د. إدريس لكريني
في عالم سمته التحول المتسارع على المستويات الاقتصادية والجيوسياسية، وتعدّد التهديدات، ومحاولة بناء توازنات وتحالفات جديدة، تعيش المنطقة العربية على إيقاع مخاطر معقدة ومتعددة، ترتبط في مجملها بندرة المياه، بما يهدد الأمن الغذائي، إضافة إلى توالي آثار الكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات الناجمة عن التغيرات المناخية في ظل ضعف الجاهزية والصمود، ناهيك عن تفشي النزاعات المسلحة، وتفاقم الصراع على السلطة، وانتشار الجماعات المتطرفة.
وتضاف هذه العوامل إلى الاختلالات الاقتصادية المقترنة بضعف البنى التحتية، وبسوء تدبير الموارد البشرية والطبيعية، وضعف الحوكمة السياسية، وتفشي المعضلات الاجتماعية من فقر وبطالة وهجرة قسرية، إلى جانب تردي منظومتي التعليم والبحث العلمي. وأمام هذه التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، تدهور النظام الإقليمي العربي بكل عناصره، وتصاعدت حدّة التدخلات الخارجية في المنطقة.
وفي سياق طرح مجموعة من الأفكار التي ترسم ملامح مستقبل المنطقة، ارتباطاً بقضاياً الديمقراطية والحكامة والابتكار والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، التأمت بمدينة مراكش، أشغال المنتدى العربي للحرية بمبادرة من المركز العربي للدراسات، وبمشاركة عدد من الخبراء والباحثين وصناع القرار من مختلف الدول.
فارتباطاً بالحالة السورية، تم التأكيد على أن إرساء مرحلة جديدة، ينبغي أن تكون مختلفة عن التجربة السابقة، حتى لا يتم الاصطدام بالوصول إلى النتائج نفسها (صراعات دامية ونزوحات..)، فالمجتمع الموحد هو الحصن المنيع ضد كل التدخلات الأجنبية، الأمر الذي يفرض بناء مزيد من المؤسسات، بتحويل كل مظاهر التوتر والصراع إلى أحزاب سياسية تتنافس سلمياً عبر برامج مختلفة، إلى جانب ترسيخ ثقافة الديمقراطية وقيم المواطنة.
وعلاقة بالتمكين السياسي للنساء، تم التطرق للتجربة الأردنية التي تطور فيها حضور المرأة إلى نسبة 17 بالمئة داخل البرلمان، وحوالي 25 بالمئة في المجالس المحلية، وتم التنويه إلى أهمية التدابير المتخذة، مع الإشارة إلى أن تعزيز هذه الجهود يمر أيضاً عبر ترسيخ ثقافة تؤمن بمكانة المرأة وبدورها داخل المجتمع، بما يعزز مكانتها في صناعة القرار.
وفي الحالة المصرية، تم التوقّف عند الإصلاحات الاقتصادية التي تمت مباشرتها في سياق التغلب على التحديات المتصلة بالاندماج في الاقتصاد العالمي، وفتح آفاق النمو، مع الإشارة إلى أن الطريق يظل طويلاً ويتطلب سياسات مبنية على خطوات استراتيجية، مع الاستفادة من التجارب الدولية الفضلى.
وارتباطاً بفرص وتحديات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، تم التأكيد على أن هذا الأخير ليس مسألة تقنية بل مسألة حكامة، ومع وجود اقتصادات دولية منافسة، يظل الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وتطويره أمراً ضرورياً، وإلا فستكون البلدان العربية ضحية له.
تم الوقف أيضاً على العلاقة القائمة بين الحرية والاقتصاد، وإبراز أهمية الابتكار في خلق الثروة والحد من الفقر، وكذا إرساء إصلاحات اقتصادية وسياسية متدرجة بدل المراهنة على مجرد ردود أفعال في هذا الصدد.
وارتباطاً بأهمية المجتمع المدني كإطار يعكس التحضر والممارسات الديمقراطية في إطار من التنوع والاختلاف والحرية وترسيخ الوعي، تم التأكيد على أدواره المهمة في سياق دعم الانتقالات السياسية والاقتصادية، وهو ما تبرزه التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
وأبرزت عدد من الأوراق، الصعوبات التي تكتنف أداء المجتمع المدني في المنطقة العربية، ففي الحالة التونسية، التي ظل فيها هذا الأخير شكلياً لسنوات، شهد قدراً مهماً من التطور بعد الثورة، ووعياً بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق دون تفعيل أدوارها أفقياً وعمودياً.
أما في ما يتعلق بالحالة المغربية، فقد شهد مهام وحضور المجتمع المدني تطوراً مهماً عكسته مقتضيات دستور 2011 وإقبال عدد من الأفراد عليه في مقابل العزوف عن الانضمام للأحزاب السياسية، غير أن فاعليته ما زالت بحاجة إلى توخي الاحترافية في الأداء وتعزيز إطاره القانوني.
وعلاقة بالحالة اللبنانية، تم طرح سؤال حول مدى قدرة المجتمع المدني على الاستئثار بأدواره البنّاءة في ظل واقع سمته النزاعات والحروب، وهو ما ينطبق على مجموعة من دول المنطقة حيث يصبح من اللازم على المجتمع المدني أن يندمج بشكل أو بآخر في إطار موازين قوة يفرضها فاعلون ميدانياً، ممّا يحوّل رهاناته إلى العمل على الحد من العنف داخل المجتمع.