور الأوروبي لحفظ المصالح الأمريكية العليا!
هناك مخاوف أوروبية معلنة أن تفضي تصرفات ترامب إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بالقارة وأمنها لصالح بوتين.
على الجسر بين عامين تكاد تتلخص العقبة الرئيسية للمفاوضات الجارية حول عنوان واحد: ضم إقليم دونيتسك إلى روسيا كما يلح الكرملين شرطاً لا تنازل عنه.
إذا ما حصلت روسيا على ما تطلب، وموازين السلاح معها وترامب أميل إلى هذا الخيار، فإنها هزيمة استراتيجية للطرف الآخر وتداعياتها تدخل في حسابات القوة الجديدة.
إذا لم يتحقق لها ما تطلب، فإن الحصاد الأخير للحرب ينال من شرعية بوتين ويؤذن بأوضاع روسية جديدة.
بتلخيص ما، فإن النتائج السياسية والعملية للمفاوضات الجارية سوف تقرر إلى حدود بعيدة صورة النظام الدولي الجديد.
بتلخيص مقارب في روحه العامة فإن النتائج السياسية الأخيرة للحرب على غزة سوف تقرر الصورة العامة المسرح الإقليمي إلى حقب طويلة مقبلة.
على الجسر بين عامين تتغلب سيناريوهات الحرب على أكثر من جبهة، الحرب على إيران سيناريو محتمل، يلحّ عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإرباك الإقليم كله سعياً لما يطلق عليه «النصر المطلق».
بقدر آخر من غير المحتمل تخفيض التوتر على الجبهتين اللبنانية والسورية رغم ممانعات ترامب الخجولة.
«خطة ترامب» على محك الضغوطات والمساومات بين الأمريكيين والإسرائيليين دون أدوار عربية يعتد بها!
نتنياهو يراهن على تقويض الخطة بصورة غير مباشرة.. ووزير دفاعه يسرائيل كاتس يؤكد بصياغات متعددة: «لن ننسحب من غزة».
بالمقابل يضغط البيت الأبيض بقدر ما للدخول في المرحلة الثانية من الخطة حتى لا يقال إنها فشلت، لكنه لا يصعًد حتى لا يخل بطبيعة العلاقة مع إسرائيل.هنا- بالضبط- جوهر أزمة ترامب في إدارة ملفات الإقليم المشتعلة بالنيران. نحن أمام فوضى إقليمية ضاربة محتملة لا شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل.
هذه حقيقة مؤكدة بكل السيناريوهات وأياً كانت نتائج وتداعيات الحروب المنتظرة في عام جديد يطل علينا.