«أمريكا تتخلى عن حلفائها.. ولا تتورع عن خرق القانون الدولي». كان ذلك تصريحاً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخشى فيه تبعات ما بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على التحالف الغربي، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في تصريح آخر أكثر حدة تعبيراً عن الأزمة نفسها وصف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير السياسة الأمريكية بأنها تشبه «وكر لصوص». خطورة ذلك التصريح في دلالاته ورسائله.
لم يحدث من قبل وصف السياسة الأمريكية بمثل هذه الأوصاف، التي تخرج بحمولاتها المتفجرة عن مقتضى دوره البرتوكولي في السياسة الألمانية.
بتواتر عبارات مماثلة من مسؤولين أوروبيين كبار، بالمواربة الدبلوماسية أو العبارات الغليظة، يكاد التحالف الغربي أن تتقوض أسسه ومؤسساته السياسية والعسكرية، وأن تنهار صورة الولايات المتحدة في عين الأوروبيين والحلفاء الآخرين.
بإمعان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاستهزاء بالحلفاء دون اكتراث بمخاوفهم تتبدى الآن إشارات إضافية عن قرب نهاية النظام الدولي والتحالف الغربي وذراعه العسكرية حلف «الناتو» دون أن يولد نظام جديد من تحت أنقاضه.
إثر اختطاف مادورو فتحت ملفات وتبدت مخاوف أن تفلت العلاقات الدولية عن أي قواعد قانونية وأخلاقية، فكل شيء ممكن ومتاح بالقوة المجردة.
في الأيام الأولى تصدّر المشهد سيدتان قويتان، الأولى، الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغز، التي وجدت نفسها في مأزق سياسي وإنساني يصعب تجاوزه دون أثمان باهظة، إذا ما اصطدمت بترامب، فقد تعرض بلادها لمصاعب إضافية غير محتملة، وإذا ما أذعنت إلى مطالبه ونواهيه فإنها تفرط بإرث بلادها في طلب استقلال القرار الوطني والحفاظ على ثرواتها الطبيعية تحت كل الضغوط.
والثانية، سيليا فلوريس زوجة مادورو، التي ربما تعرضت لضرب مبرح على الوجه حسب صور متداولة على نطاق واسع، لا يمكن الجزم بصحتها.
إذا ما صحت واقعة الاعتداء البدني عليها فإنها شهادة جديدة على نوع العدالة الأمريكية تذكر بما حدث لصدام حسين بعد احتلال العراق عام (2003).
لم تهتم إدارة ترامب بأية عملية سياسية مُدّعاة، كل ما يعنيها إدارة النفط والمكاسب التي تجنيها دون غطاء سياسي، أو قانوني، أو أخلاقي. وضع فنزويلا تحت الوصاية، لا انتخابات قريباً، أو في أي مدى منظور. إدارة النفط أولاً وأخيراً وفق ما تقتضيه المصالح الأمريكية ولا شيء آخر.
على الفور بدأت الإدارة الأمريكية في ترهيب كولومبيا وكوبا، الأولى- بعملية عسكرية مماثلة إذا لم يستجب رئيسها جوستافو بيترو لمطالب ترامب وإملاءاته. والثانية- بتشديد الحصار عليها حتى تسقط من تلقاء نفسها، أو بإثارة الفوضى داخلها؟
كان احتجاز ناقلة نفط روسية بذريعة نقلها نفطاً فنزويلياً تصفه واشنطن بأنه غير مشروع تعبيراً عن قوة أفلت عقالها، لا قانون دولي ولا خشية ردع.
وسط كل هذه الأجواء أصدر الرئيس الأمريكي قراراً تنفيذياً ينص على الانسحاب من 66 منظومة دولية ووقف تمويلها بذريعة أنها «لم تعد تخدم المصالح الأمريكية» وفق نص القرار.
هذا يعني بالضبط التحلل الكامل من أي أدوار صاحبت صعود القوة الأمريكية، كأن القوة المجردة كافية بذاتها!
بدت المساجلات الحادة بين الأمريكيين والأوروبيين حول جزيرة غرينلاند كاشفة بذاتها عن عمق الخلل في بنية العلاقات داخل التحالف الغربي، يطلب ترامب الاستيلاء عليها بالشراء، أو بالقوة العسكرية وعينه على ثرواتها من المعادن النفيسة.
لأزمة غرينلاند وجهان أولهما، جيوسياسي حيث تستخدم الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي بمراقبة التحركات الروسية وتأمين خطوط الملاحة الجديدة.. والآخر، اقتصادي بثقل ما تملكه من ثروات.
الأولوية الترامبية القصوى نزع ثرواتها، لعله يخفض أزمته الاقتصادية، التي تتهدده في شعبيته.
الدانمارك صاحبة السيادة على الجزيرة تقول: «إنها ليست للبيع»، لكنها منفتحة على التعاون الاقتصادي والاستثماري وتلبية المطالب الأمريكية الاستراتيجية في إطار حلف «الناتو»، لكن واشنطن مصرة تماماً على الاستيلاء عليها.
الروس مهتمون بأسباب استراتيجية وعسكرية بما قد يسفر عن الأزمة المشتعلة داخل البيت الأطلسي، حيث تقف الولايات المتحدة بناحية وباقي الحلفاء التقليديين بناحية أخرى. الصين بدورها تتابع الأزمة وعينها على الفرص الاستثمارية المتاحة.
مستقبل حلف «الناتو» على المحك، الدانمارك المهددة بالغزو الأمريكي عضو فيه. نظرياً: «الناتو» مطالب بالدفاع عنها.. عملياً: هذا مستحيل. إنها الأزمة الوجودية الأخطر، التي تعترضه، منذ تأسيسه 1949.
تحت أفق عواصف ما بعد اختطاف مادورو تبدت سيناريوهات وافتراضات لتدخلات أمريكية عسكرية في مناطق عديدة من العالم بذرائع متباينة، حيث توجد ثروات طبيعية فاتحة لشهية القراصنة الجدد في نيجيريا وليبيا وإيران، غير أن «ترامب» ليس مطلق اليدين.
بقرار مفاجئ من مجلس الشيوخ الأمريكي جرى منعه من دخول أي عمل عسكري إضافي في فنزويلا بدون تفويض من الكونغرس.
رغم ادّعاء ترامب أن القرار «غير دستوري»، إلا أنه يفرض قيوداً مشددة على حركته السياسية والعسكرية معاً في فنزويلا وخارجها.
ماذا قد يحدث تالياً؟ بتقدير ترامب موجهاً حديثه إلى أنصاره الجمهوريين: «سوف أُعزل من منصبي إذا لم نفز في الانتخابات النصفية المقبلة».